حوار بين ناقدين في بحر الأيديولوجيات- الجزء الرابع

ميمد الشعلان
2012 / 5 / 11

سيدي العزيز ميمد شعلان هجمت علي بقسوة ولكنني أرحب بها لإنني أريد أن أشرح لك انني لست من ذلك النوع من الشيوعية الدارجة في العالم العربي هذا أولا وهذا واضح في معرض إجابتي على عدد ممن حاورني من الأفاضل وأخرهم السيد عبدالسلام أديب .. فقد كان جوابي واضحا حول تلك النوعيات من الشيوعيات البرجوازية المعروفة على صعيد العالم العربي والعالم بأكمله.. هذا (الثالوث الأحمر) الذي تسميه هو القومية ومنها القومية العربية بالذات.. لأن الشيوعية الروسية والأحزاب الشيوعية في العالم العربي تلك الأحزاب أكثريتها غيرت إسمها إلى التجديد وماشابه ذلك كانت بالأساس أحزاب قومية عربية ناضلت في سبيل طرد الإستعمار إبان حقبة الإستعمار مثلا في العراق وناضلت في سبيل بناء إقتصاد وطني وناضلت ولا تزال في سبيل رأسمالية الدولة في سبيل تأميم الشركات.. وهي تدعي الوطنية وتعلق كل مساوئ الرأسمالية على شماعة الرأسمال الأجنبي أو الإمبريالية...فانظر أدبيات هذه الأحزاب وبالتحديد الحزب الشيوعي العراقي والسوري والمصري، ولكن ياعزيزي هذه المفاهيم والمقولات كلها مفاهيم ومقولات الحركة القومية العربية بأجنحتها المختلفة الصمود والمعتدل و الميليتانتي...أنظر إلى برنامج الأحزاب القومية من الحزب الوطني في مصر إلى حزب البعث في العراق و سوريا ترى كل تلك المفاهيم بدقة متناهية.. إنها ليست شيوعية بل قومية رفعت إسم الشيوعية.. لأن الشيوعية في تلك المرحلة لها سندها الدولي لأنها كات قوية وإجتماعية على الصعيد العالمي بغض النظر عن محتواها البرجوازي بعد سنة 1924 أي بعد (لينين). إن رؤية سقوط الرأسمالية و صعود فكر (ماركس) و(البيان الشيوعي) هذه كلها احتلت مكانة مرموقة على الصعيد العمالي والإجتماعي ولاتزال. لماذا مخاوف البرجوازية العالمية باقية إلى الآن وإن خوفها الوحيد هو من الطبقة العاملة ونضالها أي الشيوعية (شيوعية ماركس)! لإنها تعرف أن (شيوعية ماركس ) ولينين.. وليست شيوعية صينية ولا روسية ولا أوربية...هي الشيوعية التي تدك أسس النظام الرأسمالي وهي شيوعية الطبقة العاملة التي تهدف إلى إلغاء الملكية الخاصة والعمل المأجور، لإنها ترى أنها موضوعية..! وبصرف النظر عن الحوادث التاريخية التي تتحدث عنها في ملاحظاتك.. أنا أقول أن (شيوعية ماركس )هي الشيوعية التي ترسخ أقدامها في عمق النضال الطبقي وهي تعني الحرية والمساواة الحقيقية أي الإقتصادية، وبهذا المعنى هي بريئة من الشيوعيات الأخرى. هذا من جانب ومن جانب آخر ومع كل هذه الإنتقادات التي لدي ضد هذه النوعيات من الشيوعية البرجوازية، ولكن أن نحولها إلى شماعة لكي نعلق عليها كل مساوئ الممارسات والسياسات الرجعية للحركة القومية العربية وإسرائيل وأمريكا، كما فعلته..! فهذا لن أقبل به .. لأن أسوأ أنواع الأحزاب الشيوعية الموجودة هي أحسن من أحسن أنواع الأحزاب القومية العربية إذ كان فيها ما يمكن أن نقول انه- حسن-.

وعلي الجانب الآخر..
عزيزي الموقر سامان كريم...ثم أم بعد! فلقد أعرضت أمامكم مداخلتي بشيء كبير وبعمق من الأدلة والبراهين التي وجدت تحت مسمي شيوعيات الأنظمة دون إتهامها بأي وجه حق، لكن بموضوعية أسردت حديثي لك! وهكذا أنت أيضا! لكن السؤال هنا والذي يطرح بشاكلته علينا..؟! هل من الطبيعي حينما نبدأ في تغيير نمطية الأنظمة- أسسها أيديلوجيات كانت سببا قديما في النزاعات الأهلية منها والدولية هتكت العالم إلي دويلات- أن نعيد هيكلة الفساد بنوعية أقل فساد؟! أم يتم الإستعاضة عنها بنوعية أخري مضمونا ومكنونا نثق به كونها تجربة ناجحة بدأت منذ 1400 عاما تقريبا حتي سقوطها في عام 1924.. وهي النمطية الإسلامية كأصل ورؤية ننظر بهما بأعين ثاقبة في إحقاق الحق وإزهاق الروح الزائفة التي تسلب من الفرد حريته إلي أعماق الفساد الإداري والأخلاقي والفكري بالأخص..؟! فواقعية الإسلام ومن سلم بها من المسلمين بلسانه ويده لا تصلح بشكل أو بآخر لزمان ومكان! لكن الزمان والمكان لايصلح وجودهما بدون حتمية المشهد الإسلامي الخالص..! فلا تقزيمه ولا إعتباره كمنحدر للبرجوازية العفنة وإن كان الإسلام طرفا رئيسيا للنزاع في الحياة السياسية، فيجب أن نعي بأن الإسلام لا ولم ولن ينهزم أبدا...لكن الأفراد هم بعينهم من يهزموا وينكلوا تنكيلا! هذا فقط للإيضاح وترسيخ بعض الأسس التي غابت عليها شمس حاضرها.

هو يقول..
من قال لك أنا أو نحن نريد - أن نعيد هيكلة الفساد بنوعية أقل فسادا؟! أنا انتقدت أنواع الشيوعيات البرجوازية الدارجة وقلت أنها حركة أخرى أو بالأحرى هي قومية أكثر ما تكون شيوعية... إذن ليس هناك جدوى من الإصلاح. حركتين إجتماعيتين مختلفتين، شيوعية البرجوازية هي حركة قومية إصلاحية تناضل في سبيل إقتصاد وطني وتأميم الشركات والوقوف بوجه الإستثمارات الأجنبية.. وتفضل من البرجوازية ما يسمى بالوطنية على الأجنبية ولوحتها السياسية بصورة عامة هي ضد الإستعمار.. على أية حال حركة لها أفقها و تصوراتها وتنظيمها، ولكن ترفع راية الشيوعية، لإنها وجدت قوتها منها.. لإن الشيوعية كانت محبوبة لدى مئات الملايين في العالم في حقبة تاريخية معينة، ومن جانب آخر اتخذت هذه الأحزاب مكاناً في الصراع بين الكتلتين الإمبرياليتين الغرب بقيادة أمريكا والكتلة الشرقية بقيادة الإتحاد السوفيتي حيث الصراع بينها كان يسمى بالصراع بين الديمقراطية والشيوعية ولكن هذا خطأ تماما!
إن شيوعية ماركس حركة أخرى هي حركة موضوعية قبل ماركس هي جزء طليعي من الطبقة العاملة التي تناضل في سبيل إلغاء الملكية الخاصة البرجوازية.. هذه الحركة تاريخيا سبقت ماركس نفسه.. أعتقد أن ليس هناك إصلاح ما، ولا يطبق مفهوم الإصلاح حول هذا البحث، لأنني أتحدث حول حركتين مختلفتين...هذا أولا.
ثانيا: حول الاسلام يا عزيزي أنا لا أقرأ التاريخ ولا الحوادث التاريخية ولا الصراعات السياسية...بأرواح أو بتمنيات أو بالأفكار أو الأيديولوجيات، أنظر إلى التاريخ أنه صراع طبقي بين الطبقتين، في مرحلتنا المعاصرة هو صراع بين العامل و الرأسمال...هذا هو رأيي وتصوري للتاريخ ببساطة دون أي تمعن نظري، ولكن حين نتحدث عن الإسلام كدين في البداية كانت حركة سياسية تهدف إلى بناء الدولة تحت شعار- الله والتوحيد- وهنا فأن التوحيد حينذاك وفي الفترة التي ظهر فيها الإسلام له مدلولاته الإقتصادية والسياسية، أما فيما يخص الإسلام اليوم.. فأنا لا أريد في هذه المرحلة أن أصارعه فكريا بل سياسيا ومع الإسلام السياسي خصوصا..! أنا أرى أن الإسلام السياسي في مرحلتنا حركة مجرمة بالفعل...إنها إرهابية بمعنى الكلمة، ليس لديها أي أفق سياسي للتغيير ولا تتلائم اطروحاتها حتى مع قلة قليلة من الناس على الصعيد العالمي.. إذا الحديث حول- ذنب الفرد- وما شابه ذلك كله برأيي كلام ليس في مكانه.. لأن الفرد أخيرا وفي التحليل الآخير يكبر ويتربى ويتعلم في ظل نظام إجتماعي وسياسي معين.. هذا النظام والمنظومة الفكرية التي تقف ورائه هي المسؤولة عن توجهاته وليس فرد معين.. صدام حسين كفرد ليس مسئولا بقدر مسئولية الحركة القومية العربية.. إنه أحد قادتها. من يريد أن لا يتكرر هؤلاء الأشخاص مبارك، صدام، بن علي، القذافي...عليه أن يقطع صلته بالمنظومة الفكرية والمنهجية التي أوصلت أولئك القادة إلى رأس هرم السلطة فهي منظومة القومية العربية أفكارها تصوراتها تقاليدها السياسية والإجتماعية.. وهذا ينطبق على الإسلام وعلى الشيوعية وعلى كل الحركات الاجتماعية. من يريد أن يرى التلفزيون في بيته ويحلق شعره بحرية ويلبس بحرية عليه أن لا يرضى بحكم الطالبان مثلا وعليه أن لا يرضى بالحكم الإسلامي في إيران...وهكذا!

لأقولها أنا أخيرا مختتما بها تلك الحلقة من بحر الأيديولوجيات في جزئها الرابع.. مابين الرؤية والأصولية.. ومابين الرأي والرأي الآخر سدا يفتح بهاويس فتمرر الأفكار فيما بينهما حسب الحاجة وتغلق فيما بينهما حسب الحالة. دمتم في رعايته.


طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية