طائفية أم ميكيافيلية؟!

ميمد الشعلان
2012 / 5 / 2

كلمة ذهبية للمغفور له الشيخ (محمد متولي الشعراوي): »لا توجد معركة بين حق وحق لأن الحق واحد ولاتطول معركة بين حق وباطل لأن الباطل دائما زهوقا«...هكذا تصوّر فصورنا الحياة في مكنونها وتوارثنا حقيقة الأمس في مضمونها.
قديما وليس غائبا عنا وبعد إنبثاق المسيحية في شتي نواحي المحروسة خلال نصف قرن من وصول القديس مارمرقس الرسولي حتي تشكلت الصورة بكل معانيها تحت منطلق الرهبنة وحرية الإختيار الإيماني في ظل وجود بعض الأقليات وعلي رأسها اليهودية، لكن هذا لم يمنع من ممارسة العمل كنسيج وطني في كسب مصلحة البلاد وهذا ماحدث فعلا فلم يكن الإضطهاد العرقي التمييزي العنصري مفهموما أو مدخلا جديدا إلا علي إستحياء...يأخذ في شاكلته أسلوبا في ممارسة العنف الطائفي حتي بعد إنسلاخ المسيحية عن بنت جلدتها في اليهودية وصفها البعض بأنها دعوة فريدة من نوعها قامت علي مبدأ الوقار في القلب وصدّقه العمل، لكن بمرور الوقت تعددت الآراء وأختلفت الأفكار وتلعثمت القرارات بين الكنيسة البيزنطية الرومانية وبينها وبين الكنيسة المصرية فعلى الرغم من تظاهر الأقباط بالتجانس بين طوائفهم إلا أن الحيقيقة مخالفة للظاهر، فالتفكك والأختلاف في العقيدة والإيمان من الأزل لرفضهم قرارات الواقع الكنسي يُملي عليهم كُرها وعنوة جعل من المذهبية عنوانا ظهرت معها توابعها الفعلية من بعد تبني اللغة القبطية- تحدث بها نصاري مصر ليس حبا فيها ولكن حقدا ومقتا لمسيحية الغرب- فترسّم الحظ سوء لهم حتي تثاقلت الضرائب عليهم إلي جانب مذلة السخرة المفروضة علي العمال والفلاحين في القري بل وصلت الحقيقة البيزنطية الرومانية إلي مسلك قطاع الطرق؛ فاعتدوا على النساء، واقتحموا أديرة الراهبات، وسدوا القنوات، وزجوا بالقرويين في السجون، وابتزوا أموال الناس ولم يتورعوا عن تجريد القوم حتى من ثيابهم...لكن من بعد ولوج الفتح الإسلامي علي مصر بقيادة الوالي (عمرو بن العاص) عام (641م -20هـ) والذي لم يعرف الإضطهاد ولا حتي كما يقال عنها (الطائفية) مدلولا يذكر ولو بمحض الصدفة. إذ خلصوا المسيحيون من كابوس طالما حلموا بتغيير نمطه بل ونمت البلاد في تلك الحقبة عسكريا وسياسيا وإقتصاديا حتي بتطبيق شرائع الإسلام قلبا وقالبا شمولا وعموما تُركت مصر حينها بين أيدي الشعب يتعدها فتثمر. فالكثير من وجدوا حلاوة وطلاوة عبق الأسلام ليسلم من أسلم ومن تمسك علي دينه فهو الأحري بنفسه في حرية الإختيار. الجدير بالذكر بأنه حين كان الإسلام قويا قادرا ومقتدرا في رسم خارطة مستقبلة في مشارق الأرض ومغاربها كانت المسيحية بأقباطها تحت مظلته- الإسلام- يتنعمون ويتنغمون بأعظم حضارات العهد الجديد حتي نشدوا وشهدوا لسماحة وسلام إسلامية البلاد، بل لم نسمع عن (طائفية مصر) حتي يومنا هذا غير بتدهور حال الإسلام ولو بشكل مفتعل من الأفراد. إذا مانستنتجه هو أن ما إن وجد الإسلام حتي تعايش المسلمين والمسيحيين كمفتاح وقفله لهاويس النجاة بالوطن دون نوائب ومصائب تعصف بتراثنا الذي عشنا وعاش عليه تاريخنا شاهدا ومشهودا له بذلك، وبالتالي نأتي لنتسائل من أين حضرت (طائفية مصر الحديثة) المصطنعة في ظل عدم تفاقهما منذ بداية الفتح العربي الإسلامي؟!
خرج علينا (نيكولا دي برناردو دي مكيافيلّي) في كتابه الشهير (الأمير) الذي أطلق العبارة الأشهر (الغاية تبرر الوسيلة) فاتحا الطريق أمام التفكير الواقعي للسياسة والتي لا تعطي أي وزن للأخلاق والمباديء إلا في إطار تحقيق المصلحة والمنفعة الخاصة دون النظر في إكتراثها للطبقة العامة، ووفق هذا التفكير تبلورت فكرة الواقع السياسي الذي حصر المعادلة السياسية بالأرقام المادية حتي لو علي حساب كسر الجانب الأخلاقي! فيقول في بعض ما أسرده بكتابه: »علي الأمير الذي يجد نفسه مرغما علي تعلم طريقة للحيوان، أن يقلد الثعلب والأسد معا، إذ أن الأسد لا يستطيع حماية نفسه من الأشراك، والثعلب لا يتمكن من الدفاع عن نفسه من الذئاب«.
الشاهد هنا ومن بعد تلك النظرة وبرغم إختلافنا الشامل الكامل للنظرية (المكيافيلّية) ومع (مكيافيلّي) شخصا، إلا أننا وجدنا وجها للتماثل بين خيال الأمس وواقع اليوم...واقع عقود من القرن الماضي إلي فاتح هذه السنة المجيدة، حيث تظاهر الحاكم- مالكا أو مِلكا له- بالرحمة وحفظ الوعود والشعور الإنساني النبيل والإخلاص والتدين العميق حتي تكون فعلا متصفا بها وأقتضت الضرورة أن يتصف بعكس ذلك...أقصد إستغلالية الواقع اليومي الذي يتعايشة نظام بأكمله كرّس نفسه لخدمه حاكمه فلا يستطيع الحاكم أن يتمسك بجميع الأمور التي هي خيّرة في الناس، إذ أنه سيجد نفسه مضطرا للحفاظ علي دولته ولو بالإنتهازية أو بالقبلية أو حتي بزرع مفهوما للإضطهاد المستحدث وهي (الطائفية). وهذا ماحدث فعلا! فقد سُممت القلوب وغُيبت العقول وتعالت الأصوات ومُزقت الأبدان وتصادمت الأشلاء وحُفرت علي المقابر الأسماء هذا مصطفي وهذا علاء...هذا جرجس وذاك دانيال، فالجاني نعرفه ونذكره والمجني عليه هو كل مسلم ومسيحي...هو كل مصري قام لنصره...هي مصر...هي الطائفية بعينها! نعم المجني عليها هي الطائفية بعينها التي لاتمس بأي صلة بالواقع سوي الأوهام التي توارثناها قديما وحاضرا وإن لم نكتفي بوضع ذلك المفهوم في قيد الأتهام أصبح المستقبل جحيما نار عسيرا تلتهم شرف وعزة أوطاننا، بل وأصبحت مصر ليست طائفية بعينها أو مكيافيلية بعقلها لكن أصبحت في مطرقة وهم الطائفية وسندان واقع المكيافيلية. دمتم في رعايته.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية