إسرائيل وافاق التسوية السياسية مع سوريا

ثائر أبوصالح
2012 / 4 / 22

إسرائيل وافاق التسوية السياسية مع سوريا


د.ثائر أبوصالح
كاتب وباحث سياسي
الجولان السوري المحتل

مقدمة:

عندما كتب المفكر الإستراتيجي المعروف فون كلاوزوفيتش كتابه الشهير "فن الحرب"، وعرّف الحرب على أنها "استمرار للسياسة ولكن بوسائل عنيفة"، لم يتنبأ بأنه سيأتي زمان، تنقلب فيه هذه المقولة بشكل كامل، لتصبح:" السياسة استمرار للحرب ولكن بوسائل سلمية". إن هذه المقولة المعكوسة تمثل أيما تمثيل سياسة اسرائيل ورؤيتها للتسوية السلمية مع الجانب العربي. فإسرائيل سعت منذ قيامها لفرض إرادتها بالقوة حتى تنتزع شرعية وجودها من سكان المنطقة الأصليين، لتحول وجودها اللاشرعي الذي جاء على أنقاض الشعب الفلسطيني الى وجود شرعي يقر به العرب ويقبلونه كرهاً أو طوعاً. أما بالنسبة الى الجانب العربي فإن مفهوم التسوية ولد من رحم الهزائم المتتالية منذ قيام اسرائيل في المنطقة، وخصوصاً هزيمة حرب حزيران 1967 . فقبل هذا التاريخ لم يكن معنىً للتسوية الا من خلال العودة الى قرار التقسيم لعام 1947 . أما بعد أن احتلت اسرائيل أضعاف مساحتها من مصر وسوريا والأردن (فلسطين ) وفرضت بقوة السلاح واقعاً جديدا، وبعد قرار مجلس الأمن 242 الذي وضع معادلة إعادة الأرض مقابل السلام، أصبح اللا منطقي منطقياً، واللا مقبول مقبولاً، وكانت بداية لفرض مفهوم التسوية على الجانب العربي وعلى حسابهم.

تطور مفهوم التسوية:

بالرغم من أن حرب تشرين عام 1973 قلبت بعض الشيئ المعادلات، وتركت أثراً كبيراً على نظرية الأمن الإسرائيلي، إلا أن هذه الحرب أقنعت إسرائيل، أن تحالف دول الطوق العربي، مدعوماً من باقي الدول العربية، يشكل عليها خطر وجود حقيقي، ويجب العمل على منع هذا الأمر مستقبلاً وبأي ثمن. ودون الخوض في تفاصيل هذه الحرب ونتائجها، نستطيع القول؛ أن إسرائيل بالتعاون مع أمريكا، وضعت نصب عينيها إخراج مصر من معادلة الصراع، وإرضائها من حسابها، أي إعادة سيناء لمصر، من إجل الإستفراد بسوريا ومنظمة التحرير، وفرض الأجندة الإسرائيلية عليها. واذا عدنا للسلوك الإستراتيجي الإسرائيلي بعد زيارة السادات للقدس وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد لاحقاً، نجد ما يثبت ما نقوله ،فنرى أن سياستها العدوانية إزدادت بشكل ملحوظ، مستغلة الفراغ الإستراتيجي الذي خلفه خروج مصر من معادلة الصراع والخلل الذي أحدثه في موازين القوى. فرغم تشكيل ما عرف يومها بجبهة الصمود والتصدي، كإتلاف عربي لمحاولة سد الفراغ الذي أحدثه خروج مصر، إلا أن هذا الأمر لم يردع اسرائيل على الإطلاق. فقد قامت في عام 1978 بالإعتداء على لبنان بعملية عرفت بإسم "عملية الليطاني"، ثم قامت في حزيران من عام 1981 بقصف المفاعل النووي العراقي، وبنفس العام وتحديداً في كانون أول 1981 قامت بتشريع قانون تطبيق القانون الإسرائيلي على الجولان المحتل في الكنيست الإسرائيلي؛ أي ضم الجولان غير أبهة بالقوانين والأعراف الدولية، وذلك من أجل الضغط على سوريا وفرض إرادتها عليها. وفي حزيران من عام 1982 توّجت هذه الخطوات بالغزو العسكري للبنان من أجل إجتثاث منظمة التحرير، والقضاء على ما تبقى من المقاومة العربية لمشروعها الإستعماري في المنطقة .

ورغم النجاحات الأولية التي حققتها إسرائيل، خصوصاً في إخراج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، إلا أنه سرعان ما بدأت تظهر أشكالاً جديدة من المقاومة؛ ففي الجولان المحتل أعلن السكان السوريون رفضهم لقرار الضم، وبدؤوا في 14 شباط من عام 1982 إضراباً مفتوحاً رفضاً للجنسية الإسرائيلية، استمر حوالي الستة أشهر. وفي لبنان خرجت للوجود المقاومة اللبنانية، والتي لعبت لاحقاً دوراً مركزياً في تحرير الجنوب اللبناني من الإحتلال الإسرائيلي. كذلك هب الشعب الفلسطيني في إنتفاضته الأولى ضد المحتل الإسرائيلي في كانون الأول من عام 1987. وأخذت أشكال المقاومة العربية تتنوع في لبنان والضفة الغربية وغزة والجولان، وتأخذ أشكالاً مختلفة ، وفقاً للظروف الموضوعية والذاتية لمناطق المقاومة المختلفة في رسالة واضحة لإسرائيل بأن سياسة فرض الأمر الواقع لم ولن تنجح. إلا أن دخول العراق الى الكويت واحتلالها، وما تمخض عنه من رد فعل أمريكي، من خلال تحالف دولي اشتركت فيه دولاً عربية عديدة، لإرغام صدام حسين على الإنسحاب من الكويت، فتح الطريق لاحقاً لعقد مؤتمر مدريد للسلام في تشرين الثاني من عام 1991 برعاية أمريكية روسية. وبعد أن بدأت تستوعبت اسرائيل أنه من الصعب املاء ارادتها بالقوة على الجانب العربي، حضرت المؤتمر لعلها تستطيع أن تنجز عن طريق المفاوصات ما فشلت به عن طريق القوة.

أهم محطات التسوية السياسية بين سوريا واسرائيل

جرت المفاوضات المباشرة بين سوريا وإسرائيل لأول مرة في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق اسحق شمير والتي لم يتمخض عنها شيئاً . فتوقفت المفاوضات واستؤنفت بعد فوز رابين في الإنتخابات في حزيران من عام 1992، حيث قاد الوفد السوري الدبلوماسي المخضرم موفق العلاف، أما الوفد الإسرائيلي فكان بقيادة إيتمار رابينوفيتش . بعد 12 جولة مفاوضات بين الطرفين، جاء وزير خارجية أمريكا في أب من عام 1993 ليقوم بجولة مكوكية بين اسرائيل وسوريا، تمخض عنها ما عرف لاحقاً ب"وديعة رابين"؛ وهو تعهد اسرائيلي للإنسحاب من الجولان حتى حدود الرابع من حزيران. بالمقابل عقدت في بداية عام 1994 قمة أمريكية سورية في جنيف، تعهدت فيها سورية بإقامة علاقات " سلام عادية" مع اسرائيل مقابل الإنسحاب الكامل من الجولان، حيث كانت قد وضعت سابقاً بين الطرفين المعادلة التالية: " عمق الإنسحاب يتوقف على عمق السلام الذي تقبل به سورية". وفي الأشهر الأخيرة من عام 1994 التقى السفير السوري في أمريكا آنذاك وليد المعلم بإيهود باراك رئيس الأركان الإسرائيلي السابق وداني ياتوم مستشار رابين الأمني. هذه اللقاءات مهدت الطريق لإلتقاء حكمت الشهابي رئيس أركان الجيش السوري سابقاً مع راببينوفيتش رئيس الوفد الإسرائيلي للمفاوضات في 19 كانون أول من عام 1994، وبعدها بيومين تم اللقاء بين حكمت الشهابي وإيهود باراك وانتهت أيضاً الى الفشل. ولكن بعد تدخل الرئيس الأمريكي كلينتون، عادت سورية الى طاولة المفاوضات وتوصل الطرفان في أيار من عام 1995 الى إتفاق مبادئ عرفت ب" ورقة التفاهمات".

بعد مقتل رابين، واستلام شمعون بيرس رئاسة الوزراء، استؤنفت المفاوضات في " واي بلانتيشن" في 24 و28 شباط من عام 1996 وتناولت قضية الإنسحاب والعلاقات الدبلومسية السلمية بين البلدين، ولكن بعد صعود الليكود للحكم توقفت المفاوضات كلياً واستؤنفت من جديد في عام 2000، بعد وصول إيهود براك لرئاسة الوزراء في أيار من عام 1999. جرت لقاءات في كانون أول عام 2000 بين باراك وفاروق الشرع في "شيبردز تاون" في ولاية فرجينيا، وشكلت أربع لجان لدراسة الإنسحاب الإسرائيلي من الجولان والترتيبات الأمنية، ولكنها وصلت أيضاً الى طريق مسدود، حيث حاول كلينتون انقاذ الوضع، من خلال طرح مسودة اتفاق بين الجانبين. اجتمع كلينتون مع الرئيس حافظ الأسد في 26 أذار بجنيف، بمسعى أخير لإنقاذ المفاوضات، ولكن ووفقاً لمذكرات كلينتون لم يمتلك باراك الشجاعة للإنسحاب من الجولان وهكذا توقفت المفاوضات بين الطرفين.

أما في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين فلم تجر مفاوضات مباشرة بين الطرفين، وإنما كان هناك محاولة من قبل تركيا للعب دور الوساطة ،وجرت لقاءات غير مباشرة على الأراضي التركية ولكن توقفت كل هذه المساعي بعد التوتر الذي حصل بين تركيا واسرائيل على خلفية قافلة الحرية الى غزة في أيار من عام 2010. بالرغم من توقف المحادثاتات، الا انه بدا جلياً، تغير الإستراتيجية الإسرائيلية اتجاه سوريا،خصوصاً بعد عدوان 2006 على لبنان وتحطم العنجهية الإسرائيلية تحت ضرابات المقاومة اللبنانية، وظهور المحور، السوري –الإيراني المتحالف مع-المقاومة اللبنانية، في أفضل تجلياته، حيث شعرت اسرائيل بالخطر وبدأت تطرح إخراج سوريا من هذا المحور بأي ثمن. من هنا نستطيع القول أنه إذا كانت استراتيجية اسرائيل من وراء المفاوضات في سنوات السبعين هي إخراج مصر من معادلة الصراع والإستفراد بسوريا ومنظمة التحريرآنذاك، فإن استراتيجيتها في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين كانت إخراج سوريا من معادلة الصراع والإستفراد بما تبقى من قوى المقاومة في لبنان وفلسطين.ولكن وصول نتنياهو على رأس اليمين المتطرف للسلطة في إسرائيل أوقف بشكل كامل أي تحرك سلمي على المسارات المختلفة.

الربيع العربي ومستقبل التسوية:

إن هبوب رياح التغيير في الوطن العربي أو ما يعرف بالربيع العربي، سيقلب حتماً كل المعادلات ويفرض على صانع القرار الإسرائيلي إعادة النظر في عقيدة الأمن الإسرائيلية . فكل إنجازات إسرائيل الأمنية بعد خروج مصر من معادلة الصراع قد تذهب سدىً في مهب الريح فيما إذا ألغت إرادة الشعب المصري إتفاقية كامب ديفيد، مما سيعيد المنطقة الى المربع الأول. وهذا احتمال وارد جداً تأخذه إسرائيل بعين الإعتبار في صياغة سياساتها الأمنية، ولذلك ستجمد بشكل كامل ما يمكن أن نسميه "استرتيجية السلام الأمنية" لأن كل ما بنته على هذا الإستراتيجية سيهدم وستتبنى حتماً استراتيجية أمن جديدة تتعامل مع حجم التهديدات الجديدة التي تترتب عن عودة مصر ودول عربية أخرى الى دائرة المواجهة مع إسرائيل.

أما بالنسبة الى سوريا فإن ما عجزت عنه اسرائيل على مدار سنوات طويلة من إخراج سوريا من معادلة الصراع، يقدم لها اليوم على طبق من ذهب. إن تبني النظام السياسي في سوريا للحل الأمني قد قوض أولاً بنية الدولة السورية؛ فقد تحول الجيش؛الذي أعيد تحديثه وتحديث عقيدته العسكرية وفقاً للعبر المستقاة من الإعتداء الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006، تحول وللأسف الى قوات لحفظ النظام، ويلزم هذا الجيش فترة طويلة لإعادة تأهيله. وثانياً إن الأحداث في سورية قد أضعفت الإقتصاد السوري، ووفقاً لخبراء الإقتصاد فهو آيل للإنهيار في المستقبل القريب إذا إستمرت الأحداث بالتصاعد.وثالثاً البنية الإجتماعية في سوريا بدأت بالتفكك وأصبحنا نلمح معالم التعصب الطائفي التي يبثها بعض شيوخ الفتنة الطائفية حيث يشكل الوضع في سورية بالنسبة اليهم أرضاً خصبة لإنبات نيتة التعصب التي لم يعتد عليها الشعب السوري من قبل. وقد ساهمت بالمقابل أخطاء المعارضة السورية في تأجيج الأزمة السورية فاندفعوا بإتجاه الغرب دون مبرر ظناً منهم أن كل خيوط اللعبة موجودة بأيدي الغرب، فأهملوا العلاقة مع قوى أخرى فاعلة على الأرض وناصبوا إيران وحزب الله العداء دون مبرر ،مما أثر بشكل سلبي على إنتفاضة الشعب السوري وساهم في الدفع المذهبي الذي اساء للثورة السورية. كان على المعارضة أن تظهر كقوة سياسية براغماتية تأخذ مسافات متساوية من كل القوى الفاعلة إقليمياً ودولياً وتعمل وفقاً لمصلحة الشعب السوري وليس كقوة مهادنة تلتمس التدخل الخارجي من الغرب.

إن الوضع القائم في سوريا واستمراره لأطول وقت ممكن هو مصلحة اسرائيلية وأمريكية من الدرجة الأولى. فسوريا تنزف ومحيدة بشكل كامل، وإيران محاصرة والمقاومة اللبنانية مرتبكة بفعل الأحداث. فلا يوجد أي سبب يرغم اسرائيل على إعادة الحق لإصحابه، فستستمر بمحاولة استجلاب المستوطينين الى الجولان على حساب السكان السوريين الأصليين، وستمعن أكثر بسرقة مياه الجولان والإستفادة من أرضه الخصبة ومن السياحة، هذا ناهيك عن المواقع الإسترتيجية المهمة مثل استحكامات جبل الشيخ وتل أبو الندى ومواقع أخرى عديدة التي تستفيد اسرائيل منها عسكريا للمحافظة على تفوقها العسكري. إذاً اسرائيل ستسقط ولسنوات طويلة ،كما يبدو، من حساباتها أي إحتمال لأي تسوية سلمية في المنطقة، لأنه وبكل بساطة لا يوجد شيئ يرغمها أويفرض عليها ذلك من جهة ولا يوجد أي مصلحة استراتيجية لإسرائيل من إستئناف المفاوضات مع سوريا.

أما ما تبقى من السكان السوريين في الجولان يجب عليهم أن يعدوا أنفسهم لمواجهة طويلة مع هذا الإحتلال، الذي بدأت مؤخراً تظهر ملامح سياسته الجديدة إتجاههم ، وذلك عبر قطع كل صلة للسكان بوطنهم الأم سوريا، فقد تكثف إهتمام المسؤولين الإسرائيليين في المنطقة، وبدأنا نسمع عن نية إسرائيل إغلاق معبر القنيطرة، وليس بغريب أن يحاولوا فرض الجنسية الإسرائيلية من جديد على السكان الذين رفضوا، بعد ضم الجولان في نهاية 1981، قبول الجنسية الإسرائيلية. إن الخروج السريع من المأزق الذي دخلت إليه سورية لن يتأتى إلا من خلال تحمل النظام السياسي والمعارضة مسؤوليتهما التاريخية من أجل الوصول إلى حل يضمن تحول سورية الى دولة ديمقراطية مدنية يعيش فيها جميع السوريين متساويين في الحقوق والواجبات لتتحول سورية الديمقراطية الى شوكة في عيون الأعداء وتستعيد الجولان الذي أنتظر طويلاً ساعة التحرير.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول