أسلمة الثورات العربية .. ثورة مضادة !!

احمد عبد الستار
2012 / 3 / 20

يشكل فوز حركة النهضة الإسلامية في تونس عبر انتخابات ديمقراطية في عموم البلاد عقب الثورة الكبيرة التي شهدتها تونس للإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي , يشكل نجاحا لامعا للإسلاميين ومتوقعا في نفس الوقت , فكل مجريات الأحداث التي تتفاعل , لصناعة هذا الحدث , الداخلية والخارجية , تشير بوضوح لهذه النتيجة لما يدور داخل تونس بعد الثورة ولما تؤول إليه خاتمة المطاف .

وبنفس السيناريو الجاهز , نرى مجريات الأمور تتحرك في مصر بإعقاب الثورة المصرية التي أطاحت بحسني مبارك , تتحرك باتجاه نفس النتيجة التي آلت الثورة التونسية باتجاه سيطرة الإسلاميين على مقاليد السلطة وسيادة المجتمع , إلا إن صعوبات تعترض هذه المهمة غير اليسيرة على ما يبدو , داخلية من نوع يخص موقع مصر السياسي والإقليمي بذاتها , ولنفس هذا السبب يترتب عليه موقف خارجي دولي أدى إلى تأخير المهمة حتى اللحظة الراهنة , وأرجح الأسباب كون مصر جارة ملاصقة لإسرائيل , يتعين عندها اختيار إسلامي تتوفر فيه كل شروط السلامة لهذا المشروع .

ويدخل في نفس الباب الواسعة هذه , تطورات الأحداث في ليبيا , خلال وبعد نجاح المسلحين الليبيين بمساعدة حلف شمال الأطلسي خلع وقتل القذافي هو ومعظم أولاده , نسمع تصريحات قادة المجاميع العسكرية التي ساهمت بالحملة العسكرية للإطاحة بالقذافي , رغبتهم بإقامة نظام إسلامي , وأوضح التصريحات وأكثرها إيجازا تصريح مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي الليبي خلال إعلانه عن تحرير كامل ارض ليبيا , بالعمل على رفض كل ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية ورفض منع تعدد الزوجات , وبالرغم من محاولته تعديل هذا التصريح فيما بعد , إلا إنه يعتبر إعلانا صريحا لا لبس فيه , يعبر عن مطالب الإسلاميين المسلحين .

ووفق هذه الوتيرة لحصاد الإسلاميين لنتائج الثورات الجماهيرية في البلدان العربية , ربما لا تنتهي المهمة عند البلدان المذكورة فقط , ستتعداها إلى بلدان أخرى , مثل سوريا واليمن ولا ندري في أي مكان آخر أيضا , ويبدو إن أسلمة الثورات العربية هي عاقبة كل ثورة تطالب بالتغيير الاجتماعي والاقتصادي .

هذا ما تبرهن عليه النتائج التي انتهت إليها الثورات العربية لحد الآن , انطلق الإسلاميون للسلطة بأقصى سرعة بعد أن فتحت لهم أمريكا الضوء الأخضر , فالقاطرة الإسلامية بالرغم من صدئها هي الممثل المناسب للمصالح الرأسمالية الغربية , فالحب بين الرأسمال العالمي والإسلامية ( المصون ) له تاريخه منذ عدة عقود وبلغ الآن مرحلة الزواج , كان الاختيار موفقا جدا وناجحا لمصلحة الرأسمال , خير بديل يرجع بالمجتمعات القهقرى ويعود بها إلى أزمنة الظلام بدلا كل أمل ثوري يطمح بالتغيير بعالم غير هذا العالم المغترب والراكد , وأن تشتعل المنطقة بحروب داخلية طائفية شهدنا منها الكثير , بدلا من توجه الناس إلى حل أزمتها الاجتماعية والمعيشية .

الاختيار الأمريكي للإسلاميين واضح وقديم , والضوء الأخضر أوضح منه للمتابع لهذا الأمر , هذه الأيام , يصرح ( غوردن غراي ) سفير الولايات المتحدة الأمريكية بتونس عشية الانتخابات التونسية : (( إن بلاده تساند المسار الديمقراطي في تونس ولا تساند حزبا أو مرشحا معينا , مؤكدا إن الإدارة الأمريكية ستتعامل مع الحكومة التونسية القادمة مهما كانت تركيبتها باعتبارها من اختيار الشعب )) , ويبدو من خلال هذا التصريح البريء جدا , إن الولايات المتحدة الأمريكية ( تساند ) الديمقراطية بلا تحيز , وتوافق على الحكومات التي تأتي من خلال الانتخابات مهما كانت تركيبتها لأنها من اختيار ( الشعب ) ولكننا نسأل بمثل تلقائية السفير الأمريكي ( غوردن غراي ) لماذا الدفع والتعجيل بأمر الانتخابات في تونس ولهاث الإخوان في مصر للتعجيل بالانتخابات بأسرع وقت ممكن , هل لأن السفير الأمريكي كجزء من منظومة الإدارة الأمريكية واثق من فوز الإسلاميين كون ( الشعب ) سيختارهم مجرد ثقة فقط , لا بل إن كل متابع للشأن وإن كان خارج دائرة الإدارة الأمريكية وعقليتها واثق ومتوقع فوز الإسلاميين ليس في تونس فحسب , بل في كل مكان حصلت وتحصل فيه ثورة داخل البلدان العربية , أم إن سببا آخرا أجاز للأمريكيين ثقتهم هذه ؟.

بكل تأكيد لا تأتي ثقتهم هذه مجردة وبلا حسابات ,وبرأينا يكمن السبب الأساس الذي منحهم الثقة هذه , كون الأنظمة الدكتاتورية المخلوعة ( في مصر أو في تونس على سبيل المثل ) والتي حكمت طيلة عقود من الاستبداد , خلفت ورائها مجتمعا محطما يخلو للكثير من ملامح المجتمع المدني السليم , كل الروابط الاجتماعية العصرية خارج الدولة كانت مشوهة وناقصة , إن لن تكن معدومة في أحيان كثيرة , والمجتمعات العربية هي أساسا حديثة بالمقارنة مع المجتمعات التي قطعت شوطا بعيدا , من تاريخ بناء المؤسسات الاجتماعية العصرية , وعلى هذا الأساس مجتمع مدني عصري لما ينهض بعد وحطمته قبضة حديدية من الاستبداد والشمولية , لم يبق غير المؤسسات الاجتماعية القديمة جاهزة بفضل وجودها وتكوينها التاريخي , المؤسسة الدينية والمؤسسة القبلية , تستطيع أن تلعب دور فعال , متى ما تهيأت لها الظروف المناسبة الداخلية أو التغذية من الخارج , وأكثر الأمثلة بيانا ما حصل في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين على أيدي القوات الأمريكية , وكيف تمكنت المؤسسة الدينية و الشيعية بالخصوص والعشائر , من الهيمنة السياسية في الساحة العراقية بعد غياب المجتمع المدني المغيب تماما خلال السلطة الدموية لدكتاتورية صدام الطويلة , كذلك هو الحال في تونس , في بلد لم يستطع أن يجمع شتات نفسه بعد , عقب الثورة , عدوا أمر الانتخابات على عجل كما حصل أيضا في العراق , والمجتمع المدني غير مهيأ وبحاجة إلى وقت ليتوحد بلافتة بحجم لافتة الإسلاميين على الأقل , غير مهيأ من ناحية الخبرة والتنظيم والأموال ودفع الخارج .

ولما كانت طبيعة المحتوى الأيديولوجي للإسلام السياسي على استعداد لتأمين المصالح الإستراتيجية للرأسمالية العالمية فورا , فإننا نعتقد بأن مسألة التعجيل بأمر الانتخابات في تونس أو مصر ( والعراق أيضا ) هو أمر مقصود , وفبركة مفتعلة , لإرباك المجتمع وتمكين الإسلاميين من السيطرة , بفضل جاهزيتهم التاريخية , وتنظمهم السهل , وعليه تعتبر أسلمة الثورات العربية , جزء من تعميق العودة للوراء والرجوع بالمجتمعات العربية إلى حتى ما قبل عصر الأنظمة التي انهارت تحت ضربات الجماهير الثائرة , وجزء من الثورة المضادة التي تتعرض لها الثورات الجماهيرية المكشوفة تحت أسلحة الرأسمالية العالمية , وضد مكاسب وتضحيات الجماهير وضد تطلعات الملايين بعالم أفضل خالي من الجوع وكبت الحريات والبطالة , إن مهمة إعداد المجتمع إلى عالم جديد بلا جوع وبلا استغلال هي بالتأكيد ليست مهمة أمثال مبارك وبن علي والقذافي .. ولا مهمة الإسلامي , مهمة اليسار والأحزاب العمالية في تنظيم صفوف ملايين الكادحين والمعطلين عن العمل وملايين الشباب الذين يتطلعون لمستقبل مضمون , والنساء المتطلعات للحرية بدل عبودية الإسلاميين المهينة .

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا