احترام المهنة

سرحان الركابي
2012 / 4 / 6

اليت على نفسي ان اشبع موضوع الفتوحات الاسلامية بحثا وتنقيبا ودرسا وتحليلا , ولهذا رحت ابحث عن المصادر والمقالات والدراسات التي تناولت هذا الموضوع المثير والشائك , والذي ما زال الخلاف محتدما حوله الى يومنا هذا رغم مرور ما يزيد عن 1400 عام , وكنت كلما وجدت مصدرا احتفضت به في حاسوبي لعله ينفعني في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون الا من اتى الحوار الحوار المتمدن بمقال رصين مفيد , لكن سوء الحظ كان يطاردني دائما مع حاسوبي النحس الذي لم يستقر على حال منذ شهرين تقريبا , ابتداء بعطل الشاشة ثم اليو بي اس واخيرا حصان طروادة الذي خلخل الحاسبة وخلط الحابل بالنابل ما افقدني القدرة على التحكم بالحاسبة , الامر الذي اضطرني الى ان اهرع الى مصلح الحاسبات , لكن حظي العاثر ظل يطاردني وجاء بي الى مصلح كسول لا يحترم عمله ولا يقيم له وزنا , فقد لاحظت علامات الكسل والفتور واللامبالات طافحة على وجهه الناعس , وياليتني كنت دقيق الملاحظة والنباهة من اول لحظة , ولو كنت كذلك لما وقعت ضحية لهذا المصلح الكسول البطران على نعمته , فقد نبهته مرارا الى عدم المساس بالجذر f لان كل معلوماتي اضافة الى كتاباتي احتفظ بها في هذا الجذر , وزيادة في الحرص على معلوماتي وخشية من كسلة ولامبالاته طلبت منه ان يفتح صفحة الكومبيوتر و ان يفتح جذر f ليري بعينيه الناعستين حزمة المعلومات والكتابات المتراكمة منذ سنوات , وقلت له ارجوك افتح عينيك قليلا وانتبه لهذه المعلومات ففيها كتب ودراسات ومقالات اضافة الى كتاباتي التي بعضها مكتمل والبعض الاخر ما زال عبارة عن مسودات , ارجو ان لا تمس بها , احذر ان تقترب منها فقد تسبب لي كارثة لو انك مسستها ,
الغريب ان المصلح لم يكن يتكلم وكان يكتفي بالاشارات فقط , لكني اذكر جيدا انه قال حسنا لن اقترب منها وذلك عندما راح يفتح صفحة الكومبيوتر ويرمق بطرف عينه التي اثقلها الكسل حزمة الكتب والمعلومات المحفوظة , وبعد فترة انتظار وجيزة ازداد المصلح نعاسا وكسلا وبدا يتثاءب حتى ان خطوات التنصيب في الحاسبة توقفت عند عبارة ( اوك ) وهو غير منتبه لها
, نبهته الى ضرورة اكمال خطوات التنصيب , فنظر الي مذهولا ثم ادار وجهه الى الحاسبة ونقر على الماوس او الفاْر بتكاسل ولامبالاه مروعة , شعرت بالندم لانني سلمت حاسبتي الى شخص غير جدير بالثقة ولا يتقن عمله كما ينبغي , ما افقدني صبري , لم استطع ان اتحمل اهماله وكسله ولامبالاته فقلت له , يبدو لي انك بحاجة الى النوم , فدعني اخذ حاسبتي الى مصلح اخر , عندها فقط انتبه المصلح وكاْنه افاق من نوم عميق وقال لي , لحظات وستكون حاسبتك جاهزة فلما العجلة يا اخي , قلت له حسنا , دعني ارى ما اذا كانت معلوماتي باقية ام انك مسحتها وانت غير مدرك لما تفعل , فنظر الي الرجل بعدم رضا وقد بانت على وجهه امارات الثقة والاعتداد بالنفس وقال ها هي معلوماتك لم تمس , وفتح الجذر E , وقال لم افرمته كما طلبت مني , لكنه فوجيْ عندما كان الجذر فارغا تماما , ولم تكن فيه أي من المعلومات التي اوصيته بالاحتفاظ بها
في تلك اللحظة شعرت كاْن صاعقة نزلت على راسي ولم اعد اعرف ماذا افعل وكيف اتصرف مع هذا المصلح الكسول النعسان الذي اتلف كل تعب السنين بلحظة واحدة , لم اكن انصور ان يصل به الاهمال والازدراء والاحتقار الى مهنته وعدم احترام الزبائن لهذه الدرجة من الاستهانة برغبة الزبائن وتلبية طلباتهم , وفي غمرة هياجي وغضبي ولعناتي التي وزعتها على الحظ العاثر والشياطين والجن والحكومة والاحتلال تذكرت بعض العبارات للراحل علي الوردي , وتذكرت عامل المقهى التي نجلس بها يوميا مع شلة من المثقفين المجانين امثالي , خطرت في بالي عدة تساؤلات مصحوبة باللوعة والالم لفقدان جهودي واتعابي لكن الفكرة الاهم التي كانت اكثر طغيانا على باقي الافكار هي كلمات الراحل علي الوردي , وهنا قد يقول قائل او يعترض معترض او يشكك مشكك , ما هذا الهراء و( ما هذا الشيش بيش ) وما دخل علي الوردي وعامل المقهى ورعد الحافظ وشلته بالمصلح الكسلان , وقبل ان اوضح مدى الترابط بين هذه القضايا الثلاث التي لا رابط بينها كما يبدو للوهلة الاولى , فان عبارة ( الشيش بيش ) باللهجة العراقية تعني الكلام الفوضوي والغير مرتب او الغير مترابط ,
اما علاقة علي الوردي بهذه النازلة والهول الذي الم بي جراء اهمال صاحبنا المصلح النعسان الكسلان البطران , فتعود الى تحليلاته الصائبة لكثير من الظواهر الاجتماعية في العراق والعالم العربي بصورة عامة , فقد ذكر ان الفرد البدوي بطبيعته ميال الى احتقار المهن والاعمال , وتمجيد الفروسية والغزو والحرب , حتى ان كلمة مهنة مشتقة اصلا من الامتهان , التي تعني الابتلاء والمهانة والذلة , واحسب ان الوردي خص البدوي بهذه الظاهرة دون سواه رغم علمه انها ظاهرة عامة لا تخص البدوي وحده و لخشيته من التيار القومجي المسيطر على الساحة في ذلك الوقت ,
تذكرت علي الوردي لاني لاحظت ان المجتمع مازال الى اليوم يحتقر بعض المهن التي اشار اليها واعتبرها من العادالت والمفاهيم البدوية التي تسربت الى عقلية الناس ومفاهيمهم ونظرتهم , وبغض النظر عن تحليلات علي الوردي التي ربما تجاوز الزمن بعضها يحكم الحراك والتغيرات الاجتماعية التي هي سنة من سنن التاريخ , فالملاحظ ان الافراد الذين يمتهنون بعض المهن مازالوا ينظرون نظرة عدم ارتياح لمهنم وغير قادرين على الوئام والتصالح نفسيا مع اعمالهم التي يحتقرونها في داخلهم لكنهم مضطرين لممارستها لحين من الوقت , انهم يمارسون اعمالهم معتبرين انهم اجدر وارفع شانا من هذا المكان الحقير الذي لا يليق بهم لذلك تراهم لا يبدعون ولا يتقدمون او يتطورون في اعمالهم , وهنا ياتي دور عامل المقهى التي نجلس بها يوميا , هذا العامل المسكين نسخة طبق الاصل من تلك النماذج التي تحدث عنها علي الوردي , مهمل لواجباته , وبالكاد يمر بقربنا للنظر في طلباتنا وان طلبنا منه شيئا يقابله بنظرة من عدم الرضى واللامبالاة واعتقد ان كل كيانه يصرخ ويقول , من انتم حتى اخدمكم , وبماذا تختلفون عني كي اكون انا عامل مقهى وانتم اساتذة وكتاب , لكن مهلا فما هي الا ايام معدودة وساجد عملا يليق بي وبكرامتي , فلا تتعاملوا معي بتلك الانوف المرتفعة
قد يكون من المفيد ايضا ان نذكر ان هذا العامل البسيط هو نتاج البيئة الاجتماعية التي انحدر منها , فنحن
نستطيع ان نرى نظرة الناس وازدراءهم لمهنهم واعمالهم التي يزاولونها من خلال اعتبار انفسهم انهم عاطلون , لانهم يعتقدون فعلا انهم عاطلين عن العمل لانهم يمقتون ويحتقرون مهنهم واعمالهم , وان الشخص الذي يملك مهنة وعمل حقيقي هو الموظف في سلك الدولة فقط , اما ما عداه فهو عاطل , لذلك ليس من الغرابة ان نلاحظ طوابير من هؤلاء وهم يقفون على ابواب دوائر الرعاية الاجتماعية رغم انهم ميسوري الحال ولديهم من الاعمال الحرة ما يغنيهم عن اي وظيفة حكومية ,
واخيرا لا يسعني الا ان اقول ,, صدق علي الوردرضوان الله عليه وطيب الله ثراه وادخله فسيح جناته وجعله مع الشهداء والصديقين , فكم نحن بحاجة الى مواصلة دربه ومنهجه الذي اختطه

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت