حوار بين ناقدين في بحر الأيديولوجيات- الجزء الخامس

ميمد الشعلان
2012 / 5 / 12

قلبت الثورة العربية المعاصرة كل المفاهيم السياسية، وهمّشت أخيرا الخطاب السياسي الذي احتكر الساحة السياسية العربية لمدة عقدين من الزمن، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وتراجع الأحزاب الشيوعية. طيلة هذه المدة انقسمت الساحة السياسية إلى معسكرين: معسكر "الموالاة" لأمريكا بمشاركة أنظمة سقطت في مصر، تونس، اليمن وحتى ليبيا، وأنظمة لم تسقط بعد في السعودية والممالك العربية الأخرى، إضافة إلى السلطة الفلسطينية؛ بالمقابل انتصب معسكر "المقاومة" وعلى رأسه إيران وسورية والتيارات الأصولية مثل حزب الله، حماس والجهاد. وقد اصطفت التيارات اليسارية أيضا بين داعمة للموالاة أو للمانعة، ما عدا الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي يعاني انفصاما في الشخصية، إذ يدعم المعسكرين في آن معا.

حينها دار مجمل حواري تقريبا مع الأمين العام لحزب دعم العمالي- إسرائيل في التغيير الجذري في المشهد السياسي العربي، ليست هناك رؤية موحدة حول مغزاه. فالبعض يعتبره مجرد انقلاب عسكري، كما في مصر مثلا بصفقات بين الجيش والإخوان المسلمين حول تقاسم السلطة..!

فأنا أعتبر الإخوان سليل هذا التغيير الممنهج والذي ترسم بحالات رفض لسياسات الرأسمالية والبرجوازية المتعفنة من خلال حملات عمالية طلابية شعبية ضمت العقلية اليسارية والإسلامية قي آن واحد.. دون التطرق في حيثيات الرغبة الشخصية التي تهتري كل واحد اليوم وبشكل يرثي له الجبين! لكن دعني أقول لك صراحة بأن الفرضية التي فرضتها بالصفقات والعلاقة الوردية بين الإخوان- الكيان الوطني الحر- والمجلس العسكري- أذناب النظام البائد-.. ليس لها أي دليل من الصحة! فالإخوان يتعاملوا مع المؤسسة العسكرية بمبدأ -مااتقفنا عليه قمنا عليه.. ومااختلفنا عليه عذرنا بعضنا البعض- ولكم في موقفهم من المجلس الإستشاري ورفضهم لوثيقة السلمي- آية- والمليونيات ضد هيمنة العسكري أكثرها تداركا لحقيقة- سقوط عسكري بدون خروج آمن- وإن أخذنا الوقت، لكنه آت آت لامحال!
أما ماذكرته بخصوص آلية صمود الإخوان في السلطة متعلق أكثر بالتطورات داخل الدول الكبرى نفسها..! فالثورية اليسارية المصرية متواجدة بالفعل منذ قديم الأزل.. اللهم وإن أعيد نفخ صورتها إبان الثورة، لكنها لم يكن لها التأثير الفعلي علي طبقات المجتمع.. بل وعلي العمال أنفسهم، فقد إشتمل علي التيقن بالفكر الإسلامي الأصولي.. حتي وإن كانت الرؤي موجودة فلاتستطيع بدورها أن تقدم الشكل الكامل لعدالة الفرد كما قدمه الإخوان بحرية وعدالة في إنتخابات النقابات والمؤسسات المهنية المختلفة.. كضمان لحقوق اندثرت ويعاد تحقيقها الآن بقدم وساق.. ولك في مكتسباتهم أسمي البراهين وأعم المفاهيم..! لكن هذا لايعني أننا نرفض تواجد شموليات الرؤي ماكثر وأثمر.. طالما خرجت للصالح العام واستجابت لمقترحاته وايقنت متطلباته.

هو يقول: أوافقك بأن لكل ثورة وحدث تاريخي أكثر من رواية، واعترف أني لم أزر مصر في حياتي بل نتابع ما يحدث عن بعد، ومع ذلك فهناك إجماع على أن أبطال الثورة والمبادرين إليها كانوا من البداية العمال وتحديدا في المحلة الكبرى الذين أعلنوا إضرابهم التاريخي في 6 إبريل 2008 ثم جاء دور شباب الفيسبوك الذين أشعلوا فتيل الثورة، قادوها وتحدوا بإسمها. ومع هذا.. كان تقديري منذ اليوم الأول للثورة بأن المستفيد من ثورة الشباب والعمال سيكون دون شك الإخوان المسلمون.
إن توافق الإخوان أو إختلافهم مع الجيش نابع من منطلق واحد وحيد هو مصلحتهم في السيطرة على السلطة. هناك عدة أمثلة على ذلك، فعندما خرج شباب الثورة ضد الإستفتاء على الدستور، اختار الإخوان دعم موقف العسكر. كذلك حدث عندما طلب الشباب تأجيل الانتخابات. متى خرج الإخوان ضد العسكر؟! عندما شعروا بأنه يهدد سلطتهم ويحد من صلاحياتهم كحكومة في المستقبل القريب، ومن ذلك بالفعل وثيقة السلمي التي حاولت وضع الجيش فوق الدستور.
ومع ذلك، فالقضية الأساسية هي هل يكون بمقدور الإخوان التجاوب مع مطالب الشعب المصري، وتحديدا الطبقة العاملة المنتفضة، بالعدالة الإجتماعية التي تشمل زيادة في المعاشات، التثبيت في العمل، حرية التنظيم النقابي، حرية الإضراب والإحتجاج، ومعالجة مشكلة السكن، التعليم، الصحة والماء وسائر الحاجات التي أهملها النظام البائد؟!
لقد نجح الاخوان في كسب شعبية كبيرة على أساس الترويج لشعار- الإسلام هو الحل-، وسيكون حكمهم في الفترة المقبلة فرصة ثمينة لفحص مدى واقعية هذا الشعار، وهل يكفي لحل المشاكل العويصة التي أوردنا في الفقرة السالفة. لكن ما هو واضح هو أن تقييد حرية المرأة، وملاحقة الإبداع والمبدعين، وتكفير العلمانيين، التي كانت وسيلة ناجحة في غسيل الأدمغة، لم تعد أساسا لتجنيد الشعب، خاصة بعد أن لعبت القوى العلمانية والمرأة دورا قياديا في الثورة العظيمة التي أسقطت دكتاتورية مبارك، وبفضلها وصل الأخوان إلى السلطة، فلم يعد الشعب يخاف من العلمانيين بعد أن رأى ما بذلوه في سبيل تحرير البلد.
إن الثورة المصرية قامت على أساس التعطش لبناء مجتمع عصري، يعتمد على العلم وحرية الإبداع، وهذه وحدها التي يمكنها أن تضمن للشعب مجتمعا عصريا متقدما قائما على إحترام الحريات والعدالة الإجتماعية.
في مصر الجديدة سيكون على الإخوان أن يحكموا وسيكون على اليسار أن ينظم العمال وكل القوى الديمقراطية لطرح معارضة بديلة ثورية واقعية. وما نراه اليوم من صراع على الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور من ناحية والإضرابات العمالية من ناحية اخرى، إنما هي الطلقات الأولى في النضال الطويل لإعادة بناء صفوف اليسار سعيا للوصول إلى السلطة من خلال إنتخابات ديمقراطية حرة تضمنها ثورة 25 يناير.

لأنهي حديثي معه قائلا: أعتقد بوجودك خارج الحدث يجعلك تتبني المواقف الشكلية أكثر ماهي بناءة وتلتزم بالواقع الزمني.. الذي يشكل في حياة بعضنا عنصرا هاما في إبداء شاكلة الرأي. فلك أن تتخيل أن ماقلته فروض لها مالها وعليها ماعليها! لكن أتمني أن تترسم أجوائنا بـعيش حرية عدالة إجتماعة فهي الأسمي عن شعارات فرضت علينا قديما ولم تؤتي أُكلها حديثا. دمتم في رعايته.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية