الثورة البرولتارية كنتيجة لانقطاع سلسلة الجبهة الامبريالية العالمية في حلقتها الأضعف

عزالدين بن عثمان الحديدي
2012 / 3 / 15

الثورة البرولتارية كنتيجة لانقطاع سلسلة الجبهة الامبريالية العالمية في حلقتها الأضعف

* الأساس الاقتصادي للنظرية البلشفية حول الثورة البرولتارية

النظرية البلشفية عن الثورة البرولتارية لها أساس اقتصادي يتمثل في تحول الرأسمالية إلى امبريالية واحتداد تناقضات الرأسمالية إلى الحد الأقصى وامتدادها إلى العالم بأسره. هذا الأساس هو الذي يمنحها طابعها العلمي والطليعي لأنها "مؤسسة على حاجات تطور الحياة المادية للمجتمع" كما يقول ستالين (أنظر الجزء الأول من هذا الكراس). في مؤلفه أسس اللينينية يعارض ستالين أشخاصا مثل تروتسكي وزينوفييف الذين أرادوا حرمان البرولتاريا الروسية والعالمية من اللينينية بوصفها ماركسية عصر الامبريالية والثورة البرولتارية، الذين أرادوا اختزال اللينينية في "روح ثورية" أو نتاج للخصوصية الروسية ورأوا في ثورة أكتوبر مجرد "مبادرة عنيفة" وظاهرة محدودة تاريخيا. ويعود لستالين الفضل في إبراز المغزى التاريخي والبعد الأممي لثورة أكتوبر وفي الدفاع عن أعمال لينين وصياغتها في نظام نظري متكامل.

يقول لينين إن الامبريالية هي "عشية الثورة البرولتارية". هذه المقولة، حسب ستالين، تعتمد على أطروحات ثلاث :


" إن النظرية اللينينية عن الثورة البروليتارية تأخذ، كنقطة انطلاق لها، ثلاث موضوعات أساسية:

- "الموضوعة الأولى – أن سيطرة الرأسمال المالي في الأقطار الرأسمالية المتقدمة، وإصدار الأوراق المالية، من حيث هو أحدى عمليات الرأسمال المالي الرئيسية، وتصدير الرساميل نحو منابع المواد الأولية، من حيث هو أحد أسس الامبريالية والسلطان المطلق للطغمة المالية، من حيث هو نتيجة لسيطرة الرأسمال المالي، كل ذلك يكشف الصفة الطفيلية الفظة للرأسمالية الاحتكارية، ويزيد الإحساس بنير التروستات والسنديكات الرأسمالية مائة مرة، وينمي سخط الطبقة العاملة ضد أسس الرأسمالية، ويسوق الجماهير إلى الثورة البروليتارية من حيث هي وسيلة الخلاص الوحيدة (راجع " الامبريالية " بقلم لينين).

ومن هنا استنتاج أول: احتدام الأزمنة الثورية في البلدان الرأسمالية، وتعاظم عناصر الانفجار أكثر فأكثر على الجبهة الداخلية، البروليتارية، في بلدان "المتروبول" .

- "الموضوعة الثانية - أن تصدير الرساميل المتعاظم إلى البلدان المستعمرة والتابعة، وتوسيع "مناطق النفوذ" والممتلكات المستعمرة حتى شملت مجموع الكرة الأرضية، وتحوّل الرأسمالية إلى نظام عالمي قوامه الاستعباد المالي والاضطهاد الاستعماري لأكثرية السكان العظمى في الكرة الأرضية من قبل قبضة من البلدان "المتقدمة" – كل ذلك أدّى، من جهة، إلى جعل مختلف الاقتصاديات الوطنية ومختلف الأراضي الوطنية، حلقات من سلسلة واحدة اسمها الاقتصاد العالمي، وأدى من جهة أخرى إلى تقسيم سكان الكرة الأرضية إلى معسكرين: إلى قبضة من البلدان الرأسمالية "المتقدمة" التي تستثمر وتضطهد المستعمرات الشاسعة والبلدان التابعة، إلى أكثرية عظمى من البلدان المستعمرة والتابعة المضطرة إلى القيام بنضال في سبيل التحرر من النير الامبريالي (راجع " الامبريالية ").

من هنا استنتاج ثانٍ: احتدام الأزمة الثورية في البلدان المستعمرة، وتعاظم عناصر التمرد أكثر فأكثر ضد الامبريالية على الجبهة الخارجية، جبهة المستعمرات.

- "الموضوعة الثالثة – إن الامتلاك الاحتكاري لـ"مناطق النفوذ" وللمستعمرات، وتطور البلدان الرأسمالية تطوراً غير متساوي مما يؤدي إلى نضال وحشي من أجل تقسيم العالم تقسيماً جديداً بين البلدان التي سبق لها أن استولت على أراضي والبلدان التي ترغب في نيل "حصتها"، والحروب الامبريالية من حيث هي الوسيلة الوحيدة لإعادة "التوازن" المفقود - كل ذلك يؤدي إلى احتدام النضال على الجبهة الثالثة، بين الدول الرأسمالية، مما يضعف الامبريالية ويسهل اتحاد الجبهتين الأوليتين ضد الامبريالية: الجبهة البروليتارية الثورية وجبهة تحرير المستعمرات (راجع " الامبريالية ").

ومن هنا استنتاج ثالث: حتمية الحروب في عهد الامبريالية ، وحتمية تكتل الثورة البروليتارية في أوروبا مع ثورة المستعمرات في الشرق، فتؤلف الاثنتان جبهة الثورة الموحدة العالمية ضد جبهة الامبريالية العالمية." (ستالين – أسس اللينينية)

* اعتمادا على أعمال لينين، يحلل ستالين شروط اندلاع وتطور الثورة البرولتارية في عصر الامبريالية مبينا إفلاس نظريات فقهاء الأممية الثانية وحساباتهم الإحصائية عن النسبة المئوية البروليتارية في تركيب السكان، في هذا البلد بمفرده أو ذاك، هؤلاء الانتهازيون الذين لم يفهموا ما هي الامبريالية والذين "يخافون الثورة كما يخافون الطاعون".

في المقابل، بالنسبة للبلاشفة، بالنسبة للينين وستالين، يجعل التطور الحتمي للشروط الموضوعية المساعدة على نشوء المعارك الثورية الكبرى للبرولتاريا من الضروري تهيئة البرولتاريا لانجاز مهامها التاريخية خلال مراحل "الهدوء" النسبي، حتى تكون جاهزة "للتدخل"، للانقضاض زمن الأوضاع التاريخية الثورية. ويعني ذلك أساسا تنظيم البرولتاريا سياسيا كطبقة، الاعتماد على نظرية ثورية "تعكس بصدق حاجات تطور حياة المجتمع المادية" (ستالين) وتبين علاقات الأحداث الجارية ورؤى مختلف الطبقات واتجاهات تحركها، تطوير التحالف مع الفلاحين الفقراء وقدرة البرولتاريا على ممارسة هيمنتها وقيادتها للجماهير الكادحة.

إن تحضير البرولتاريا لانجاز مهامها التاريخية خاصة في ظروف عصر الامبريالية يقتضي إعادة النظر في العقائد الانتهازية مثل تلك التي كانت سائدة في الأممية الثانية أو التي تسود الآن ومنذ الردة الكبرى بعد وفاة الرفيق ستالين. يقول الرفيق ستالين :

" وتبعاً لذلك، يتغير ذات الشكل الذي توضع به مسألة الثورة البروليتارية، مسألة طبيعية هذه الثورة، ومداها، وعمقها؛ تتغير اللوحة الإجمالية للثورة بوجه عام.

- " فقبلاً، كان تحليل الظروف التي تسبق الثورة البروليتارية يجري عادة من وجهة نظر الوضع الاقتصادي لهذا البلد أو ذاك مأخوذاً بمفرده. أما الآن، فإن هذا الشكل في معالجة القضية لم يعد كافياً. فينبغي الآن مجابهة الأمر من وجهة نظر الحالة الاقتصادية في مجموع البلدان، أو في أكثريتها، من وجهة نظر الحالة الاقتصادية في مجموع البلدان، أو في أكثرها، من وجهة نظر حالة الاقتصاد العالمي، لأن مختلف البلدان ومختلف الاقتصاديات الوطنية لم تعد وحدات تكفي نفسها بنفسها، بل أصبحت حلقات في سلسلة واحدة أسمها الاقتصاد العالمي، لأن الرأسمالية القديمة "المتمدنة" تطورت إلى امبريالية، والامبريالية هي نظام عالمي قائم على الاستعباد المالي والاضطهاد الاستعماري لأكثرية السكان العظمى في الكرة الأرضية من قبل قبضة من البلدان "المتقدمة".

- " قبلا، جرت العادة أن يتناول الكلام وجود أو غياب ظروف موضوعية لأجل الثورة البروليتارية في كل بلد، أو، على الأصح، في هذا البلد المتطور أو ذاك. أما الآن. فإن وجهة النظر هذه لم تعد كافية. فينبغي الكلام الآن عن وجود أو غياب ظروف موضوعية لأجل الثورة في مجموع نظام الاقتصاد الامبريالي العالمي، من حيث هو كل، وعلى هذا، فإن وجود بعض البلدان غير متطورة بصورة كافية من الناحية الصناعية، في جسم هذا النظام، لا يمكن أن يكون عائقاً لا يُذلل في وجه الثورة، ما دام النظام بمجموعه، أو على الأصح لأن النظام بمجموعه، قد نضج لأجل الثورة.

- " قبلا، كانت العادة أن يجري الكلام عن الثورة البروليتارية في هذا البلد المتطور أو ذاك، من حيث هي مقدار بذاته، مقدار مطلق يكفي نفسه بنفسه، ويعارض جبهة وطنية معينة للرأسمال، كما هي الحال في قطبين متعارضين متقاطرين. أما الآن، فإن وجهة النظر هذه لم تعد كافية فينبغي الكلام الآن عن الثورة البروليتارية العالمية، ذلك لأن جبهات الرأسمالية الوطنية المختلفة أصبحت حلقات في سلسلة واحدة اسمها جبهة الامبريالية العالمية التي ينبغي أن تعارضها الجبهة المشتركة للحركة الثورية في جميع البلدان.

- " قبلا، كانت الثورة البروليتارية تعتبر نتيجة للتطور الداخلي وحده في بلد معين. أما الآن، فإن وجهة النظر هذه لم تعد كافية فالآن ينبغي اعتبار الثورة البروليتارية قبل كل شيء كنتيجة لتطور التناقضات في النظام العالمي للامبريالية، كنتيجة لانقطاع سلسلة الجبهة الامبريالية العالمية في هذا البلد أو ذاك.
أين ستبدأ الثورة؟ أين، في أي بلد قبل غيره، يمكن خرق جبهة الرأسمال؟
هناك حيث الصناعة أكثر تطوراً، حيث البروليتاريا تؤلف الأكثرية، حيث الثقافة أكثر، والديمقراطية أكثر،... هكذا كان الجواب قبلاً، بوجه عام." (ستالين – أسس اللينينية)

- إن الإفلاس النظري لانتهازيي الأممية الثانية قد أثبته كل التاريخ المعاصر للحركة الثورية العالمية وفي مقدمتها الثورة الروسية التي يمكن اعتبارها درسا أكاديميا حول صحة النظرية البلشفية حول الثورة البرولتارية.

" غير أن النظرية اللينينية عن الثورة تعارض ذلك وتجيب: كلا! ليس بالضرورة هناك حيث الصناعة أكثر تطوراً، الخ. إن جبهة الرأسمال ستُخرق هناك حيث سلسلة الامبريالية أضعف، لأن الثورة البروليتارية هي نتيجة لانقطاع سلسلة الجبهة الامبريالية العالمية في أضعف مكان فيها، وعلى هذا، فمن الممكن أن يحدث أن البلد الذي بدأ الثورة، البلد الذي خرق جبهة الرأسمال، هو، من الناحية الرأسمالية، أقل تطوراً من البلدان الأخرى التي هي أكثر تطوراً والتي بقيت مع ذلك في نطاق الرأسمالية.
في عام 1917، كانت سلسلة الجبهة العالمية الامبريالية في روسيا أضعف منها في البلدان الأخرى، وهناك انقطعت وفتحت الطريق للثورة البروليتارية. فلماذا؟ لأن روسيا كانت تجري فيها أكبر ثورة من الثورات الشعبية، ثورة تسير في رأسها بروليتاريا ثورية لديها مثل هذا الحليف الجدي الذي هو ملايين الفلاحين المضطهدين المستثمرين من قبل كبار ملاكي الأراضي، لأن خصم الثورة هناك كان ذلك الممثل البشع للامبريالية، وهو القيصرية المحرومة من كل وزن معنوي والتي استحقت حقد جميع السكان. لقد حدث أن كانت السلسلة في روسيا أضعف، رغم أن روسيا كانت، من الناحية الرأسمالية، أقل تطوراً، مثلاً، من فرنسا أو ألمانيا، من انكلترا أو أميركا."

- إن الظروف الموضوعية للثورة البرولتارية متوفرة في جميع مكونات أو حلقات الاقتصاد العالمي، في جميع الدول الدائرة في فلك الامبريالية، سواء في بلدان "المتروبول" أو في المستعمرات وأشباه المستعمرات.

" وأين ستنقطع السلسلة في المستقبل القريب؟ كذلك هناك حيث ستكون أضعف. ليس من المستبعد أن تنقطع السلسلة مثلاً في الهند. ولماذا؟ لأن هناك بروليتاريا ثورية فتية ملتهبة، ولها حليف هو حركة التحرر الوطني، وهو حليف خطير الشأن دون جدال، وجدي دون جدال. ولأن الثورة، في هذا البلد، لها هذا الخصم المعروف عند الجميع وهو الامبريالية الأجنبية المحرومة من كل نفوذ معنوي والتي استحقت حقد جميع الجماهير المضطهدة والمستثمرين في الهند.
كذلك من الممكن تماماً أن تنقطع السلسلة في ألمانيا، لماذا؟ لأن العوامل التي تعمل في الهند مثلاً، بدأت تعمل في ألمانيا أيضاً. ومن الواضح أن الفرق العظيم بين مستوى تطور الهند ومستوى تطور ألمانيا لا يمكن إلا أن يترك طابعه على سير الثورة وعلى مخرجها في ألمانيا.

وبكلمة، ينبغي، كقاعدة عامة، أن تنقطع سلسلة الجبهة الامبريالية، هناك حيث حلقات السلسلة هي أضعف، وعلى كل حال، ليس من ضروري أن تنقطع هناك حيث الرأسمالية أكثر تطوراً، وحيث النسبة المئوية للبروليتاريا هي كذا، ونسبة الفلاحين كذا، وما إلى ذلك". (ستالين – أسس اللينينية)

عزالدين بن عثمان الحديدي - من كراس "الأساس المادي الجدلي والتاريخي لفكر ستالين وممارسته" 14 أوت 2011