فتوى البابا بندكتس السادس عشر بأن - الماركسية أصبحت غير واقعية -

احمد عبد الستار
2012 / 4 / 4


قام البابا بندكتس السادس عشر بزيارة رسولية، للمكسيك وكوبا استغرقت 6 أيام ، وهذا النوع من الزيارات التي يقوم بها رئيس الكنيسة البابوية، للخارج ، تعتبر من صلب مهامه الرسولية . للتواصل مع المؤمنين ونشر تعاليم المسيح، ويتعهد في أحيان كثيرة التشفع عند العذراء لحل مشاكل العالم التي تطرح أمامه.

وقد صرح أثناء هذه الزيارة تصريحا فلسفياً قائلا " بأن الماركسية كمفهوم لم تعد تتماشى مع الواقع ".

إن دور الكنيسة البابوية معروف منذ قرون، منذ اعتمدت الرجعية الإقطاعية عليها مدة طويلة كسلاح روحي ضد كل تمرد مناهض لها داخل المجتمع في أوربا بالخصوص . وكيف طغت ونكلت بكل ما هو تقدمي، ابتدءا من العلماء المتنورين الذين غيروا وجه العالم وقتلهم بأبشع طرق القتل ، بتهمة الهرطقة الجاهزة للإدانة , وسجل المجازر التي قامت بها الكنيسة مدون بحروف من دمٍ ونار في تاريخ البشرية المليء بما لا عد له من المجازر وفي مقدمتها مجازر الكنيسة أيام طغيانها الرهيب ، وكيف تشاركت مع الأباطرة والأمراء والإقطاعيين، بنهب الأراضي الشاسعة والمال والذهب واستعبدت ملايين البشر استعبادا دمويا، باسم الدين المسيحي.

إلا إن التاريخ يتقدم، معلنا انتهاء عهد الإقطاعية وعهد الكنيسة المستبد، فالثورة البرجوازية التي أطاحت بالإقطاعية أطاحت كذلك بسلطة الكنيسة ودورها في الحياة العامة في المجتمع آنذاك، واستبعدت الكنيسة من سطوتها على المجتمع وحُجم دورها كثيرا إلى حد عزلها بعيدا داخل مستعمرة داخلية صغيرة تدعى الفاتيكان , وهذا كله كي تتخلص البرجوازية الصاعدة من السلطة المادية لعهد الإقطاعية الآفل والسلطة الروحية للكنيسة التي تعتمدها الإقطاعية للسيطرة على الناس، والتخلص من السلطتين يعني التخلص من عهد كامل تماما .

ولكن السلطة الروحية تحتاج إليها الطبقات المسيطرة لإخضاع الآخرين، والبرجوازية الطبقة المنتصرة تحتاج لسلاح روحي لإدامة وجودها وبقائها، في ضوء هذا الحال لابد من إعادة إنتاج الكنيسة والبابا كأداة وسلاح من جملة أسلحتها الروحية والنفسية التي توجه باتجاه ملايين البشر.

في بدايات تسلق الطبقة البرجوازية الصاعدة للسلطة، خلال صراعها مع الإقطاعية الآخذة بالتعفن وقتذاك، حاربت الأولى الأخيرة بكل مراكز سلطتها الاجتماعية بما فيها الكنيسة، وانتقدت الثقافة الدينية نقدا قاسيا ووصمتها بالتخلف والشعوذة .

لكن لم يكن النقد البرجوازي لسلطة الكنيسة والخرافة الدينية , نقدا عاما ومجردا لطبيعة الدين , كما فعل النقد الماركسي للدين ولكل غيبي، كان النقد قد توجه للكنيسة كون الاثنين ( الإقطاعية والكنيسة ) متكاتفتين بنظام اجتماعي واحد هو النظام الإقطاعي , وعليه يجب تدمير هذا النظام وإحلال النظام البرجوازي الصاعد مكانه .

ولكن سرعان ما سيعلن شعار ( يجب الاحتفاظ بالدين من اجل الشعب ) بعد تسنم البرجوازية للسلطة وتوثق عراها بيدها . وستعود الكنيسة من جديد خادمة للطبقة الجديدة , ولكن بدون الامتيازات السابقة التي كانت تسبغها عليها عهود الإقطاعية .

لأن لا يمكن لطبقة تستغل وتستثمر الناس أن تكون بلا سلطة روحية , وعليه أعيد تأهيل الكنيسة والمؤسسة الدينية وفق متطلبات عصر الرأسمالية .

الكنيسة المعاصرة هي الآن أكثر ذلا من أي وقت مضى خلال تاريخها الذي امتد على مدى قرون طويلة، أصبحت واجه مباشرة للرأسمالية , ولاسيما هذه الأيام التي نعيشها أيام الأزمة الاقتصادية التي تمسك بخناق عدد كبير من الدول الرأسمالية الكبرى في العالم , وعلاوة على الأزمة الاقتصادية , تواجه البشرية الآن تحديات من نوع آخر مثل التغير المناخي واستنزاف وتلوث البيئة , هي نتائج مباشرة لنظام الرأسمالية وطريقة إدارتها للعالم .

يشهد العالم خلال هذه الأعوام الجارية , احتجاجات واعتراضات عمالية و اجتماعية واسعة وغير مسبوقة , معظمها في قلب العالم الرأسمالي , في أمريكا وأوربا وفي كثير من البلدان الأخرى التي تأثرت بالأزمة الاقتصادية , ولكن أحرج تلك الاحتجاجات كانت في أمريكا وأوربا , حيث انطلق الملايين بحركات وتظاهرات احتجاجية تحت ما سمي حركة ( احتلوا ... ) مناهضة للرأسمالية ومنادية في أكثر من مرة وفي أكثر من مكان بإسقاط النظام الرأسمالي وتغييره بنظام يسود فيه العدل الاجتماعي والمعيشة المضمونة , ورفع صور ماركس والمناداة بشيوعيته , وقد قوبلت هذه الاحتجاجات بكل شدة من قبل حكومات أمريكا وأوربا , من استخدام البوليس والجيش في قمعها , ولم يتوان زعماء هذه الدول بدعوة رجال الدين بالتدخل في تهدءة الأوضاع التي كادت في معظم الأوقات أن تخرج عن السيطرة , والطلب المباشر إليهم بالتوسط وحث المتظاهرين بقبول الأمر الواقع .

إن الأزمة الاقتصادية لازالت مستمرة ولازالت الأوضاع المعيشية تتدهور للكثير من المجتمعات في البلدان الرأسمالية، تحت وطأة خطط التقشف وسلب حقوق العمال ومؤسسات الضمان الاجتماعي، وتنصل الدولة للكثير من مسؤولياتها في المجتمع تحت ذريعة خطط التقشف وإعادة جدولة الدين العام .

فالأزمة الاقتصادية تلقي بضلالها غير المريحة على النظام الرأسمالي برمته وبالخصوص في الدول ذات الاقتصاديات الرأسمالية الضخمة، لان ذلك يستدعي الكثير من الاحتجاجات والمطالب العمالية والاجتماعية الداعية لتحسين ظروفها المعيشية . وتستدعي بالمقابل هذه الاحتجاجات، إلى هجوم معاكس تشنه الرأسمالية ضد العمال والمجتمع للقمع لكي تحافظ على وجودها، باستخدام كافة الأسلحة المتاحة تحت تصرفها ، من الجيش والشرطة والإعلام وشتى التأثيرات النفسية والروحية على الجماهير , ويدخل تأثير رجال الدين في ذلك الأمر من أوسع باب ، وفي مقدمتها .

يقول كارل ماركس حول توظيف الدولة للدين " الدولة، المجتمع. وهذه الدولة وهذا المجتمع ينتجان الدين، الوعي المقلوب للعالم .... إنه التحقيق الوهمي للكائن الإنساني " وبناءا على ما يؤسس كارل ماركس بنظريته عن الدين , تعتمد الدولة الرأسمالية على رجال الدين كي يمارسوا وظيفتهم الرسمية , " بالتبشير .. بالمحبة والإحسان والأسمال الرثة وقتل الجسد والتقشف والرهبانية .. " وخلق منظومة كاملة من الأوهام , لتوهم الإنسان بأن سعادته الحقيقية تكمن السماء .

إن الماركسية باعتبارها نظرية مكرسة لنقد النظام الرأسمالي , هي الآن موضع أنظار الملايين ، أكثر من أي وقت مضى , بسبب ما يواجه العالم من أزمات وتحديات , منشأها الرأسمالية , والغليان المستعر على مستوى العالم يطالب جزء منه بتغيير العالم صراحةً وقسم آخر بداء بالتلويح بالمطالبة نحو المساواة والعدالة الاجتماعية .

والتلميذ النجيب , للرأسمالية وخادمها الأمين ، البابا بندكتس السادس عشر لا يتعدى تصريحه " بأن الماركسية كمفهوم أصبحت لا تتماشى مع الواقع " سوى أداء واجب رسمي ، يؤديه لأولياء نعمته , ولكنه لم يخبرنا أي واقع يقصد ،واقع الرأسمالية وهذا صحيح وله كل الحق ، باعتباره احد ممثليها, أم واقع العمال الذين تسحقهم وتجوعهم الرأسمالية ، أم أوساط اجتماعية عريضة انحدرت لهاوية الفقر والجوع , أم الجوع الذي أصبح عالميا تعانيه شعوب كثيرة وفي قارات متعددة , والمجازر التي تتعرض الملايين في عشرات البلدان في العالم بسبب نزاعات الرأسمالية , والخطر الداهم الذي يهدد مناخ الأرض وغيرها مما لا يحصى من مساوئ الرأسمالية .

وتصريحه هذا هو إعلام مقصود , وموجه بشكل مدروس ضد الماركسية , في وقت ومكان اختير بعناية , ليوحي قداسته بنهاية وأفول الماركسية , كي تبقى الرأسمالية خالدة تحفظها عناية الرب وتشفعات العذراء , ليبقى الفقراء فقراء بعيدا عن أي نصيحة بأن " التعاسة الدينية هي، في شطر منها، تعبير عن التعاسة الواقعية، وهي من جهة أخرى احتجاج على التعاسة الواقعية. الدين زفرة الإنسان المسحوق، روح عالم لا قلب له، كما انه روح الظروف الاجتماعية التي طرد منها الروح. انه أفيون الشعب. " *



* كارل ماركس , مقاله نقد فلسفة الحق لدى هيغل

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية