النص الدستورى والممارسة التاريخية ف . انجلز

سعيد العليمى
2020 / 11 / 30

النص الدستورى والممارسة التاريخية ف. انجلز

فورفارتس عدد75 , 18 سبتمبر , 1844

طورنا فى المقال السابق معايير تقييم الوضع الراهن للامبراطورية البريطانية فى تاريخ الحضارة , وقدمنا الوقائع المتصلة التى تتعلق بتطور الامة الانجليزية بالقدر الذى كانت فيه لازمة لهذا الغرض ولكنها قلما عرفت فى القارة الاوروبية , وبعد ان بررنا هكذا فرضياتنا الاولية , يمكن لنا الان ان ننطلق بدون لغط اضافى نحو موضوع بحثنا .

لقد كان وضع انجلترا حتى الان مرغوبا فيه من كل امم اوروبا , وهو كذلك بالفعل لمن يقتصر على السطح ويلاحظ فقط بعينى السياسى . بريطانيا هى امبراطورية من نوع ماهو ممكن اليوم , مثلها فى ذلك مثل كل الامبراطوريات من الناحية الجوهرية , لأن امبراطوريتى الاسكندر وقيصر مثلتا ايضا مثل الامبراطورية البريطانية , حكم الامم المتحضرة على البرابرة والمستعمرات ( سيدرك القارئ من مثل هذه التعبيرات التى قد تشى بنزعة مركزية اوروبية ان انجلز كان فى طور التشكل الفكرى انذاك – المترجم ) . ولا يمكن لبلد من البلدان ان يرقى لمستوى انجلترا فى القوة والثروة , وهذه القوة والثروة لاترقد فى يدى مستبد فرد , كما كان الحال فى روما , ولكنها تخص القسم المتعلم من الامة . ان الخوف من الاستبداد والصراع ضد سلطة التاج انتهى منذ مائة عام مضى , ومما لاينكر ان انجلترا هى اكثر البلدان حرية فى العالم , وبمعنى اخر الاقل فى عدم الحرية , ولااستثنى شمال امريكا , وعلى ذلك فان الانجليزى المتعلم يتمع بدرجة من الاستقلال الداخلى لايمكن لمواطن فرنسى ناهيك عن الالمانى ان يتبجح بها . النشاط السياسى , الصحافة الحرة , التفوق البحرى والصناعة الهائلة التى تملكها انجلترا قد طورت تماما الطاقة الكامنة فى الشخصية القومية , الضفر بين القوة الاشد حزما والتروى الاشد هدوءا , وذلك تقريبا فى كل فرد حتى انه بشأن هذا الجانب ايضا فان امم القارة تتخلف بلانهاية وراء الانجليزى . ان تاريخ الجيش البريطانى والبحرية يمثل سلسلة من الانتصارات الباهرة , بينما نادرا ماشهدت انجلترا عدوا على شواطئها على مدى الثمانى مائة عام الاخيرة , ومكانة ادبها لايمكن ان ينافسها الا ادب اليونان القديم والمانيا , لقد ابرزت انجلترا اسمين عظيمين على الاقل – بيكون ولوك فى الفلسفة , ومالايحصى فى العلوم التجريبية , واذا كانت المسألة هى اية امة قد قدمت الكثير , فلااحد يمكن ان ينكر ان الانجليز هم هذه الامة .

هناك اشياء يمكن لانجلترا ان تفخر بها , وهى تتفوق بها على الالمان والفرنسيين , وقد عددتها هنا فى البداية , حتى يمكن للالمان الطيبون ان يقتنعوا "بعدم تحيزى" منذ البداية , لاننى اعرف تماما انه فى المانيا من المقبول تماما اطلاق تصريحات متهورة عن الالمان اكثر من اى امة اخرى . واذا ماتحدثنا بصفة عامة , فان الاشياء التى عددتها للتو تشكل كامل موضوع هذا الادب , الهائل للغاية ومع ذلك غير المنتج بما لاحد له وغير الضرورى , الذى تمخض عن انجلترا فى القارة . لم يترائى لاحد ان يستقصى طبيعة التاريخ الانجليزى والطابع القومى الانجليزى , وكم هو تافه كل الانتاج الادبى حول انجلترا , وهذا ماتكشفه حقيقة بسيطة وهى ان كتاب السيد راومر التافه عن انجلترا {انجلترا فى عام 1835 } لازال وفقا لأفضل معلوماتى يعد الافضل فى موضوعه حتى الان .

مادامت انجلترا قد جرى النظر اليها حتى الان من الناحية السياسية , فدعونا نبدأ بذلك . دعونا نفحص الدستور البريطانى , الذى اعتبره التورى "اكثر منتجات العقل البريطانى كمالا" , ودعونا كتحيز اخر للسياسى , ان ننطلق حاليا مما هو تجريبى تماما .

التقدير المعتدل للجمال النوعى للدستور البريطانى الذى تطور "تاريخيا" , هذا يعنى بلغة المانية واضحة ان الاساس القديم الذى خلقته ثورة 1688 قد حفظ , وهذا الاساس , كما يسمونه , قد بنى عليه فيما بعد . وسوف نرى حالا اية سمات اكتسبها الدستور نتيجة لذلك , ولبرهة فان مقارنة بسيطة بين الانجليزى فى 1688 مع الانجليزى فى 1844 قد تكفى لتبرهن على ان وجود اساس دستوري متطابق لكليهما هو بطبيعته عبث واستحالة . حتى اذا تغاضينا عن التقدم العام للحضارة , فان الطابع السياسى للامة وحده مختلف تماما عما كان عندئذ . كان قانون الدعاوى المتطابقة , قانون الضبط والاحضار, وقانون الحقوق اجراءات قام بها الويج انبعثت من ضعف وهزيمة التورى فى هذا الوقت وقد وجهت ضد هؤلاء التورى , بمعنى اخر , ضد الملكية المطلقة والكاثوليكية المكشوفة او المستورة .{207 }ولكن خلال الخمسين سنة التالية اختفى التورى القدماء وتبنى خلفائهم المبادئ التى كانت حتى حينها ملكية الويج , ومنذ ان صعد جورج الاول الى العرش , فان التورى الكاثوليك الملكيين قد اصبحوا ارستقراطية , حزب الكنيسة الاعلى , ومنذ الثورة الفرنسية , التى ايقظتهم اولا فان المبادئ الايجابية للنزعة التورية قد تبخرت بشكل متزايد وتحولت الى " نزعة محافظة " مجردة , الدفاع المكشوف الغافل عن الوضع القائم – وبالفعل فحتى هذه المرحلة قد خلفوها وراء ظهورهم بالفعل . وقد قررت التورية من خلال السير روبرت بييل ان تعترف بالتغير , وقد ادركت انه لايمكن الدفاع عن الدستور , وانه يقدم تنازلات ليبقى ببساطة البنية المتداعية لاطول فترة ممكنة .

لقد عاين الويج تطورا مهما مماثلا , لقد ظهر حزب ديموقراطى جديد , ومع ذلك فلازال يفترض فى اساس 1688ان يكون ملائما لعام 1844! والان فان النتيجة التى لايمكن تفاديها لهذا "التطور التاريخى " هو ان التناقضات الداخلية التى تمثل الملامح المميزة للملكية الدستورية والتى عرضت بما يكفى حتى فى الزمن الذى كانت فيه الفلسفة الالمانية لازالت تحمل وجهة نظر جمهورية – ان هذه التناقضات تكتسى باشد اشكالها تطرفا فى الملكية الانجليزية الحديثة . وفى الواقع فان الملكية الدستورية الانجليزية هى ذروة الملكية الدستورية بوصفها كذلك , انها الدولة الوحيدة التى لها , بقدر مايمكن لذلك ان يكون ممكنا فى الوقت الراهن , ارستقراطية حقيقية بالميلاد حفظت مراكزها بالتوازى مع وعى عام عالى التطور نسبيا , وعلى ذلك يوجد ثالوث السلطة التشريعية بالفعل الذى استعيد فى القارة بشكل اصطناعى وابقى عليه بصعوبة فحسب .

اذا كان جوهر الدولة , مثل جوهر الدين , هو خوف البشرية من ذاتها ( يلاحظ فى متن المقالات بعض المفاهيم والتعابير المثالية وترجع لعدم اكتمال انجلز النظرى ماديا وجدليا وقت الكتابة – المترجم ) , فان هذا الخوف يصل اعلى درجاته فى الملكية الدستورية , وخاصة الانجليزية . ان تجربة ثلاثة الاف عام لم تجعل البشر اكثر حكمة وانما على العكس جعلتهم اكثر تشوشا واكثر تحيزا , لقد جعلتهم مجانين , ونتيجة هذا الجنون هو الوضع السياسى الراهن فى انجلترا . ان الملكية المحضة توقظ الارهاب – ويفكر الناس فى الاستبدادين الشرقى والرومانى . الارستقراطية المحضة لم تعد مخيفة –العوام فى روما واقطاع القرون الوسطى , نبلاء فينيسيا وجنوه لم يكونوا سدى . والديموقراطية افظع من كليهما , ماريوس وسولا , كرومويل وروبسبيير , الرأسان الملطخان بالدم لملكين , قوائم الابعاد و الدكتاتورية تتكلم بصوت عال بما يكفى عن " فظائع" الديموقراطية . اضف الى ذلك , فمن المعروف بصفة عامة انه لاشكل من هذه الاشكال قد كان قادرا على البقاء ابدا لوقت طويل . فما كان يتعين عمله ؟ بدلا من الانطلاق فى مسار مستقيم , وبدلا من ان نخلص الى عدم كمال وبالاحرى لاانسانية كل اشكال الدولة ان الدولة ذاتها هى سبب كل هذه التجليات غير الانسانية وانها هى نفسها غير انسانية , بدلا من ذلك ارتاح الناس لوجهة النظر التى تقول بأن اللااخلاقية ترتبط فقط بأشكال خاصة للدولة , استنبطوا من المقدمات الانفة ان نتيجة ثلاث عوامل لااخلاقية يمكن ان تكون نتاجا اخلاقيا , وخلقوا الملكية الدستورية .

ان البديهية الاولى للملكية الدستورية هى توازن السلطات , وهذه البديهية هى التعبير الاكثر اكتمالا عن خوف البشرية من ذاتها ( !!! - المترجم ) . وليس قصدى ان اعلق على هذه اللاعقلانية العبثية وعلى الافتقار للعملية فى هذه البديهية , فاننى سوف افحص هنا فحسب مااذا كانت تنطبق على الدستور الانجليزى , و كما وعدت , فسوف التزم تحديدا بالوقائع التجريبية ,الى الحد الذى ستكون فيه بالفعل غزيرة حتى بالنسبة لسياسيينا التجريبيين .ومن ثم لن اتناول الدستور الانجليزى كما يرد فى تعليقات بلاكستون { و. بلاكستون , تعليقات على قوانين ودستور انجلترا } او فى خيالات لولم { دستور انجلترا } او السلسلة الطويلة من التشريعات المؤسسة من العهد الاعظم { الماجنا كارتا } الى قانون الاصلاح , ولكن كما هو فى الواقع . {208 }

اولا , العنصر الملكى . كل امرئ يعرف المغزى الفعلى للعاهل الملك فى انجلترا , ذكرا كان ام انثى . ان سلطة الملك مختزلة عمليا الى الصفر , واذا كانت الحالة , المشهورة على نطاق العالم اجمع , فى حاجة لأى برهان اضافى , فان حقيقة ان النضال الكلى ضد التاج قد توقف منذ مايزيد على مائة عام مضت حتى ان الشارتيون الديموقراطيون الراديكاليون يعرفون انه من الافضل ان يقضوا وقتهم فى اشياء اخرى غير هذا الصراع , لابد ان يشكل دليلا كافيا. ماذا يعترى اذن هذا القسم الثالث من السلطة التشريعية الذى يخول فى النظرية للتاج ؟ مع ذلك – فى هذا , يصل الخوف الى مداه – فان الدستور لايمكن ان يحيا بدون الملكية .ازيلوا التاج , " القمة الذاتية " وسوف تتداعى سقوطا كامل البنية المصطنعة . ان الدستور الانجليزى بمثابة هرم مقلوب , والقمة هى فى نفس الوقت القاعدة وبقدر مااصبح العنصر الملكى اقل اهمية فى الواقع , بقدر مااصبح اكثر اهمية للمواطن الانجليزى .لايحدث فى اى مكان , كما نعرف جميعا , ان توقر شخصية غير حاكمة اكثر مما فى انجلترا .وتتفوق الصحافة الانجليزية على الالمانية لمدى بعيد فى الخنوع العبودى . ولكن عبادة الملك الكريهة هذه بوصفها كذلك , وتوقير فكرة خاوية – او بالاحرى ليس فكرة وانما كلمة " ملك" مفرغة من كل مضمون , هى ذروة الملكية , تماما مثل توقير كلمة "اله" التى هى ذروة الدين . ان كلمة "ملك" هى جوهر الدولة , مثل كلمة " اله" التى هى جوهر الدين , رغم انه ليس لأى من الكلمتين معنى على الاطلاق . الشئ الجوهرى بشأنهما معا هو التأكد من ان الشئ الاساسى , اى الانسان , الذى يقف وراءهذه الكلمات , لايناقش .

ثم العنصر الارستقراطى . وهو يصيب نجاحا قليلا اكثر من التاج على الاقل فى النطاق الذى خول له فى الدستور . اذا كانت السخرية التى اهيلت بشكل مستمر على مجلس اللوردات لأكثر من مائة عام مضت قد اصبحت تدريجيا جزءا من الرأى العام لحد بعيد حتى ان هذا الفرع من السلطة التشريعية يعتبر بصفة عامة موئلا لرجال الدولة المتقاعدين ويقدم لطبقة النبلاء كاهانة من قبل اى من ليس عضوا قديما تماما بعد فى مجلس العموم , سيمكن له ان يتصور بسهولة بأى جدارة تمسك ثانى السلطات السياسية التى اسسها الدستور . فى الواقع فان فعالية اللوردات فى المجلس الاعلى قد قلصت الى حد باتت فيه مجرد شكليات فارغة , ترتقى نادرا فحسب كنوع من قوة القصور الذاتى كما بدا خلال وزارة الويج عام 1830 حتى 1840 – وحتى عندئذ لم يكن اللوردات اقوياء بذاتهم بما فيه الكفاية وانما من خلال التورى , الحزب الذين يشكلوا ممثليه الحقيقيين , ومجلس اللوردات , ويفترض ان تكون ميزته الاساسية فى النظرية الدستورية حقيقة انه مستقل عن التاج والشعب بنفس القدر , بيد انه فى الواقع معتمد على حزب , اى , حالة الرأى العام , وايضا على التاج , نظرا لحقه فى صنع نبلاء . وبقدر ماكان المجلس الاعلى ضعيفا , بقدر ماكان مركزه اثبت فى الرأى العام . الاحزاب الدستورية , التورى , الويج والراديكاليون ينقبضون برعب مماثل من فكرة الغاء هذه الشكلية الخاوية , ولايذهب الراديكاليون ابعد من ان يلاحظوا ان اللوردات , بوصفهم السلطة الوحيدة فى الدستور التى لا يحق لأحد مساءلتها , يمثلون شذوذا ومن ثم فينبغى ان يحل محل النبلاء بالوراثة نبلاء بالانتخاب . مرة اخرى انه الخوف من الانسانية ( !!! – المترجم ) الذى يبقى هذه الصيغة الخاوية , والراديكاليون الذين يطالبون بأساس ديمو قراطى لمجلس العموم , يعايشون هذا الخوف لمدى ابعد من الحزبين الاخيرين من خلال محاولة دفع نسمات حياة جديدة فى مجلس اللوردات العتيق البالى بحقنه بدم شعبى , حتى لايتم هجره كلية . اما الميثاقيون فلديهم فكرة افضل عما ينبغى ان يفعلوه , انهم يعرفون انه قبل هجوم ديموقراطى من مجلس العموم , فان كامل البنية العفنة , التاج , اللوردات , وما الى ذلك , يجب ان تنهار طوعا, وبخلاف الراديكاليين فانهم لايقلقون بشأن اصلاح طبقة النبلاء .

ومثلما نمى توقير التاج بالتناسب مع نقصان سلطة التاج , فهكذا كلما سمت الارستقراطية عاليا فى التقدير الشعبى كلما تدهور النفوذ السياسى لمجلس اللوردات . ليست المسألة فى ان اكثر الشكليات مهانة من العصر الاقطاعى قد استبقيت , حتى ان اعضاء فى مجلس العموم حينما يظهرون بصفتهم الرسمية امام اللوردات عليهم ان يقفوا وقبعاتهم فى ايديهم امام اللوردات الجالسون والمرتدون لقبعاتهم وأن الطريقة الرسمية لمخاطبة احد النبلاء هى " لعل هذا يسعد سيادتكم ", الخ وأسوأ شئ فى كل هذه الشكليات هو انها تعبر بالفعل عن الرأى العام , الذى يعتبر اللورد كائنا من نوع اعلى ويكن احتراما للانساب والالقاب الطنانة , وتذكارات العائلة القديمة , الخ , الامر البغيض لنا ويثير غثياننا نحن القاريين بوصف ذلك عبادة للتاج . فى هذا الجانب من الشخصية الانجليزية ايضا فان لدينانفس التوقير لكلمة خاوية لامعنى لها , المختلة تماما , الفكرة الثابتة وهى ان امة عظمى , والجنس البشرى والكون , لا يمكن ان يعيش بغير كلمة " ارستقراطية ".

لكل هذا , فللارستقراطية رغم ذلك نفوذ هام فى الواقع , ولكن مثلما ان سلطة التاج هى سلطة الوزراء , بمعنى اخر , سلطة ممثلى الاغلبية فى مجلس العموم , وبذلك , اتخذت منعطفا مختلفا عما قصده الدستور , فكذلك فان سلطة الارستقراطية تكمن فى شئ مختلف تماما عن حقها الوراثى فى مقعد فى السلطة التشريعية . الارستقراطية قوية بسبب اقطاعاتها الشاسعة , وثروتها بصفة عامة , وهى تشارك هذه السلطة مع الاثرياء الاخرين غير الارستقراطيين , ان سلطة اللوردات فعالة ليس فى مجلس اللوردات ولكن فى مجلس العموم , وهذا يصل بنا الى مكون السلطة التشريعية ويفترض وفقا للدستور ان تمثل العنصر الديموقراطى .

فورفارتس عدد رقم 76 , 21سبتمبر , 1844

اذا كان التاج ومجلس اللوردات عاجزان , يترتب على ذلك ان كل السلطة يجب ان تتركز فى مجلس العموم , وهذا هو الحال . وفى الواقع فانه يشرع القوانين ويطبقها من خلال الوزراء , الذين لايشكلون سوى لجنة من المجلس . حيث ان المجلس كلى القدرة على هذا النحو , فقد كان لانجلترا ان تكون ديموقراطية محضة , حتى لو كان الفرعان الاخران من السلطة التشريعية يستمران فى الوجود , مادام العنصر الديموقراطى كان ديموقراطيا بالفعل . ولكن لامشاحة فى ذلك . لم تتأثر التنظيمات المحلية تماما بالتسوية الدستورية بعد ثورة 1688 , المدن , البلدات والدوائر الانتخابية التى كان لها قبلا حق ان ترسل عضوا احتفظت به , ولم يكن هذا الحق بأى حال احد "حقوق الانسان العامة " الديموقراطية , وانما امتيازا اقطاعيا كلية , منح بشكل متأخر فى ظل حكم اليزابيث بشكل تحكمى تماما بنعمة وفضل التاج لمدن عديدة لم تمثل قبلا . حتى الطابع التمثيلى الذى حازته الانتخابات الى مجلس العموم اصلا , قد فقدت خلال" التطور التاريخى" . ان تكوين مجلس العموم القديم معروف جيدا . فى المدن كانت عودة عضو ما اما فى ايدى فرد او مؤسسة حصرية تختار اعضاءها , وبلدات قليلة كانت مفتوحة , بمعنى اخر , لها جمهور ناخبين كبير لحد بعيد , وهنا دفعت اشد الرشاوى صفاقة لبقايا التمثيل الحقيقى . كانت البلدات المغلقة فى اغلب الاحوال فى يد فرد واحد , عادة لورد , وفى الدوائر الانتخابية اضطهد كبارملاك الارض الاقوياء اى اثارة حرة عفوية قد تكون بين الناس , الذين كانواجامدين سياسيا . لم يكن مجلس العموم القديم اكثر من مؤسسة قروسطية مستقلة عن الشعب , ذروة الحق "التاريخى" , الذى لايقدر على تقديم برهان عقلى واحد حقيقى او ظاهر على وجوده , يقوم متحديا كل عقل وعليه منكرا فى 1794 من خلال لجنته انه كان مجلسا للممثلين وان انجلترا كانت دولة تمثيلية . { التقرير الثانى للجنة السرية , التى احيلت اليها الاوراق فى رسالة صاحب الجلالة فى 12 مايو 1794 , قد سلمت ( تقرير حول جمعيات لندن الثورية , لندن . 1794 ) ص 68 وما يتبعها – ملاحظة من انجلز } فى مقارنة مع دستور كهذا , فان نظرية الحكومة التمثيلية , حتى التى تقوم على ملكية دستورية عادية مع مجلس مندوبين لابد انها قد ظهرت ثورية باقتدار وتستحق اللوم , والتورى من ثم كانوا محقين تماما حينما وصفوا قانون الاصلاح بوصفه اجراء يتعارض تماما مع روح وحرف الدستور والذى قوض الدستور . قانون الاصلاح , على اى حال , شق طريقه , ومهمتنا الان ان نرى ماالذى صنعه باالدستور الانجليزى خاصة فى مجلس العموم . فى المحل الاول , فان شروط انتخاب الاعضاء فى الريف قد ظلت كما هى تماما . الاعضاء هنا غالبا على وجه الحصر مزارعين مستأجرين حصرا , وهم معتمدون كليا على مالك ارضهم مادام الاخير لاتربطه علاقات تعاقدية معهم , ويمكن له فى اى وقت ان ينهى الايجار . واعضاء المقاطعات ( فى معارضتهم مع اهل المدن ) يبقون , كما كانوا قبلا مندوبى ملاك الارض , مادامت ازمنة الاضطراب الاعظم فقط كما فى عام 1831 { 209 } هى التى جرؤ المزارعون المستأجرون فيها ان يصوتوا ضد ملاك الارض . . وبالفعل , فان قانون الاصلاح قد زاد حدة الشر فحسب , مدام قد زاد عدد سكان البلاد . من اعضاء المائتين اثنين وخمسين مقاطعة , يمكن للتورى نتيجة لذلك ان يعتمدوا على الاقل على مائتين , الاحين يكون هناك اضطراب عام وسط المزارعين المستأجرين الذين قد يجعلون اى تدخل لملاك الارض غير حكيم . ادخل التمثيل فى المدينة , من الناحية الشكلية على الاقل , وكل رجل يشغل منزلا قيمته الايجارية السنوية عشر جنيهات استرلينية على الاقل وضرائب مباشرة ( معدل متدن , الخ ) نال صوتا . ويعنى هذا ان اغلبية ضخمة من الطبقات العاملة قد استبعدت , لأنه فى المحل الاول فمن الطبيعى ان المتزوج فقط هو الذى يسكن فى منازل منفصلة , وحتى لو كان عددا له وزنه من هذه المنازل ذو ايجار سنوى قدره عشر جنيهات استرلينية , فان كل شاغليها يتفادون دفع الضرائب المباشرة ومن ثم فهم ليسوا ناخبين . حق الاقتراع العام كما روجه الشارتيون سوف يزيد ثلاثة اضعاف عدد الاشخاص الذين يحق لهم التصويت . وهكذا فان المدن فى ايدى الطبقة الوسطى , وهذا بدوره فى المدن الاصغر لطالما يعتمد مباشرة او غير مباشرة على ملاك الارض , من خلال المزارعين المستأجرين , الذين يمثلون العملاء الرئيسيون للتجار او الحرفيين . فى المدن الكبرى فحسب تحقق الطبقة الوسطى بالفعل نوعا من السيادة , وفى مدن المصانع الاصغر , خاصة فى لانكشير , التى تفتقر فيها الطبقة الوسطى لعدد ذو وزن والريفيون لنفوذ ذو وزن , حيث وعلى ذلك فحتى لاقلية الطبقة العاملة اثر حاسم على الناتج , يقارب التمثيل الوهمى التمثيل الحقيقى فى بعض المعايير . هذه المدن , على سبيل المثال , اشتون , اولدهام , روشديل , بولتون الخ , ارسلت نتيجة لذلك على سبيل الحصر تقريبا راديكاليين الى البرلمان . فى هذه الاماكن , مثلما فى كل مدن المصانع عامة , فان توسيعا لحق الاقتراع وفق المبادئ الشارتية سوف يمكن هذا الحزب من ان يحوز اغلبية الاصوات . وبغض النظر عن هذه التأثيرات المتنوعة وشديدة التعقيد من الناحية العملية , فان تأثيرات محلية متنوعة ايضا يمكن الشعور بها , واخيرا , هناك تأثير له وزن هائل – وهو الرشوة . فى المقال الاول من السلسلة الراهنة , سبق لنا ان ذكرنا ان مجلس العموم , من خلال لجنة الرشوة , اعلن انه انتخب بالرشوة , وان توماس دونكومب العضو الشارتى النافذ , اخبر مجلس العموم منذ زمن طويل بصراحة انه مامن عضو فى المجلس بكامله , بمافيه شخصه , يمكن ان يدعى انه حصل على مقعده بالتصويت الحر فى المقاطعات بدون رشوة . {210 }الصيف الماضى , اعلن ريتشارد كوبدن عضو مخزن الميناء وقائداتحاد مناهضة قانون الحبوب , فى اجتماع عام فى مانشستر ان الرشوة قد وصلت الى نسب غير مسبوقة , وانه فى نادى التورى بكارلتون ونادى الاصلاح الليبرالى فى لندن ان تمثيل المدن قد ارسى على اعلى مزايد , وان هذه الاندية قد تصرفت بوصفها مقاولين – من اجل بضع جنيهات يمكن ان نضمن لك مركزا معينا الخ – وفوق كل هذا لايجب ان ننسى الطريقة الدقيقة التى تجرى بها الانتخابات , السكر العام الذى تطرح اثناءه الاصوات , الحانات العامة حيث يصبح المصوتون سكرانين على حساب المرشحين , الفوضى , الشجار, صراخ الجمهور فى حجيرات الاقتراع واضعين بذلك اللمسات النهائية على خواء التمثيل السارى لمدة 7 سنوات .


فورفارتس عدد رقم 77 , 25 سبتمبر 1844

لقد رأينا ان التاج ومجلس اللوردات قد فقدا اهميتهما , كما رأينا كيف يتم اختيار مجلس العموم شديد القوة , والسؤال الان : من اذن يحكم انجلترا بالفعل ؟ الملكية ( الخاصة ) تحكم . تمكن الملكية الارستقراطية من ان تسيطر على اختيار المندوبين للمناطق الريفية والمدن الصغيرة , وتمكن الملكية التجار والمصنعين من ان يختاروا اعضاء المدن الكبرى ولمدى معين اعضاء المدن الصغرى , الملكية تجعل فى مستطاعهم زيادة نفوذهم بواسطة الرشوة . ان حكم الملكية الخاصة معترف به فى قانون الاصلاح بنصاب الملكية الذى ادخل فيه . والى المدى الذى تشكل فيه الملكية والنفوذ الذى تضفيه الملكية جوهر الطبقة الوسطى , ومن ثم الى المدى الذى تعبئ فيه الارستقراطية ملكيتها لتؤثر على الانتخابات ومن ثم فلاتتصرف كارستقراطية ولكن تضع نفسها على مستوى واحد مع الطبقة الوسطى , والى المدى الذى يكون فيه نفوذ الطبقة الوسطى الفعلية اجمالا ذو وزن اعظم من نفوذ الارستقراطية , الى هذا المدى تحكم الطبقة الوسطى بالفعل . ولكن كيف ولماذا تحكم ؟ لأن الناس لم يفهموا بالفعل بعد طبيعة الملكية لأنهم بصفة عامة – على الاقل فى الريف – لازالوا موتى ثقافيا ومن ثم يتحملون طغيان الملكية . من المعترف به ان انجلترا ديموقراطية , ولكن بنفس الطريقة التى بها روسيا ديموقراطية , حيث يحكم الناس وهم غير عالمين فى كل مكان , والحكومة فى كل دولة ليست شيئا سوى تعبير اخر عن مستوى تعليم الناس .( !!! – المترجم )

سوف يكون من الصعب ان نعود ادراجنا من ممارسة الدستور الانجليزى الى نظريته .حيث تقوم هناك افظع التناقضات بين النظرية والممارسة , فالاثنان بعيدان كل منهما عن الاخر الى الحد الذى لم يعد فيه بينهما اى تشابه . من ناحية هناك ثالوث السلطة التشريعية – من ناحية اخرى طغيان الطبقة الوسطى , من ناحية هناك نظام المجلسين – من ناحية اخرى مجلس العموم شديد القوة , من ناحية هناك الامتياز الملكى – من ناحية اخرى حكومة مختارة من قبل مجلس العموم , من ناحية هناك مجلس لوردات مستقل مع مشرعين بالوراثة – من ناحية اخرى مكان للاعضاء القدامى فى مجلس العموم . كان على كل المكونات الثلاثة للسلطة التشريعية ان يسلم سلطته لعنصر اخر : التاج للوزراء , بمعنى اخر لاغلبية مجلس العموم , اللوردات لحزب التورى , اى , لعنصر شعبى, وللوزراء الذين يخلقون النبلاء , بمعنى اخر , اساسا الى عنصر شعبى ايضا , والعموم الى الطبقة الوسطى , او , والذى يعتبر نفس الشئ , الى الناس الذين لم يبلغوا سن الرشد سياسيا . فى الواقع فان الدستور الانجليزى قد كف عن الوجود تماما , ان كامل عملية التشريع المرهقة هى بمثابة مهزلة , لقد اصبح التناقض بين النظرية والممارسة غاية فى السطوع حتى انه ليس من الممكن ان يتواصل لفترة طويلة , وحتى لو ظهر ان حيوية هذا الدستور المؤلم قد زادت لحد ما بتحرر الكاثوليك {211 } وهم من سيكون لدينا سبب للحديث عنهم فى المستقبل , وبالاصلاح البرلمانى والبلدى , هذه الاجراءات –التى هى فى ذاتها بمثابة اعتراف بأن الامل فى حفظ الدستور قد جرى التخلى عنه – تدخل فيها عناصر تناقض بلا جدال المبادئ الجوهرية للدستور وهكذا تمعن فى تجسيد التنازع بجعل النظرية تناقض نفسها .

لقد رأينا ان تنظيم السلطات فى الدستور الانجليزى يعتمد كلية على الخوف ( !!! – المترجم ) . وهذا الخوف حتى اكثر وضوحا فى القواعد التى يتواصل بها التشريع , اى بما يسمى لوائح برلمانية ( او اوامر ثابتة – المترجم ) . يجب على كل قانون ان يخضع لثلاث قراءات فى كل من المجلسين ., وبفواصل معروفة , وبعد القراءة الاولى يحال الى لجنة تناقشه تفصيلا , وفى الاحوال التى تكون له بعض الاهمية , يصبح المجلس كله لجنة ليناقش القانون ثم يعين مقررا , الذى يقدم فيما بعد بكل جلال تقريرا حوله لنفس المجلس الذى ناقش القانون . ونقول عرضا اليس هذا اكثر الامثلة مهابة على وجود " المتعالى فى المحايث والمحايث فى المتعالى " الامر الذى يمكن ان يطمح له اى هيجلى ؟ "ان المعرفة التى لمجلس العموم عن اللجنة هى المعرفة التى للجنة عن نفسها ", والمقرر هو "التجسيد المطلق للوسيط , الذى يتطابق فيه الاثنان " . وهكذا يناقش كل قانون ثمان مرات قبل ان يتمكن من تلقى التصديق الملكى . مرة اخرى انه بالطبع الخوف من الانسانية الذى يكمن تحت هذا الاجراء العبثى .انهم يدركون ان التقدم هو جوهر الانسانية ولكن لايملكون الشجاعة لأن يعلنوا التقدم بصراحة , انهم يصدرون القوانين التى يفترض ان لها صلاحية مطلقة والتى تضع من ثم عوائق امام التقدم , وبالاحتفاظ بحق تعديل القوانين , يسمح للتقدم الذى انكروه فى التو ان يعود ثانية من الباب الخلفى . ولكن لابد ان ينتبه الى عدم الانطلاق سريعا جدا, والا تكون هناك عجلة مغالى فيها !التقدم شئ ثورى , و خطير , ومن ثم يجب ان يكون هناك كابح قوى فوقه , قبل ان يقرروا الاعتراف به عليهم ان يتأملوا الامر ثمان مرات . ولكن هذا الخوف , وهو بغير جدوى فى حد ذاته , ويثبت فقط ان هؤلاء الذين يملأهم ليسوا بعد , احرارا حقيقيين , يميل الى ان يؤدى لادخال اجراءات غير سليمة . وبدلا من ضمان فحص شامل للقوانين , تصبح القراءة المتكررة لها زائفة تماما فى الممارسة العملية ومجرد امر شكلى . يتركز الجدل الاساسى عادة فى القراءة الاولى او الثانية , واحيانا ايضا فى المناظرات فى اللجان , وفقا لما يناسب المعارضة اكثر . ان عدم جدوى تعدد المناظرات هذا يصبح واضحا حينما نعتبر ان مصير كل قانون قد تقرر بالفعل فى البداية , وحين لا يتقرر , فان المناظرة لاتتعلق بالقانون المحدد وانما بوجود وزارة . ان حاصل كل هذه التصرفات الغريبة , التى تتكرر ثمانى مرات , ليست هكذا مناقشة أهدأ فى المجلس نفسه , وانما شئ مختلف تماما الذى لم يكن بأى حال قصد هؤلاء الذين ادخلوا هذه التصرفات الغريبة. الطبيعة المتطاولة للتداولات تعطى الرأى العام وقتا لتشكيل رأى حول الاجراء المقترح واذا ماكانت هناك حاجة فيمكن معارضته بواسطة الاجتماعات والالتماسات , وغالبا– كما حدث العام الماضى فى حالة قانون التعليم للسير جيمس جراهام – ماتلقى النجاح . ولكن هذا كما قلنا , لم يكن الغرض الاصلى ويمكن ان يتحقق بشكل اشد بساطة .

بينما نحن الان منشغلون باللوائح البرلمانية ( الاوامر الثابتة ) , يمكن لنا ان نذكر بضع نقاط اضافية وهى تشى بالخوف الذى يمثل جزءا من الدستور الانجليزى والطابع المشترك الاصلى لمجلس العموم . ليست المناظرات فى مجلس العموم عامة , والدخول امتياز لايؤمن عادة الا بأوامر مكتوبة من احد الاعضاء . وفى الاحوال التى تكون فيها انقسامات تخلى الشرفات , وبالرغم من هذه السرية العبثية , فلطالما واجه المجلس معارضة ضارية فى الغاءها, مع ان اسماء الاعضاء الذين صوتوا مع اوضد تكون منشورة فى اليوم التالى فى جميع الصحف . لم يكن الاعضاء الراديكاليون قادرين ابدا على الحصول على موافقة لنشر المحاضر الاصلية – منذ اسبوعين رفض طلب بهذا الصدد {212 } – ونتيجة لذلك فان طابع التقارير البرلمانية التى تظهر فى الصحافة مسئول وحده عن مضمونها ويمكن ان يقاضى , وفقا للقانون حتى بواسطة الحكومة , لأن نشر البيانات الافترائية من قبل اى احد يشعر( شخصا ما) انه اهين بسبب ملاحظة من عضو فى البرلمان , بينما من افترى محمى من اى ملاحقة قانونية بسبب حصانته البرلمانية . هذه وجملة من المسائل الاخرى فى اللوائح البرلمانية تظهر الطابع الحصرى المناهض للشعب الذى يكتسى به البرلمان حتى بعد اصلاحه , والعناد الذى يتمسك به مجلس العموم بهذه العادات يظهر فى غاية الوضوح انه ليس لديه رغبة فى ان يحول نفسه من هيئة مشتركة صاحبة امتياز الى مجلس من ممثلى الشعب .


فورفارتس عدد رقم 78 , 28 سبتمبر , 1844

دليل اخر على هذا هو الامتياز الذى يتمتع به البرلمان , الوضع الاستثنائى لأعضاءه ازاء البلاط وحق مجلس العموم فى تقرير اجراء القبض على من يرغب . لقد استهدف بصفة اصلية التعديات التى يقوم بها التاج , الذى حرم منذ هذا الوقت من كل سلطته وهذا الامتياز قد استخدم فى الازمنة الحديثة ضد الشعب فقط . فى 1771 غضب المجلس من غطرسة الصحف التى نشرت مداولاته , الامر الذى كان بعد كل شئ من حق المجلس نفسه فقط ان يفعله , وحاول ان يضع نهاية لهذه الغطرسة باعتقال الطابعين ثم الرسميين الذين اطلقوا هؤلاء الطابعين . بالطبع لم يكن هذا امرا ناجحا , ولكن المحاولة تبين طبيعة الامتيازات التى يتمتع بها المجلس , ويظهر فشله انه حتى مجلس العموم , رغم كونه يعلو على الشعب , يعتمد رغم ذلك على الاخير , بمعنى اخر , ان مجلس العموم لايحكم هو الاخر .

فى بلد تشكل " المسيحية فيه جزءا لايتجزأ من قوانين البلاد " فان الكنيسة القائمة هى بالضرورة جزء من الدستور . وفقا لدستورها فان انجلترا بصفة اساسية هى دولة مسيحية , بالفعل دولة مسيحية تامة التطور وقوية , وتمتزج الدولة والكنيسة تماما الواحدة مع الاخرى حتى لايمكن فصلهما . هذه الوحدة بين الكنيسة والدولة يمكن ان توجد على اى حال فى طائفة مسيحية واحدة , على حساب اقصاء كل الطوائف الاخرى , وهذه الطوائف التى جرى اقصاؤها هى من ثم بالطبع توصم بأنها هرطقية وهى ضحية الاضطهاد السياسى والدينى . هذا هو الحال فى انجلترا . وهكذا فقد رميت هذه الطوائف كلها معا بوصفها فئة واحدة , واستبعدت , بوصفها من غير الممتثلين او المنشقين , من اى اشتراك فى الدولة , ضويقوا , وقيدوا فى عباداتهم واضطهدوا بقوانين العقوبات , كلما اعلنوا بحمية اشد انهم ضد وحدة الكنيسة والدولة , كلما جرى الدفاع عن هذه الوحدة بعنف اشد من قبل الحزب الحاكم ورفعت لمرتبة شأنا حيويا للدولة . حينما كانت الدولة المسيحية فى انجلترا لازالت فى ايام ذروتها , كان اضطهاد المنشقين وبالاخص الكاثوليك من ثم حدثا يوميا اضطهادا كان باعتراف الجميع اقل عنفا ولكن اكثر شمولا وتلاحقا من اضطهاد القرون الوسطى . توقف المرض عن ان يكون حادا واصبح مزمنا , الانفجارات المفاجئة المتعطشة للدماء للغضب المعادى للكاثوليك قد تحولت الى حساب سياسى بارد سعى لاستئصال البدعة بطريقة انعم ولكن بضغط متواصل .تم تحويل الاضطهاد الى المجال الدنيوى ومن ثم اصبح من الاصعب احتماله . عدم الاعتقاد فى المقالات التسع والثلاثون {213 } لم تعد هرطقة , بدلا من ذلك اعتبروها جريمة ضد الدولة . ولكن تقدم التاريخ لم يكن ليتوقف , التعارض بين تشريع 1688 والرأى العام كما وجد فى 1828 كان عظيما جدا حتى انه فى السنة الاخيرة وجد مجلس العموم نفسه مضطرا لأن يلغى اشد القوانين قمعا ضد المنشقين . الغي قانون الدعاوى المتطابقة والمواد الدينية فى قانون الشركات {214 } , وتحرر الكاثوليك عقب ذلك فى العام التالى رغم معارضة التورى الضارية . التورى انصار الدستور , كانوا مصيبين تماما فى معارضتهم حيث ان احدا من الاحزاب الليبرالية , ولا حتى الراديكالية هاجمت الدستور ذاته . كان على الدستور ان يبقى الاساس لهم ايضا , وعلى اساس الدستور فقط كان التورى متسقين .لقد ادركوا , وقالوا كذلك , ان الاجراءات الانفة سوف تؤدى بشكل حتمى لانهيار الكنيسة الانجيليكانية وبالضرورة لانهيار الدستور ايضا , وان اعطاء المنشقين الحقوق المدنية سوف يعنى تدميرا واقعيا للكنيسة الانجيليكانية والمصادقة على الهجمات على الكنيسة الانجيليكانية , وانه لعدم اتساق خطير نحو الدولة نفسها ان تسمح لكاثوليكى بنصيب فى الادارة والتشريع مادام يعترف بسلطة البابا على سلطة الدولة . ولم يتمكن الليبراليون من الاجابة على حججهم , مع ذلك , فقد اتخذ التحرر طريقه ونبوءات التورى تبدأ فى التحقق بالفعل .

وهكذا فبهذه الطريقة اصبحت الكنيسة الانجيليكانية اسما فارغا وتختلف الان فقط عن الطوائف الاخرى بميزة الثلاث مليون جنيه استرلينى التى تسحبها كل عام وبعض الامتيازات الصغيرة التى تكفى لتعزيز النضال ضدها . من ضمنها المحاكم الكنسية التى يمارس فيها الاسقف الانجيليكانى اختصاصا مفردا ولكن غير هام بالمرة والذى يكمن اضطهاده فى تكاليف الاجراء القانونى بصفة خاصة , وهناك ايضا رسوم الكنائس المحلية التى تستخدم لصيانة الابنية المتاحة لاستخدام الكنيسة القائمة , ويدخل المنشقون تحت ولاية هذه المحاكم وهم ملزمون بالمثل بدفع هذه الرسوم .

ولكن لم يكن فقط التشريع ضد الكنيسة وانما ايضا التشريع لصالح الكنيسة هو مااسهم باتجاه جعلها اسما خاويا . وقد كانت كنيسة ايرلندا دائما مجرد اسم , كنيسة مؤسسة تماما او حكومية , مراتبية كاملة من كبير الاساقفة نزولا الى الكاهن , لاتفتقر الى شئ سوى المجمع , والتى تتمثل وظيفتها فى الوعظ , والصلاة وانشاد الابتهالات للمقاعد الخشبية الخاوية . كنيسة انجلترا لها جمهورها , هذا حقيقى , رغم انها ايضا , خاصة فى ويلز ومقاطعات المصنع قد ازيحت الى حد بعيد من قبل المنشقين , ولكن قلما يتعب الوعاظ الذين يتقاضون اجورا جيدة انفسهم بشأن رعيتهم . اذا رغبت فى ان تتلف سمعة زمرة من الكهنة وتتسبب فى سقوطها , ادفع لها جيدا , هذا مايقوله بنتام , والكنيستان الانجليزية والايرلندية تشهدان على حقيقة هذا التصريح . فى ريف ومدن انجلترا مامن شئ مكروه ومحتقراكثرمن الناس من قس كنيسة انجلترا . وفى حالة شعب تقى مثل الشعب الانجليزى , فان هذا يعنى شيئا بالفعل .

من الواضح بذاته انه كلما اصبح اسم الكنيسة الانجيليكانية اكثر خواء وبلامعنى , كلما ارتبط بها بشكل اشد تمسكا الحزب المحافظ وبالتأكيد الحزب الدستورى المعزز , ان فصل الكنيسة عن الدولة يمكن ان يسيل دموع حتى اللورد جون رسل , ومن الواضح بذاته ايضا انه حينما يصير الاسم اشد خواء , يصير اشد فظاظة ويشعربها حتى تصبح اضطهاديته اشد. والكنيسة الايرلندية بصفة خاصة , لانها الاكثر تفاهة , فهى تحظى بكراهية اكثر , ولاغرض لها سوى ان تزيد مرارة الشعب , سوى ان تذكرهم بأنهم شعب خاضع يكرههم المنتصر على دينه ومؤسساته .

وعلى ذلك فان انجلترا الان على عتبة تحول من دولة مسيحية محددة الى غير محددة , الى دولة تؤسس ليس على طائفة واحدة محددة وانما على مسيحية غير محددة , اداة لكل الطوائف القائمة . من الطبيعى ان تدافع الدولة القديمة المحددة المسيحية عن نفسها ضد عدم الاعتقاد , ويعاقب عليه قانون الردة لعام 1699 حتى بفقدان الحقوق المدنية السلبية وبالسجن , وهذا القانون لم يلغى ابدا , ولكنه لم يعد يطبق ابدا . قانون اخر اصله من ازمنة اليزابيث , ينص على ان اى احد لايتمكن من التواجد فى الكنيسة يوم الاحد دون عذر مقبول ( ان لم اكن مخطئا , حتى الكنيسة الاسقفية البروتستانتية قد وضعت , لأن اليزابيث لم تعترف لاية كنائس منشقة بان تدفع لحضورها بغرامة او بالسجن ) . وفى الريف لازال هذا القانون يطبق مرارا , وحتى هنا , فى لانكشير المتحضرة , وهى على مبعدة بضع ساعات من مانشستر هناك بعض قضاة سلام متعصبون – مثل السيد جيبسون , وهو عضو عن مانشستر قد زعموا من اسبوعين فى مجلس العموم {216 }— انه قد حكم على عدد كبير من الناس , احيانا حتى بست اسابيع فى السجن , لانهم لم يتمكنوا من الحضور الى الكنيسة . على اى حال فان القوانين الاساسية ضد الكفر هى تلك التى تجرد احدا من حقه فى القسم اذا لم يكن يؤمن بالله او بالثواب اوالعقاب فى الاخرة , وجعل التجديف على الله جريمة يعاقب عليها . التجديف هو اى شئ يهدف لازدراء الانجيل او الديانة المسيحية , وكذلك الانكار المباشر لوجود الله : عقوبة هذا هى السجن – عادة لمدة عام مع الغرامة .

فورفارتس عدد رقم 80 , 5 اكتوبر , 1844

ولكن الدولة المسيحية غير المحددة تتجه نحو السقوط ايضا , حتى قبل ان يعترف بها رسميا بواسطة التشريع . ان قانون الردة هو , كما قلنا انفا , مهجور بشكل كامل , وفرض حضور الكنيسة بات ايضا عتيقا بالمثل وينفذ فى احوال استثنائية فقط , وقانون الردة ايضا بدأ – والفضل يعود لعدم هيبة الاشتراكيين الانجليز وخاصة ريتشارد كارليل – فى ان يكون عتيقا ويطبق هنا او هناك فقط خصوصا فى المقاطعات المتعصبة مثل ادنبره , وحتى يجرى تجنب رفض القسم حيث يكون ذلك ممكنا . لقد اصبح الحزب المسيحى غاية فى الضعف حتى انه هو نفسه يدرك ان اعمالا دقيقا لهذه القوانين سوف يتمخض عنه ابطالها قبل ان يمضى وقت طويل , وهو يفضل من ثم ان يكون سلبيا حتى يبقى سيف ديموقليس التشريع المسيحى معلقا على الاقل على رؤوس غير المؤمنين وربما يستمر لأن يكون فعالابوصفه تهديدا ومطهرا .

بمعزل عن المؤسسات السياسية بالمعنى الدقيق التى قيمناها حتى الان , هناك عدة امور اخرى يمكن ادراجها ضمن دائرة الدستور . لقد كان هناك اغفال لحقوق المواطن , ضمن الدستور لحد بعيد , اذا ماتحدثنا بدقة , ليس للفرد حق فى انجلترا . توجد هذه الحقوق اما خلال العرف او بفضل المكانة الاجتماعية التى ليست مرتبطة تماما بالدستور . وسوف نرى كيف نشأ هذا الانفصال الغريب , لأننا سوف ننطلق الان فى نقد لهذه الحقوق .

الاول يتعلق بحق كل انسان فى ان ينشر اراءه بدون عائق ودون اذن مسبق من الحكومة – حرية الصحافة . اذا اخذناها بصفة اجماليه فمن الحقيقى انه مامن مكان توجد فية حرية الصحافة بشكل اكثر توسعا مما فى انجلترا , ومع ذلك فان هذه الحرية هنا لازالت محدودة للغاية . لاتزال قوانين السب والقذف , والخيانة العظمى , وقانون التجديف ( العيب فى الذات الالهية وازدراء المقدسات – المترجم ) تثقل على الصحافة , واذا كانت الصحافة نادرا ماتقمع فان هذا لايرجع الى القانون وانما لخوف الحكومة من عدم الشعبية التى لايمكن تفاديها والتى سوف تترتب على قمع الصحافة . ترتكب الصحافة الانجليزية لكل الاحزاب انتهاكات صحفية كل يوم , ضد الحكومة وضد الافراد , لكنهم يسمحون لها ان تمر بدون عواقب , حتى يمكن شن حملة محاكمة سياسية , وهنا توظف المناسبة للتعامل مع الصحافة كذلك . هذه هى الكيفية التى انتهت بها مع الشارتيين فى 1842 ومؤخرا مع المنسحبين الايرلنديين .{217 }عاشت حرية الصحافة فى انجلترا على المن والرحمة على مدى المائة عام الماضية بمثل ماعاشت الصحافة البروسية منذ 1842 .

ان حق "الميلاد الثانى" بالنسبة للرجل الانجليزى هو حق الاجتماع الشعبى , وهو حق لم تتمتع به اى امة اخرى فى اوروبا حتى اليوم . هذا الحق , رغم انه عتيق , فقد ظاهره نص القانون بوصفه حق الشعب فى الاجتماع بغرض مناقشة المظالم والتوجه بالتماس ردها من السلطة التشريعية . وهذه الصياغة تتضمن حدا . اذا لم يتمخض الاجتماع عن التماس , فان الاخير يكتسب صفة ان لم نقل انها تحديدا عدم القانونية , فعلى الاقل يكون طابعه ملتبسا . فى محاكمة اوكونل اكد التاج بصفة خاصة على ان الاجتماعات التى وصفت بأنها غير قانونية لم تعقد للتداول فى الالتماسات . على اى حال فان الحد الاساسى تفرضه الشرطة , فيمكن للحكومة المركزية او المحلية ان تمنع اى اجتماع مقدما , او ان تتدخل وتفضه , وقد فعلت ذلك بما فيه الكفاية , ليس فقط فى كلونتارف ولكن بالفعل فى انجلترا فى حالة الاجتماعات الشارتية والاشتراكية .{218 }هذا لايعتبر على اى حال اعتداء على حقوق ميلاد الانجليزى لأن الشارتيين والاشتراكيين هم شياطين بؤساء لاحق لهم , ولااحد يستهجن ذلك عدا جريدة النورثرن ستار والعالم الاخلاقى الجديد , ومن ثم لايسمع احد شيئا عن ذلك فى القارة .

ثم حق تشكيل الجمعيات . كل الجمعيات التى تستهدف اغراضا قانونية مسموح بها , ولكن فى اى حالة محددة , فان الجمعيات الكبيرة هى المسموح بها , وقد لايشمل هذا فروع الجمعية . ان تكوين الجمعيات التى تتفرع الى فروع محلية , كل له تنظيمه , يسمح به فقط للمؤسسات الخيرية , او لاغراض مالية بصفة عامة , ويمكن فقط ان تباشر عملها فى انجلترا عند اصدار شهادة رسمية من موظف معين لهذا الغرض . حصل الاشتراكيون مثل هذه الشهادة لتنظيمهم باعلان ان غرضهم كانت له هذه الطبيعة , وقد انكر هذا على الشارتيين , بالرغم من انهم قد نسخوا لائحة الجمعية الاشتراكية كلمة بكلمة على طلبهم . وقد اضطروا الان الى ان يراوغوا القانون وقد وضعوا فى موقف قد توقع زلة قلم واحدة يرتكبها عضو فى الجمعية الشارتية {219} الجمعية كلها فى شراك القانون . ولكن حتى بمعزل عن هذا , فان حق تكوين الجمعيات , فى تحققه الكامل , هو ميزة للاغنياء , فالجمعية تحتاج الى نقود قبل اى شئ , وانه لمن الاسهل لاغنياء اتحاد المناهضين لقانون الحبوب {220 } ان يجمعوا مئات الالاف من ان تجمع الجمعية الشارتية الفقيرة او اتحاد عمال المناجم البريطانى لتلبية النفقات المكشوفة للجمعية . وجمعية لاموارد تحت تصرفها لن يكون لها على الاغلب تاثير كبير ولايمكن لها ان تقوم بأى تحريض .

فورفارتس عدد رقم 83 , 16 اكتوبر , 1844

ان حق الضبط والاحضار , اى , حق كل متهم فى ان يفرج عنه بكفالة ( تمثل الخيانة العظمى استثناء ) الى ان يحين موعد المحاكمة , الحق الذى اطروه كثيرا هو مرة اخرى امتياز للغنى . فالفقير لايمكن ان يقدم ضمانا وعلى ذلك فلابد ان يسجن .

اخر حقوق الفرد هذه هو حق كل انسان فى ان يحاكم امام نظراءه وهو ايضا امتياز للاغنياء . فالفقير لايحاكم من نظراءه , فهو يحاكم وبلااستثناء من اعداءه الاصيلين , لانه فى انجلترا يتواجه الغنى والفقير فى حرب مكشوفة الواحد مع الاخر . لابد ان يكون للمحلفين مؤهلات معينة , وطبيعتهم واضحة من حقيقة ان قائمة المحلفين فى دبلن , وهى مدينة يبلغ تعداد سكانها 250000 نسمة , ليس فيها سوى 800 شخص مؤهلين . فى احدث محاكمات الشارتيين فى مانشستر , واريك , وستافورد {221 }حوكم العمال من قبل ملاك الارض والمزارعين المستأجرين ومعظمهم من التورى ومن رجال صناعة وتجار , وغالبيتهم من الويج , ولكن على اى حال فهم اعداء الشارتيين والعمال .ولكن هذا ليس كل شئ . فمامن قضاة محلفين محايدين . حينما حوكم اوكونل منذ اربعة اسابيع مضت فى دبلن , فان كل عضو من المحلفين كان عدوا له حيث انهم كانوا بروتستانت وينتمون للتورى . " نظراءه" كان يمكن ان يكونوا كاثوليك ومنسحبين – وليس حتى هم , لانهم كانوا اصدقاءه .ان وجود كاثوليكى ضمن المحلفين كان يمكن ان يمنع حكم المحلفين . وكان يمكن ان يجعل اى حكم لهم مستحيلا, عدا التنحى . هذه الحالة بصفة خاصة هى مثل صارخ, ولكن من الناحية الاساسية هى نفس الشئ فى اى قضية .ان محاكمة المحلفين هى فى الجوهر مؤسسة سياسية وليست قانونية , ولكن بسبب ان كل القانون سياسى فى اصوله , فان واقع الممارسة القانونية يتكشف فيها , والمحاكمة الانجليزية بواسطة المحلفين , لانها الاكثر تطورا الى حد بعيد هى تتمة الكذب القضائى والاخلاقى . ونقطة البداية هى اكذوبة "المحلف ( القاضى ) المحايد", وهى تنطبع فى ذهن القضاة المحلفين حتى ان عليهم ان ينسوا اى شئ يتعلق بالقضية المنظورة بما فيه مايمكن ان يكون قد سمعه قبل المحاكمة , ويحكم فقط حسب الدليل الذى قدم الى المحكمة – كما لو كانت مثل هذه الاشياء ممكنة . الاكذوبة الثانية فى موضوع " القاضى المحايد" اى من تتقوم وظيفته فى تطبيق القانون وتقويم الادلة التى يقدمها الجانبين , بدون انحياز ,و ب "موضوعية تامة " -- كما لو كانت مثل هذه الاشياء ممكنة ! اضف الى ذلك فان المطلوب من القاضى الا يمارس بصفة خاصة ورغم اى شئ تأثيرا على حكم المحلفين والا يوحى به اليهم – بمعنى اخر , عليه ان يعرض المقدمات التى تبنى عليها النتائج , ولكن ليس عليه ان يستخلص النتيجة بنفسه ,بل عليه الايستخلصها حتى لنفسه , لأن هذا سيكون له تأثير على عرض مقدماته – كل هذا ومائة استحالة اخرى , وامورا لاصلة لها بالبشر وغباوات اضافية مطلوبة , وهى كذلك حتى تخفى بلطف الغباوة الاصلية واللاانسانية . ورغم انه لاتوجد ممارسة فعلية خادعة , الا انه فى الممارسة يجرى تجاهل مثل هذه النفاية , فالقاضى يقدم للمحلفين مايكفى بوضوح حتى يفهموا اى نوع من الاحكام عليهم ان ينطقوه , وهذا الحكم يرفع بانتظام الى المحكمة من قبل المحلفين المطيعين .

والى مايلى ! يجب ان يحمى المدعى عليه بكل الوسائل , المدعى عليه مثل الملك , مقدس لاينتهك ولايمكن ان يخطئ , بمعنى اخر , لايستطيع ان يفعل شيئا على الاطلاق , واذا فعل شيئا , فلاصلاحية له . وقد يعترف المدعى عليه بجريمته فلن يفيده ذلك شيئا على الاطلاق . فالقانون يقرر انه ليس جديرا بالثقة ! اعتقد ان ذلك كان فى 1819 حيث اتهم رجل امرأته بالزنا بعد ان اعترفت لزوجها , خلال مرض ظنته مميتا , انها قد ارتكبت جريمة الزنا – ولكن محامى الدفاع عن الزوجة اعترض بأن الاعتراف ليس دليلا – واسقطت التهمة .{واد , التاريخ البريطانى , لندن , 1838 – ملاحظة انجلز } وتعززاكثر قداسة المدعى عليه بالشكليات القانونية التى تحيط بالقضاء الانجليزى والذى يقدم مثل هذا الحقل الخصب لخدع المحامين الذين يثيرون اعتراضات تافهة . حتى ان خطأ فنيا تافها يمكن ان يفسد محاكمة كاملة لتنحدر لان تكون شيئا لايصدق . ففى عام 1800 وجد رجل مذنبا فى جريمة تزوير ولكن افرج عنه لأن محامى الدفاع اكتشف قبل النطق بالحكم انه فى ورقة النقد المزورة كتب الاسم فى شكله المختصر بارتو , بينما فى عريضة الاتهام كتب اسم بارتلميو كاملا . وكما قلت قبل القاضى الاعتراض بوصفه مقبولا واطلق سراح المدان . { نفس المصدر – ملاحظة انجلز } فى 1827 اتهمت امرأة بقتل طفل فى وينشستر ولكن اطلق سراحها لان فى حكم قضاة المحققين فى اسباب الوفاة اعلن الاخير " بعد قسمهم"( قضاة مولانا الملك بناء على قسمهم يعرضون ان , الخ ) ان كذا وكذا قد حدث , بينما هذا القضاء المكون من ثلاثة عشر رجلا قد اقسم ليس قسما واحدا وانما ثلاثة عشر قسما وكان ينبغى ان يقرأ الحكم " بناء على قسمهم (بالجمع){ نفس المصدر – ملاحظة انجلز } منذ عام مضى حدث ان صبيا سرق منديلا من جيب احدهم فى مساء الاحد فمسك متلبسا وقبض عليه . اعترض ابوه بان ضابط الشرطة الذى قبض عليه اعتقله بشكل مخالف للقانون لأن هناك قانونا يفيد بأنه لايجوز لاحد ان يمارس المهنة التى يتكسب منها يوم الاحد , وعلى ذلك فان رجل الشرطة ماكان له ان يقبض على احد ما يوم الاحد . وافق القاضى على هذا , لكنه واصل استجواب الصبى , وحين اعترف الاخير انه لص بالمهنة , حكم عليه بغرامة خمس شلنات لانه مارس مهنته يوم احد . استطيع ان اضيف على هذين المثلين مائة اخرى , ولكنهما واضحان بما يكفى . يقدس القانون الانجليزى المدعى عليه ويطبق ذلك ضد المجتمع الذى وجد لحمايته بالفعل . ليست الجريمة كما فى اسبرطة هى التى تعاقب وانما الطريقة الغبية التى ارتكبت بها . اى شكل من اشكال الحماية ينقلب على الشخص الذى قصد ان تحميه , القانون قصد حماية المجتمع ويهاجمه , لقد قصد حماية المدعى عليه ويجرحه – لانه من الواضح ان اى شخص فقير لحد البؤس لايتمكن من مواجهة الخداع الرسمى برفقة محام ماهر بالمثل فى الخداع تقف ضده كل الاشكال التى خلقت لحمايته . ان اى شخص فقير الى حد البؤس ليكون له محام يدافع عنه او عدد مناسب من الشهود ليس لديه امل فى قضية اى مشكوك فيها فى الحد الادنى . يمكن له ان يقرأ فقط قبل المحاكمة عريضة الاتهام والبيانات التى عملت اصلا من اجل القضاة ومن ثم لايعرف تفاصيل ماالذى سيوجه اليه ( وهذا شديد الخطورة خاصة بالنسبة لانسان برئ ), وعليه ان يرد على الفور حين ينتهى المدعى العام من صياغة طلباته فى القضية وقد يتحدث مرة واحدة فقط , فاذا لم يتناول كل شئ , او اذا كان الشاهد الذى لم يعتبره ضروريا قد تغيب , هنا يكون قد ضاع .

فورفارتس عدد رقم 84 , 19 اكتوبر , 1844

ولكن ذروة النظام بكامله هى القاعدة التى تقول بأن المحلفين االاثنى عشر يتعين ان يصدروا حكما قضائيا بالاجماع .

مايحدث انه يغلق عليهم فى حجرة ولايسمح لهم بالخروج حتى يتفقوا او يدرك القاضى انهم لايستطيعون ان ينتهوا الى اجماع . وهذا على اى حال فوق الطاقة البشرية بمعنى الكلمة وحين يبلغ هذا الحد مناقض للطبيعة البشرية لانه من السخف التام ان تطلب ان يكون اثنى عشر شخصا من نفس الرأى حول موضوع معين . ولكن هذا متسق . ان اجراءات محاكم التفتيش هى ان يعذب المتهم بدنيا او ذهنيا , نظام المحلفين يعلن المتهم مقدسا ويعذب الشهود من خلال الاستجواب بطريقة ليست اقل هولا من محاكم التفتيش , بل انه يعذب حتى المحلفين , لابد ان يصلوا الى حكم حتى وان سقطت السماء اثناء العملية , يعاقب المحلفون بالسجن حتى يصدروا حكما , واذا ماكانوا مفرطين فى نزوتهم لأنهم يرغبون فى ان يلتزموا بقسمهم , يعين محلفين جددا , وهناك اعادة محاكمة وهكذا حتى يصبح الادعاء او المحلفين مرهقين من الصراع فيسلمون بلاشروط . وهو دليل كاف على ان النظام القانونى لايمكن ان يحيا بدون تعذيب وهو فى اى الاحوال بربرى . ولكن ليست هناك امكانية اخرى , اذا كنا نريد ان نحصل على يقين رياضى فى امور لاتسمح بمثل هذا اليقين , ولايمكن الا ان ننتهى الى عبث وبربرية . وتكشف الممارسة مرة اخرى مايكمن وراء كل هذه الاشياء , وفى الممارسة يتخذ المحلفون المخرج السهل و حيث لايوجد بديل , يحنثون فى قسمهم برباطة جأش تامة . فى 1824 , لم يوافق احدالمحلفين فى اكسفورد . قال رجل : مذنب , واحدى عشر : ليس مذنبا . وفى النهاية وصلوا الى تسوية , كتب المختلف " مذنب" على عريضة الاتهام وانسحب , بعدئذ اتى مقدمهم مع المحلفين الاخرين , التقطوا الورقة وكتبوا " غير" امام كلمة " مذنب" (واد , التاريخ البريطانى ) .

عد فونبلانك قضية اخرى , وهو محرر جريدة اكسامينر ( المحقق ) , وذلك فى مؤلفه انجلترا فى ظل سبع ادارات . فى هذه الحالة ايضا لم يستطع المحلفون ان يصلوا الى قرار , وفى نهاية الامر لجأ المحلفون الى سحب قرعة , اخذوا قشتين وسحبوا , رأى القسم الذى سحب القشة الاطول هو الذى جرى تبنيه .

بينما نحن معنيون بالمؤسسات الدستورية , يمكن لنا ان نفحص المسألة بتمعن حتى يمكن ان نكمل مسحنا للمؤسسة القانونية فى انجلترا . من المعروف ان قانون العقوبات الانجليزى هو الاقسى فى اوروبا . حتى وقت قريب يعود الى 1810 لم يكن ادنى فى بربريته من قانون كاليفورنيا {222 } , الحرق , تهشيم العظام على العجلة , قطع الجسد لأربع , نزع الاحشاء بينما لازال الشخص حيا , الخ كل هذه كانت اشكالا مستخدمة فى العقوبة . منذ هذا الوقت , وهو امر حقيقى فان اشد الشناعات فظاظة قد الغيت ولكن لازالت هناك عدة حالات من الوحشية والعار لم تلحق بنصوص القانون . تطبق عقوبة الاعدام على سبع جرائم ( القتل , الخيانة العظمى , الاغتصاب , اللواط , اقتحام الاماكن او الكسر , السرقة بالاكراه , والاحراق العمدى بقصد القتل ) , وفى 1837 كانت هذه فقط هى اكثر الجرائم نطاقا التى طبقت فيها عقوبة الاعدام وقصرت عليها , وبالاضافة الى ذلك , يعرف قانون العقوبات الانجليزى شكلين من العقوبة ينحاز فيها للبربرية خصوصا – النفى , الازراء من خلال المزاملة , الحبس الانفرادى , الازراء من خلال العزلة , مامن شئ يمكن اختياره اكثر قسوة او حقارة فى تدمير ضحايا القانون بشكل منهجى منظم بدنيا وعقليا واخلاقيا ولانزالهم الى مستوى ادنى من مستوى الوحوش . ان المجرم الذى ينفى يجد نفسه فى هاوية الانحطاط والبهيمية التى تعافها النفس وافضل الرجال لايمكن الا ان يخضع فى ستة شهور , من يرغب فى ان يقرأ تقارير الشهود حول جنوب ويلز الجديدة وجزيرة نورفولك سوف يوافق حينما اقول ان ماذكرته يقصر عن الحقيقة الفعلية . السجين فى الحبس الانفرادى يجن , والسجن النموذجى فى لندن , بعد ثلاث شهور من العيش , احيل ثلاثة منه الى البدلام ( مستشفى الامراض العقلية – المترجم ) هذا اذا تناسينا الهوس الدينى الذى لايزال ينظر اليه عادة بوصفها قداسة .
ان قانون العقوبات ضد الجرائم السياسية قد انتهى تقريبا لتماثل نفس الاحكام المطبقة مع بروسيا تماما , خاصة "اثارة الفتن" واستخدام "لغة تحريضية" وقد صيغت بنفس الطريقة الغائمة التى تتيح حرية واسعة للقاضى والمحلفين . وفى هذا الحقل ايضا فان العقوبات اشق منها فى اى مكان اخر , والنفى هو الشكل الاساسى .

اذا كانت هذه العقوبات القاسية وهذه الجرائم السياسية سيئة التحديد لها مغزى اقل فى الممارسة مما قد يبدو طبقا للقانون , فهذا يعود, من ناحية ,الى فشل فى القانون ذاته , المشوش وغير الواضح حتى ان محاميا مترافعا ذكيا يمكن له ان يثير اعتراضات فى صالح المدعى عليه عند كل منعطف . والقانون الانجليزى هو اما نظام الشريعة العامة , بمعنى اخر , قانون غير مكتوب مثلما وجد فى الوقت الذى جمعت فيه التشريعات اولا ثم فرزت بمعرفة السلطات القانونية , وفى معظم الامور الهامة فان هذا القانون من الطبيعى الايكون يقينيا وغامضا , او انه القانون المكتوب , الذى يحتوى على عدد لانهائى من المراسيم الفردية الصادرة عن البرلمان جمعت على مدى يزيد عن خمسمائة عام يناقض كل منها "الاخر وتمثل ليس" دولة قانون" وانما حالة من اللاقانونية التامة . والمحامى المترافع هو كل شئ هنا , وكل من بدد وقتا طويلا فى هذه الادغال القانونية فى فوضى هذه التناقضات هو شديد التمكن فى محكمة قانون انجليزية . لقد ادت عدم يقينية القانون بشكل طبيعى الى الاعتقاد فى سلطة الاحكام التى اصدرها القضاة السابقون فى قضايا مماثلة , وهو مايفاقم من عدم اليقين , مادامت هذه الاحكام ذاتها تناقض واحدها الاخر , وحصيلة سير المحاكمة يعتمد على تعلم وحضور ذهن المحامى المترافع . من ناحية اخرى ,غياب اهمية قانون العقوبات الانجليزى هى كيفما كان الامر مسألة رحمة تماما , الخ واعتبار للرأى العام , حيث لايرغم القانون الحكومة على ذلك بأى حال , والمعارضة النشطة لكل اصلاحات القانون تبين ان السلطة التشريعية لاتميل حتما الى تغيير حالة الامور هذه . ولكن لاينبغى ان ينسى ان الملكية الخاصة تحكم وعلى ذلك فان هذه الرحمة تمارس فقط تجاه المجرمين "المحترمين" , اما على الفقراء , والمنبوذين , وعلى البروليتارى فتنقض وحشية القانون بكامل قوته ولايهتم احد اقل اهتمام بذلك .

اضف الى ذلك هذا النزوع لتفضيل الاغنياء منصوص عليه بصراحة فى متن القانون . بينما تخضع كل الجرائم الخطرة الى اشد العقوبات , فان الغرامة منصوص عليها لكل الانتهاكات الصغرى , والغرامات وهى نفسها بالطبع للغنى والفقير والتى تؤثر قليلا فى الغنى او لاتؤثر فيه على الاطلاق , والتى لايستطيع الفقير فى تسع حالات من عشر الا يدفعها على الاطلاق ومن ثم يربط بدون لغط كثير الى طاحونة الدوس لبضع شهور "لعدم القدرة على السداد ". يحتاج المرء الى ان يقرأ تقارير البوليس فى اول صحيفة انجليزية تقع فى يده حتى يقتنع بحقيقة هذا التصريح . سوء معاملة الفقير او المعاملة التفضيلية للغنى فى كل المحاكم القضائية غاية فى الشمول , وهى تمارس علنا وبصفاقة وترد فى التقارير بلا ادنى خجل فى الصحف حتى انه من النادر ان يقرأ الانسان جريدة دون ان تمتلئ نفسه سخطا . دائما مايعامل مثل هذا الرجل الغنى بلطف استثنائى , وبغض النظر عن كيف كانت وحشية جريمته " دائما مايكون القضاة غاية فى الاسف" لانه تعين عليهم ان يحكموا عليه بما هو عادة غرامة تافهة تماما . لازالت ادارة القانون فى هذا الصدد اكثر تجردا عن الانسانية من القانون ذاته , " القانون يطحن الفقراء بينما يحكم الاغنياء القانون " و " هناك قانون للفقراء واخر للاغنياء " هذه الاقوال هى اقوال صحيحة تماما وقد باتت منذ زمن طويل من الحكم . ولكن هل يمكن للامر ان يكون بخلاف ذلك ؟ القضاة والمحلفون انفسهم من الاغنياء وهم يختارون من الطبقة الوسطى ومن ثم فهم متحيزون لنوعهم وقد ولدوا اعداء للفقراء . واذا اخذنا فى الحساب الاثر الاجتماعى للملكية , الامر الذى لانستطيع ان نخوض فيه الان , فلايمكن لاحد ان يندهش بالفعل من مثل هذه الاوضاع البربرية للامور .

سوف نتعامل مع مسألة التشريع الاجتماعى المباشر التى يبلغ فيها هذا العار ذراه , فيما بعد . على اى حال لايمكن وصفه فى دلالته الكاملة فى هذه المرحلة .

دعونا اذن نلخص نتائج نقد القانون فى انجلترا . مهما كانت الاعتراضات التى يمكن ان تثار ضده من وجهة نظر "الدولة الدستورية" فهى امر لااهمية كبرى له . حقيقة ان انجلترا ليست رسميا ديموقراطية لايمكن ان تجعلنا نتحيز ضد مؤسساتها . بالنسبة لنا هناك امر واحد ذو اهمية : هو اننا قد شهدنا فى كل مكان التناقض الفظيع بين النظرية والممارسة الواحد مع الاخر . كل سلطات الدستور , التاج , مجلس اللوردات ومجلس العموم , قد انحلت امام عيوننا , لقد انتهينا الى ان الكنيسة القائمة وكل مايسمى بحقوق المولد للمواطن البريطانى ماهى الا اسماء خاوية , وانه حتى المحاكمة من قبل المحلفين هى فى الواقع عرض مظهرى فقط . وانه حتى القانون لاوجود له , باختصار , وان دولة , اعطت لنفسها اساسا قانونيا محددا واضحا , تنكر وتستغل هذا الاساس . الانجليزى ليس حرا بفضل القانون بل رغما عنه , اذا كان لنا ان نقول انه حر على الاطلاق .

وقد راينا اضافة الى ذلك اى ادغال من الاكاذيب واللااخلاقية تنبع من حالة الامور هذه , يخضع الناس انفسهم لاسماء خاوية وينكرون الواقع , انهم لايريدون ان يعرفوا اى شئ عنه وهم يقاومون ادراك مايوجد بالفعل , ماخلقوه بانفسهم , انهم يخدعون انفسهم ويخترعون لغة اتفاقية ذات مفاهيم اصطناعية كل منها محاكاة ساخرة للواقع ويميلون بخوف لتلك التجريدات الفارغة , حتى يتفادوا من ثم ان يمنحوا انفسهم ماهو مهم فى الحياة الفعلية , وهى فى الممارسة , اشياء مختلفة تماما .. ان كامل الدستور الانجليزى وكل الرأى العام الدستورى ليس شيئا سوى كذبة كبيرة تعزز دائما وتحجب بعدد من الاكاذيب الصغيرة تظهر عند نقطة ما او اخرى طبيعتها الفعلية بدرجة من الوضوح فى العلن . وحتى اذا انتهى شخص لادراك ان كامل هذا التركيب هو بمثابة شئ مناقض للحقيقة واكذوبة متخيلة , حتى حينئذ لايزال ينصاع اليه , بالفعل بعناد اكثر غير مسبوق , حرصا على الكلمات الخاوية , والحروف القليلة المصفوفة التى لامعنى لها من ان تنهار , لان هذه الكلمات هى بعد كل شئ المحور الذى يدور حوله العالم وبدونها فان العالم والبشرية يغرقهما بالضرورة ظلام الفوضى ! ولايمكن لنا الا ان ننصرف باحتقار عميق عن هذا النسيج من الاكاذيب الصارخة الخفية , من النفاق وخداع الذات .

هل يمكن لحالة الامور هذه ان تستمر طويلا ؟ لامجال لذلك .ان صراع الممارسة ضد النظرية , الواقع ضد التجريد , ,الحياة ضد الكلمات الخاوية من اى معنى , بايجاز الانسان ضد انعدام الانسانية , يجب ان يحسم , ولاشك لدى فيمن سيكون المنتصر .

الصراع قائم بالفعل . الدستور مزعزع حتى الاساس . اى شكل يتخذه المستقبل سوف ينبثق مما قلناه لتونا . العناصر الجديدة , الغريبة فى الدستور هى ديموقراطية فى طبيعتها , وسوف يكون من الواضح ان الرأى العام ايضا يتطور فى اتجاه ديموقراطى , المستقبل المنظور فى انجلترا هو مستقبل ديموقراطى .

ولكن اى ديموقراطية ! ليست ديموقراطية الثورة الفرنسية , التى كان نقيضها الملكية والاقطاع , ولكن الديموقراطية التى نقيضها الطبقة الوسطى والملكية الخاصة . ان كامل التطور السابق يكشف هذا . ان الطبقة الوسطى والملكية الخاصة مهيمنان , ليس للفقير حقوق , مضطهد يعامل كالخراف , يتبرأ الدستور منه ويسئ القانون معاملته , وصراع الديموقراطية ضد الارستقراطية فى انجلترا هو صراع الفقراء ضد الاغنياء . ان الديموقراطية التى تتجه نحوها انجلترا الان هى ديموقراطية اجتماعية .

ولكن الديموقراطية فى حد ذاتها ليست قادرة على شفاء الامراض الاجتماعية . المساواة الديموقراطية وهم لاسبيل الى تحقيقه , ولايمكن ان يخاض نضال الفقراء ضد الاغنياء على اسس الديموقراطية او حتى بالفعل على اسس السياسة بكاملها . وهكذا فان هذه المرحلة هى انتقال فحسب , العلاج السياسى الخالص الاخير الذى لازال علينا ان نجربه ومنه يتجه عنصر جديد للتطور على الفور , مبدأ يتجاوزكل شئ له طبيعة سياسية . هذا المبدأ هو مبدأ الاشتراكية .
هوامش
{206 } طبعت هذه المقالة بالانجليزية فى كتاب :كارل ماركس وفريدريك انجلز , مقالات حول بريطانيا , مطبعة دار التقدم , موسكو , 1971 .
{207 } قانون الدعاوى المتطابقة لعام 1673 استلزم الاعتراف بعقائد كنيسة انجلترا من جانب الاشخاص الذين يشغلون مناصب حكومية . توجه فى البداية ضد محاولات اعادة تأسيس الكاثوليكية , وقد طبق هذا القانون فيما بعد ضد الطوائف والاتجاهات الدينية المختلفة التى زاغت عن عقائد الكنيسة الرسمية فى انجلترا.
صدر قانون الضبط والاحضار عن البرلمان الانجليزى فى 1679 . وفيما يتعلق بهذا القانون انظر ص 506 من هذا المجلد .
قانون او وثيقة الحقوق اصدرها البرلمان البريطانى فى 1689 , وحدت من حقوق الملك فى البرلمان وصادقت على التسوية بين الارستقراطية العقارية وقمة البورجوازية المالية والتجارية التى تحققت كنتاج "للثورة العظيمة" التى قامت فى 1688 .
{208 } وثيقة العهد الاعظم للحرية – الماجنا كارتا – هى وثيقة وقعها الملك الانجليزى جون لاكلاند فى 15 يونيو , 1215 , تحت ضغط البارونات المتمردين . وقد حدت من حقوق الملك , لصالح سادة الاقطاع الكبار , وتضمنت بعض التنازلات للفرسان والمدن .
{209 }ترجع هذه الاشارة الى الحملة الجماهيرية للاصلاح الانتخابى , وكان عام الذروة هو 1831 . صدر قانون الاصلاح نتيجة لهذه الحملة .
{210 }ترجع هذه الاشارة الى خطاب توماس ديكومب فى مجلس العموم فى 9 اغسطس , 1832 ( انظر جدالات هانسارد البرلمانية , 1832 , المجلد الرابع عشر ص ص 1159 – 1161 ).
{211 } قانون التحرر .
{212 }تعود هذه الاشارة لرفض مجلس العموم فى 12 فبراير 1844 , للطلب الذى تقدم به اعضاء الحزب الراديكالى , كريستى , ديكومب واخرين , لنشر محاضر الجدالات البرلمانية ( انظر هانسارد , الجدالات البرلمانية , 1844 , مجلد 42 ص ص 580 -600 )
{213 }التسع والثلاثون مقالة – رمز لايمان كنيسة انجلترا اصدرها البرلمان الانجليزى فى 1571 .
{214 } قانون المنظمات , صدر عام 1661 , استلزم الاعتراف بعقائد كنيسة انجلترا من قبل الاشخاص المنتخبون ( غالبا فى الادارة البلدية ) وقد سحب فيما بعد .
{215 } انظر ملاحظة 188 ( المجلد الثالث , اعمال ماركس , انجلز )
{216 } تعود هذه الاشارة الى خطاب توماس جيبون فى مجلس العموم فى 14 فبراير 1844 (انظر هنسارد , الجدالات البرلمانية ,1844,المجلد 44ص 798 ) .
{217 } المنسحبون – انظر ملاحظة 149 .
{218 }تعود هذه الاشارة الى منع السلطات الانجليزية الاجتماعات الجماهيرية فى كلونتراف الذى حدده المنسحبون الايرلنديون فى 5 اكتوبر , 1843 . كثفت الحكومة القوات فى الاقليم لتمنع مظاهرات الاحتجاج . فى هذه الظروف قرر اوكونل ان يلغى الاجتماع . وشجع هذا السلطات الانجليزية , التى اعتبرت ذلك علامة ضعف وقرروا ان يقدموا القادة الايرلنديين للمحاكمة . جرت المحاكمة فى يناير- فبراير 1844(انظر ملاحظة 179 فيما يتعلق بالمحاكمة )
{219}تعود الاشارة الى اتحاد الميثاق القومى , انظر مايتعلق به ملاحظة 143 .
{220}الاتحاد المناهض لقانون الحبوب – انظر ملاحظة 40 .
{221} تعود الاشارة الى محاكمات قادة جمعية الميثاق الوطنى والمشاركون فى حركة الاضراب فى اغسطس 1842 , امرت بها السلطات فى عدة مدن فى انجلترا بعد قمع الحركة وقد كان هناك انتقام جماهيرى . من 1500 شخص (اغلبهم عمال) اعتقل اكثر من نصفهم وخضعوا للمحاكمة . كانت الاحكام كقاعدة غاية فى القسوة . وهكذا ففى ستافورد (اكتوبر 1842) حكم على خمسين بالنفى ( مدى الحياة لكثير منهم)و 180 بالسجن لمدد مختلفة . وحكم على مجموعة كبيرة من قادة الشارتيين يتزعمها فيرجوس اوكونور , وقد انعقدت محاكمتهم فى مارس 1843 فى لانكستر ( وقد خفف الحكم فيما بعد بسبب الضغط الجماهيرى ) اضافة الى المدن التى ذكرها انجلز انعقدت محاكمات فى شستر , ليفربول وبضع اماكن اخرى فى خريف 1842 .
{222} كارولينا – هو القانون الجنائى للامبراطور شارل الخامس ( القانون الجنائى لكارولينا)اصدره الرايشستاج فى روزنبرج فى 1532 , وقد تميز بالقسوة الشديدة للعقوبات التى قررها .
{223 }يثبت هذا المقطع ان انجلز قد نوى ان يواصل كتابة سلسلة وضع انجلترا ( انظر ملاحظة رقم 200) . ومن الواضح انه خطط لوصف وضع الطبقة العاملة فى انجلترا ومعالجة التشريع الاجتماعى بما فيه العمالى الذى يوجد فى انجلترا .
*العنوان الأصلى : وضع إنجلترا ،2، الدستور الإنجليزى
المصدر : ماركس , انجلز , الاعمال الكاملة , المجلد الثالث , ص ص 485 –513 . كتب فى مارس 1844 , دار التقدم ,موسكو,1975 .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية