تحويل الثورة الديمقراطية إلى ثورة اشتراكية

عزالدين بن عثمان الحديدي
2012 / 3 / 16

النظرية البلشفية حول تحويل الثورة الديمقراطية إلى ثورة اشتراكية

كان انتهازيو الأممية الثانية والمنشفيك الروس يؤمنون بحتمية سيطرة الطبقة البرجوازية على الثورة الديمقراطية البرجوازية وكانوا يسلمون لتلك الطبقة المساومة والاصلاحية عن "طواعية" بقيادة "الثورة" ومن ثمة يسلمون لها جماهير العمال وخاصة جماهير الفلاحين لاستخدامهم كوقود من أجل فرض إصلاحات ديمقراطية. كانوا يعتبرون البرولتاريا غير معنية بالهيمنة على الثورة الديمقراطية البرجوازية وقيادتها وكانوا بذلك يحرمون البرولتاريا، طليعة كل الشغيلة الكادحة، من حليف بمثل قوة الفلاحين. الأساس النظري لهذا التكتيك الانتهازي اليميني يكمن في الكاوتسكية والاقتصادوية أو ما يسمى بــ"نظرية قوى الانتاج" التي تقيم سورا صينيا، عهدا تاريخيا كاملا بين الثورة الديمقراطية البرجوازية والثورة الاشتراكية تتطور خلاله قوى الإنتاج و"تنضج الثورة الاشتراكية". وفي الحقيقة ما كان ينضج هو خيانتهم للبرولتاريا وانتقالهم من تيار إصلاحي في الحركة العمالية إلى مدافعين سافرين عن الامبريالية وحروبها الاستعمارية.

لقد افتضح مداحو الامبريالية وحل عصر الثورات البرولتارية الذي دشنته ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى التي انتصرت في سياق تحويل الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى ثورة اشتراكية، كنتيجة لهيمنة البرولتاريا على الثورة الديمقراطية البرجوازية وقيادتها وتوطيدها للتحالف مع الفلاحين. العنصر الحاسم والوحيد في مسألة تحويل الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى ثورة اشتراكية هو كما يقول لينين " درجة استعداد البروليتاريا ودرجة اتحادها مع الفلاحين".

بعد وفاة الرفيق ستالين بعثت نظرية "قوى الإنتاج" الانتهازية اليمينية من جديد وانتشرت أطروحات المنشفيك المعاصرين مثل أطروحة "الديمقراطية الجديدة" الماوية التي تبشر البرولتاريا بــ"عهد تاريخي كامل من الدكتاتورية "المشتركة" مع البرجوازية" ريثما تتطور قوى الإنتاج و "تنضج الثورة الاشتراكية". وأطروحة "الديمقراطية الوطنية" الخروتشوفية التي لا ترى داعيا "لدكتاتورية الأربع طبقات" الماوية وتكتفي بتحريض البرولتاريا على دعم برجوازيتها أو مثقفي بلدها البرجوازيين الصغار الذين سيسلكون "طريقا لارأسماليا". أو أولئك الذين يدعون البرولتاريا "إلى النضال من أجل بناء اقتصاد وطني ذو أفق اشتراكي".

الأساس النظري لكل هذه الأطروحات هو الكاوتسكية والانحراف الاقتصادوي للأممية الثانية. وقد كانت نتيجة هيمنة هذه الأطروحات الانتهازية لأكثر من نصف قرن، عشرات الملايين من البرولتاريا والفلاحين الذين ملئوا مقابر الصين والهند وأندونيسيا والفلبين ومصر والعراق وسوريا...الخ واستخدموا كوقود للبرجوازية في "ثورتها" الوطنية.

- يقول ستالين " وبعد، فإن أبطال الأممية الثانية كانوا يؤكدون (وما زالوا يؤكدون) أن بين الثورة الديمقراطية البرجوازية من جهة، والثورة البروليتارية من جهة أخرى، هوة، أو على كل حال، سوراً مثل سور الصين يفصل إحداهما عن الأخرى بفترة من الزمن طويلة كثيراً أو قليلاً، تعمل فيها البرجوازية التي تصل إلى الحكم على تطوير الرأسمالية، بينما تكدس البروليتارية قواها وتستعد "للنضال الحاسم" ضد الرأسمالية. ويقدرون هذه الفترة، عادة بعشرات السنين، إن لم يكن بأكثر من ذلك. فهل بنا من حاجة إلى البرهان على أن "نظرية" سور الصين هذه هي، في ظروف الامبريالية، خالية من كل معنى علمي وأنها ليست، ولا يمكن أن تكون، سوى وسيلة لتغطية ولتزيين الشهوات المعادية للثورة لدى البرجوازية؟ "

- و يستشهد ستالين بكراس "الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي" وفيه يستنتج لينين ويحوصل النظرية البلشفية حول تحويل الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى ثورة اشتراكية :

"إن كل شيء قد جرى بالضبط كما قلنا، إن مجرى الثورة قد أثبت صحة تفكيرنا.. ففي البداية مع "كل" جماهير الفلاحين ضد النظام الملكي، ضد كبار ملاكي الأراضي، ضد الإقطاعية (وبذلك تبقى الثورة برجوازية، ديمقراطية برجوازية). وبعدئذ مع الفلاحين الفقراء، مع أشباه البروليتاريين، مع جميع المستثمرين، ضد الرأسمالية بما فيها أغنياء الريف والكولاك والمحتكرون، وبذلك تصبح الثورة اشتراكية. أما أن يراد إقامة سور صيني بصورة مصطنعة بين الواحدة والأخرى والفصل بينهما بأي شيء سوى درجة استعداد البروليتاريا ودرجة اتحادها مع الفلاحين الفقراء، فتلك هي غاية ما يمكن أن يصل إليه تشويه الماركسية وابتذالها وإحلال الليبرالية محلها". (المجلد 23، صفحة 391).

- وبالتوازي مع فضح الانحراف اليميني للمنشفيك وأبطال الأممية الثانية، فضح البلاشفة خطورة الانحراف "اليساري" المتمثل في نظرية "الثورة الدائمة" كما شوهها تروتسكي وأتباعه. وبعد رسمه لخطوط التمايز بوضوح ودقة متناهيين مع الانحراف اليميني، يبين ستالين فيما يلي الفرق بين نظرية لينين حول الثورة المستمرة أو تحويل الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى ثورة اشتراكية، وبين النظرية نصف المنشفيكية لتروتسكي التي تنتقص من الطاقات الثورية للفلاحين وتنتقص بالخصوص من قدرة البرولتاريا على قيادة الفلاحين:

" لينين كان يقترح "الاستفادة إلى النهاية" من الكفاءات الثورية لدى جماهير الفلاحين واستخدام طاقتها الثورية عن آخرها لتصفية القيصرية تصفية تامة وللانتقال إلى الثورة البروليتارية. هذا، في حين لم يكن أنصار الثورة الدائمة يفهمون دور جماهير الفلاحين العظيم الأهمية في الثورة الروسية، كانوا يستصغرون قوة الطاقة الثورية لدى جماهير الفلاحين، كانوا يستصغرون قوة البروليتاريا الروسية وكفاءتها على جر جماهير الفلاحين وراءها. وهكذا جعلوا من الأصعب قضية تحرير جماهير الفلاحين من نفوذ البرجوازية، قضية جمع جماهير الفلاحين حول البروليتاريا.

" ذلك لأن لينين كان يقترح تتويج عمل الثورة بانتقال الحكم إلى البروليتاريا. بينما أنصار الثورة "الدائمة" يبغون البدء رأساً بحكم البروليتاريا، فما كانوا يدركون أنهم بذلك يغمضون أعينهم عن هذا "الواقع البسيط" وهو بقايا الإقطاعية ولا يحسبون حساب هذه القوة العظيمة الأهمية التي هي جماهير الفلاحين الروس، ما كانوا يدركون أن سياسة كهذه ما كان من الممكن إلا أن تعرقل قضية كسب جماهير الفلاحين إلى جانب البروليتاريا. وإذن، فلينين لم يكن يحارب أنصار الثورة "الدائمة"، حول قضية استمرار الثورة، إذ أن لينين نفسه كان يتمسك بوجهة نظر الثورة المستمرة، بل كان يحاربهم لأنهم كانوا يستصغرون دور جماهير الفلاحين، الذين هم أعظم احتياطي للبروليتاريا، ولأنهم ما كانوا يفهمون فكرة زعامة البروليتاريا."(أسس اللينينية)

- أدى صواب خطة لينين والبلاشفة في استخدام الثورة الديمقراطية البرجوازية لتحضير شروط هيمنة البرولتاريا على الثورة والانتقال إلى الثورة الاشتراكية إلى نتائج باهرة :

" في روسيا، فعلى العكس من ذلك، أعطت الثورة البرجوازية نتائج معاكسة على خط مستقيم. فالثورة في روسيا لم تقو البرجوازية، بل أضعفتها من حيث هي قوة سياسية، ولم تزد قواها الاحتياطية السياسية، بل أفقدتها احتياطها الأساسي، أفقدتها الفلاحين. أن الثورة البرجوازية في روسيا لم تضع البرجوازية الليبرالية في الصف الأول، بل وضعت في الصف الأول البروليتاريا الثورية، وجمعت حولها جماهير الفلاحين الغفيرة.
وهذا من جملة ما يفسر كون الثورة البرجوازية في روسيا تحولت، خلال فترة من الزمن قصيرة نسبياً، إلى ثورة بروليتارية، وكانت سيادة البروليتاريا هي بذرة دكتاتورية البروليتاريا، كانت هي السلّم الذي سمح بالانتقال إلى دكتاتورية البروليتاريا." (ستالين -حوار مع الوفد العمالي الأمريكي سبتمبر 1927_ ترجمتنا).

- لقد تم الانتقال من مرحلة الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى مرحلة الثورة الاشتراكية على أساس مراحل استراتيجية وضعت بدقة استنادا إلى تحليل علمي ملموس للواقع الملموس. في أسس اللينينية يرسم ستالين بعبقرية متناهية ثلاث لوحات أو مراحل إستراتيجية للثورة الروسية.

" لقد اجتازت ثورتنا مرحلتين ودخلت بعد ثورة أكتوبر في المرحلة الثالثة. وقد تغيرت الإستراتيجية تبعاً لذلك.

- "المرحلة الأولى – من 1903 إلى شباط 1917 – الهدف: القضاء على القيصرية، وتصفية بقايا القرون الوسطى تصفية تامة. القوة الأساسية للثورة: البروليتاريا. الاحتياطي المباشر: جماهير الفلاحين. اتجاه الضربة الأساسية: عزل البرجوازية الملكية الليبرالية، التي تسعى لكسب الفلاحين ولتصفية الثورة عن طريق اتفاق مع القيصرية. برنامج ترتيب القوى: تحالف الطبقة العاملة مع جماهير الفلاحين. "يجب على البروليتاريا أن تحقق الثورة الديمقراطية إلى النهاية، بضم جماهير الفلاحين إليها، من أجل سحق مقاومة الأوتوقراطية بالقوة، وشل تذبذب البرجوازية" (لينين: خطتان للاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية ، المؤلفات الكاملة، المجلد 8، ص 96 الطبعة الروسية).


- "المرحلة الثانية – من آذار 1917 إلى أكتوبر 1917 ـ الهدف: القضاء على الامبريالية في روسيا والخروج من الحرب الامبريالية. القوة الأساسية للثورة : البروليتاريا. الاحتياطي المباشر: الفلاحون الفقراء. احتياطي محتمل: بروليتاريا الأقطار المجاورة. اللحظة المناسبة: الحرب التي استطالت وأزمة الامبريالية. اتجاه الضربة الأساسية : عزل الديمقراطية البرجوازية الصغيرة (المنشفيك، الاشتراكيين الثوريين) التي تسعى لكسب جماهير الفلاحين الكادحين وإنهاء الثورة عن طريق اتفاق مع الامبريالية. برنامج ترتيب القوى: تحالف البروليتاريا مع الفلاحين الفقراء." يجب على البروليتاريا أن تحقق الثورة الاشتراكية بضم جماهير العناصر شبه البروليتارية من السكان إليها، من أجل تحطيم مقاومة البرجوازية بالقوة، وشل تذبذب الفلاحين والبرجوازية الصغيرة" ( لينين المصدر السابق نفسه).

- "المرحلة الثالثة ـ وقد بدأت بعد ثورة أكتوبر. الهدف: توطيد دكتاتورية البروليتاريا في بلد واحد، واستخدامها كنقطة استناد للقضاء على الامبريالية في جميع البلدان. لقد خرجت الثورة من نطاق بلد واحد، وبدأ عهد الثورة العالمية. القوى الأساسية للثورة: دكتاتورية البروليتاريا في بلد واحد، والحركة الثورية للبروليتاريا في جميع البلدان.
الاحتياطات الرئيسية: جماهير أشباه البروليتاريين والفلاحين الصغار في البلدان المتطورة، والحركة التحررية في المستعمرات والبلدان التابعة. اتجاه الضربة الأساسية: عزل الديمقراطية البرجوازية الصغيرة، عزل أحزاب الأممية الثانية التي تؤلف السند الأساسي لسياسة الاتفاق مع الامبريالية، برنامج ترتيب القوى تحالف البروليتاريا مع الحركة التحررية في المستعمرات والبلدان التابعة." (أسس اللينينية)

عزالدين بن عثمان الحديدي - (من كرّاس : "الأساس المادي الجدلي والتاريخي لفكر ستالين وممارسته" الجزء II - أوت 2011)