اغتيال ستالين وتصفية البلشفية

عزالدين بن عثمان الحديدي
2012 / 3 / 5

اغتيال ستالين وتصفية البلشفية
-------------------


* أنشر هذه الدراسة بمناسبة الذكرى المأساوية لمرور 59 سنة على اغتيال القائد البلشفي العظيم، وزعيم البرولتاريا العالمية لثلاثين سنة الرفيق ستالين.

1- النضال الثوري للبلاشفة بقيادة ستالين ضد التحريفية المعاصرة

* بعد وفاة لينين وخلال فترة العشرينات من القرن الماضي وحتى منتصف الثلاثينات خاض البلاشفة بقيادة ستالين نضالا شاملا ايديولوجيا وسياسيا ضد شتى الانحرافات اليمينية و"اليسارية" للأممية الثانية و"الثانية ونصف" والتروتسكية والبوخارينية وغيرها. كان ذلك النضال عالميا في الاتحاد السوفيتي وفي جميع الأحزاب الشيوعية وقد أفضى ذلك النضال الى انتصار ساحق للبلشفية وتعزيز الوحدة الايديولوجية والسياسية والتنظيمية للطبقة العاملة السوفياتية والعالمية ورفع درجة النضج النظري والسياسي للأحزاب الشيوعية. كان ذلك تحضيرا ضروريا للطبقة العاملة وسائر الكادحين لخوض المعارك الكبرى التي تنتظرها سواء من أجل سحق البرجوازية وبناء الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي أو من أجل القيام بالثورة ضد الامبريالية وسحق الفاشية.

كانت النجاحات الباهرة في بناء الاشتراكية والانتصار على النازيين بقيادة الاتحاد السوفيتي وانتصار الثورة ضد الرأسمالية الامبريالية في عدد كبير من البلدان وتشكل معسكر اشتراكي قوي في مواجهة المعسكر الامبريالي تجسيما قويا لصحة الخط النظري والسياسي للحركة الشيوعية العالمية بقيادة ستالين والبلاشفة.

* خلال فترة المعارك والانتصارات العظمى تلك والممتدة من أواسط الثلاثينات حتى حوالي 1947 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، لم يكن الصراع الايديولوجي والسياسي ضد الانتهازية بتلويناتها على جدول الأعمال. كانت المعركة الرئيسية لجميع الشيوعيين الأمميين تتمثل في هزيمة الفاشية الهتلرية تحت قيادة الاتحاد السوفيتي. كان على الشيوعيين في جميع البلدان بناء وقيادة جبهات وطنية واسعة ضد الفاشية تكون حلقات في سلسلة الجبهة العالمية ضد الفاشية بقيادة الاتحاد السوفيتي. ولتحقيق ذلك كان من الضروري بالنسبة للشيوعيين في جميع البلدان أن يتحالفوا مع الاشتراكية الديمقراطية وأن يعقدوا اتفاقات حتى مع ديمقراطيين برجوازيين (أو وطنيين اصلاحيين في المستعمرات وأشباه المستعمرات) معادين فعلا للفاشية.

هذا الاحتكاك والتحالف بين الطبقة العاملة في جميع البلدان والقوى البرجوازية الديمقراطية والبرجوازية الصغيرة رغم ضرورته وصحته لتحقيق النصر على الفاشية بقيادة الاتحاد السوفيتي وفي نجاح الثورة في عديد البلدان في أوروبا الشرقية وآسيا، كان له جانبه السلبي والمتمثل في تسرب التأثير البرجوازي والبرجوازي الصغير في صلب الطبقة العاملة والذي انعكس داخل الأحزاب الشيوعية في تفشي الانحرافات اليمينية والتصفوية المبشرة بالتعاون الطبقي والبرلمانية البرجوازية والداعية إلى التخلي عن النضال الثوري ضد الرأسمالية الامبريالية. هذه "التحريفية المعاصرة" انتشرت في الأحزاب الشيوعية على المستوى العالمي وفي الحزب الشيوعي البلشفي نفسه.

* مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية وبالتوازي مع العمل الجبار لإعادة بناء وطن الاشتراكية، شرع البلاشفة بقيادة ستالين في خوض نضال عالمي نظري وسياسي ضد التحريفية المعاصرة من أجل تطهير الحزب البلشفي والحركة الشيوعية العالمية من تلك العناصر المتفسخة.

ككل التحريفيين، اتخذ التحريفيون المعاصرون من "الخصوصية القومية" و"نبذ الدغمائية" أساسا لتطوير تحريفيتهم وانكارهم للمبادئ العامة للماركسية اللينينية وقيادة البرولتاريا العالمية. تصدى البلاشفة بقوة لهذا الانحراف، نقرأ في الصحيفة النظرية للحزب البلشفي ما يلي : " إن الادعاء القائل بأن كل بلد يسير نحو الاشتراكية حسب طريق أصيلة كليا وبأن هناك عدد من الطرق بمثل عدد البلدان غير صحيح. إن قول ذلك يعني إنكار المغزى العالمي لتجربة البلشفية. إن القوانين العامة للانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية التي اكتشفها ماركس وانجلز وتمت تجربتها من طرف ماركس وانجلز والتي جربها وطبقها وطورها لينين وستالين على قاعدة تجربة الحزب البلشفي والدولة السوفيتية، هي ملزمة لكل البلدان. إن التجربة العظيمة للحزب البلشفي هي مرشد عمل بالنسبة للشيوعيين والشغالين في جميع البلدان" (صحيفة بلشفي – 15 سبتمبر 1948)

اتخذ ماو والحزب الشيوعي الصيني موقفا مغايرا تماما حيث يعتبران أن كل تطور الثورة الصينية كان مناقضا لخط ستالين والكومنترن. يقول الحزب الشيوعي الصيني بعد فترة طويلة من وفاة ستالين : "منذ فترة بعيدة، قد مر الشيوعيون الصينيون في تجربتهم الشخصية الخاصة ببعض أخطاء ستالين. اُرْتُكبت أخطاء خطوط داخل الح.ش.ص. فقد كانت إما انتهازية "يسارية" أو يمينية. في ما يتعلق بأسبابها العالمية، اُرْتُكب البعض منها تحت تأثير بعض أخطاء ستالين. منذ نهاية العشرينات، ثم خلال الثلاثينات، و أخيرا في بداية و أواسط الأربعينات، عمل الماركسيون اللينينيون، و الرفاق ماوتسي تونغ و ليو شاوشي كممثيلهم، على محاصرة تأثير بعض أخطاء ستالين، ثم، بعد القضاء بالتدريج على الخطوط الخاطئة لكل من الانتهازية "اليسارية" و اليمينية، قادوا في النهاية الثورة الصينية إلى النصر." (حول مسالة ستالين).

* وكان الحزب الشيوعي البلشفي السوفيتي يحارب أيضا "التطوير" الذي جلبه ماو للنظرية اللينينية عن الدولة من أجل تحويل الصين إلى دكتاتورية البرولتاريا والفلاحين في مواجهة "الديمقراطية الجديدة" لماو. ففي ندوة علمية أقامها معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفياتية، قدم يي زوكوف المحاضر الأساسي تقريرا جاء فيه " من الخطر أن نرى في الثورة الصينية نموذجا للثورات الديمقراطية الشعبية في بلدان آسياوية أخرى". شدّد أيضا يي زوكوف في تقريره على أن " الديمقراطيات الشعبية هي شكل خصوصي للدكتاتورية الديمقراطية الثورية للبرولتاريا والفلاحين". (طابع وخصوصيات الديمقراطية الشعبية في بلدان الشرق- 1952). وفي نفس الإطار كتب أيضا أ.سوبوليف " في سياق الثورة تبرز الديمقراطية الشعبية كجهاز للسلطة الثورية التي هي من حيث محتواها نوع من دكتاتورية الطبقة العاملة والفلاحين" ( بلشفي عدد 19- أكتوبر 1951)

وفي مقال نشر في الذكرى السبعين لميلاد ستالين يحمل عنوان ( النظرية الستالينية في الثورة الكولونيالية والحركة التحررية الوطنية في افريقيا الجنوبية والاستوائية) شن البلاشفة هجوما مباشرا على التحريفية المعاصرة في مسائل الثورة في المستعمرات وأشباه المستعمرات : "تؤكد النظرية الستالينية في الثورة داخل المستعمرات على أن حل المسألة الكولونيالية وتحرير الشعوب المضطهدة من العبودية، أمر مستحيل بدون الثورة البرولتارية والاطاحة بالامبريالية. فخلال السنوات الأخيرة ومنذ الحرب العالمية الثانية انتشرت فكرة تقول بامكانية محو النظام الاستعماري دون تحطيم نمط الانتاج الرأسمالي خاصة في أوساط المثقفين البرجوازيين في البلدان المستعمرة, ان البرجوازية الوطنية تتمنى لو تحصل على الاستقلال. كما تأمل الحصول على فرصة حكم بلدها بصورة مستقلة مع الاحتفاظ بنمط الانتاج الرأسمالي ومع تجنب كل الاصلاحات الجذرية الديمقراطية. ان الأساس النظري لوجهة النظر هذه هو التصور الكاوتسكي للامبريالية". ويضيف المقال : "ان البرجوازية تساند الحركة الثورية للشعب بهدف استخلاص الفائدة لوحدها من ثمار الثورة وافتكاك السلطة السياسية قصد اضطهاد الشعب في بلدها الخاص. ان هذه المرحلة من الجبهة الوطنية الواسعة ليست ممكنة إلا حينما تكون البرولتاريا غير فاعلة كقوة مستقلة ومحددة وكقطب مضاد للبرجوازية الوطنية وحيث لا تزال البرولتاريا غير قادرة على توجيه نضال الجماهير الشعبية غير البرولتارية" (سوفشكايا اتنوغرافيا عدد 1 _ 1950).

وفعلا كانت الكاوتسكية ركيزة لنظريات مثل "الديمقراطية الوطنية" الخروتشوفية ومن قبلها "الديمقراطية الجديدة الماوية" وتطبيقاتها "العالمية" الرجعية اللاحقة فيما سمي بنظرية العوالم الثلاث. القاسم المشترك بين كل هذه النظريات هو القول بإمكانية حل المسألة الوطنية أو الكولونيالية في ظل الرأسمالية وبمعزل عن الثورة البرولتارية. لقد شكل ذلك عودة قوية للنظريات الكاوتسكية عن الامبريالية والى وجهات نظر الأممية الثانية.

* لقد كان نضال البلاشفة عالميا فبالإضافة إلى العوامل التي ذكرناها والتي ساعدت على تفشي التحريفية على نطاق عالمي، فقد كان لكتابات ماو التحريفية بعض التأثير في أوروبا الشرقية وقد تطور هذا النضال ضد الانحراف اليميني في مسألة الدولة ليصبح سافرا ويؤدي في إحدى حلقاته الأولى إلى طرد التيتويين المكشوفين في صلب الحركة الشيوعية العالمية لا فقط في يوغسلافيا بل في عديد البلدان. لقد كان ماو على حق عندما صرح بأن ستالين يعتبره "من طراز تيتو". ولا شك أن محاولات ماو للتخفي سنوات 1951 و 1952 و1953 قد فشلت وأن ستالين كان يستعد لمواجهته بوصفه من طراز تيتو. لهذا السبب رحب ماو والحزب الشيوعي الصيني بهجومات خروتشوف ضد ستالين في المؤتمر العشرين.

تقول اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلشفي للاتحاد السوفيتي في هجومها على التحريفيين اليوغسلاف :" إن روح سياسة الصراع الطبقي لا يمكن ملاحظتها بعد في الحزب الشيوعي اليوغسلافي. تتطور العناصر الرأسمالية في المدن والأرياف ولا يتخذ قادة الحزب أية إجراءات لمراقبة العناصر الرأسمالية...إن إنكار تنامي قوة العناصر الرأسمالية من طرف هؤلاء الرفاق وتبعا لذلك، احتداد صراع الطبقات في الأرياف في ظل الظروف الحالية ليوغسلافيا، ناتج عن إدعاء إنتهازي يقول بأنه خلال المرحلة الانتقالية بين الرأسمالية والاشتراكية، لا تحتدّ التناقضات الطبقية كما تعلمنا الماركسية اللينينية، وإنما تخفت كما يدعي الانتهازيون من طراز بوخارين الذي كان يراهن على نظرية رجعية حول العناصر السلمية في نظام اشتراكي" ( رسالة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوغسلافي – 4 ماي 1948- ترجمتنا).

* لقد استغل ماوتسي تونغ مجازر الكيومنتانغ وتشان كاي تشيك ضد الحزب الشيوعي الصيني خاصة في المدن وإضعاف قواعده العمالية وكذلك انشغال ستالين والكومنترن بتحضير التصدي العالمي للفاشية والنازية وقام وجماعته باغتصاب السلطة في الحزب بطريقة غير شرعية وبالاعتماد على الجيش في جانفي 1935 في كونفرنس تسون_ يي. أطاح ماو بالقيادة البلشفية للحزب التي ركزها الكومنترن والشيوعيون الصينيين ضد الانحرافات الانتهازية اليمينية وشبه التروتسكية في 1931. إن السيطرة غير الشرعية والمسلحة على السلطة في الحزب من طرف ماو لم يعترف بها الكومنترن أبدا، كما لم يؤيد الكومنترن ولم تعلق الصحافة السوفياتية أبدا حتى وفاة ستالين على أي من انتقادات ماو لما يسميه "28 بولشفي".
يقول ماو بهذا الخصوص " لقد دام خط وانغ مينغ أطول فترة. لقد شكل كتلة في موسكو ونظم 28 بلشفي. وبالاعتماد على قوة الأممية الثالثة سيطروا على السلطة في الحزب واحتفظوا بها طيلة أربع سنوات كاملة" (حول مسألة ستالين – 10مارس 1958 في كتاب خطابات الرئيس ماو، طبعة ستيوارت شرام ص 101).

ويعترف ماو بتصفيته للخط البلشفي داخل الحزب الشيوعي الصيني بعبارات في غاية الوضوح : " وفي تاريخ الحزب الشيوعي الصيني ، من عام 1931 إلى عام 1934 ، كان أصحاب نزعة الجمود العقائدي ينكرون خصائص الصين ، وينسخون تجربة ما عن الثورة الروسية : مما أدى إلى حلول هزيمة خطيرة بالقوى الثورية في البلاد . وقد كانت هذه الهزيمة كبيرة لحزبنا . وفي المرحلة الواقعة بين الجلسة الموسعة التي عقدها المكتب السياسي للجنة المركزية في تسوني عام 1935 وبين المؤتمر الوطني السابع الذي انعقد في عام 1945 ، قضى حزبنا قضاء تاما على نهج الجمود العقائدي هذا الذي سبب ضررا كبيرا" (من جديد حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا- هيئة تحرير الجريدة الصينية جين مين جهباو- 29 ديسمبر 1956).

ويقول ماو مؤكدا ضمنيا عدم اعتراف الكومنترن بانقلابه والتزامها الصمت في تلك الفترة : " ومنذ المؤتمر العالمي السابع في عام 1935 ما عادت الأممية الشيوعية تتدخل في المشكلات الداخلية للحزب الشيوعي الصيني" (خطاب ماو تسي تونغ في 26 ايار 1943 أمام ملاكات الحزب الشيوعي الصيني لتفسير قرار حل الاممية الشيوعية).

* إن قراءة ماو لمسالة "صراع الخطوط " داخل الح الش الص المضمنة في وثيقة "قرار حول بعض المسائل المتعلقة بتاريخ الحزب" المصادق عليها في 20 أفريل 1945 من طرف اللجنة المركزية الموسعة قبيل المؤتمر السابع للحزب، لم تنشر أبدا قبل فيفري 1953 أي شهرا قبل اغتيال ستالين، في المجلد الثالث الذي تضمن لأول مرة أيضا تقرير ماو للمؤتمر السابع تحت عنوان "حول الحكومة الائتلافية " والكتابات التي جسدت الحملة التي قادها ماو لتصفية البلاشفة الصينيين تحت شعار "ضد الدغمائية" و"فلنصلح دراستنا" وهي بالضبط الشعارات التي رفعتها العصابة الخروتشوفية لسحق البلاشفة في الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي.
تركزت سيطرة ماوتسي تونغ على الحزب الشيوعي الصيني بصورة كبيرة في المؤتمر السابع حيث طرح لأول مرة مفهوم "فكر ماوتسي تونغ". لم يعترف الاتحاد السوفياتي بذلك أبدا قبل وفاة ستالين والصحافة السوفياتيية لم تعلق أدنى تعليق حول انعقاد هذا المؤتمر.
لم يدعم ستالين المؤتمر السابع لأنه يشكل انتصارا تحريفيا داخل الحزب الشيوعي الصيني لا يختلف في جوهره عن التيتوية وغيرها من أشكال التحريفية المعاصرة التي تفشت بعد الحرب العالمية الثانية. ويعترف ماو بذلك حيث يصرح في 1956 " لقد ارتكب ستالين عددا معينا من الأخطاء بحق الصين، فمغامرة وانغ مينغ "اليسارية" في أواخر مرحلة الحرب الأهلية الثورية الثانية وانتهازية وانغ مينغ اليمينية في أوائل حرب المقاومة ضد اليابان كلتاهما ترجعان إلى ستالين. خلال مرحلة حرب التحرير، لم يسمح لنا في البداية بالثورة معتقدا بأن الأمة الصينية ستتعرض لخطر الدمار إن قامت حرب أهلية. ولما قامت الحرب كان ينظر لنا بعين الشك. وعندما انتصرنا في الحرب كان يرتاب في أن انتصارنا انتصار من الطراز التيتوي وكانت ضغوطه علينا شديدة في عامي 1949 و1950." (حول العلاقات العشر الرئيسية: خطاب ماو في الاجتماع الموسع للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الش الص – 25 نيسان 1956).

* هذه "الضغوط الشديدة" من ستالين والتي تعرضنا الى بعضها أعلاه، أجبرت ماو على التخفي واستباق إمكانية فضحه وطرده من الحركة الشيوعية العالمية مثلما وقع الأمر مع تيتو والحزب الشيوعي اليوغسلافي، فقام بادخال تعديلات جوهرية على كتاباته بمناسبة اصدار المؤلفات المختارة سنة 1951 بحيث أضيفت اليها بصورة ممنهجة عبارات " بقيادة البرولتاريا" و"بقيادة الحزب الشيوعي " وأزيلت منها مقاطع بأكملها وعديد الجمل المتعلقة بالدور القيادي للفلاحين في الثورة وتمجيد البرجوازية الوطنية...الخ. (للاطلاع على تفاصيل هذا التزييف نحيل القارئ الى دراسة معمقة قامت بها منظمة الاتحاد البلشفي الكندية ونشرت في العدد 15 من مجلتها "خطوط التمايز" في 1980).
يقول ستيوارت شرام وهو أحد الأكاديميين البرجوازيين المختصين في ترجمة ونشر كتابات ماو " لقد خضعت النصوص المضمنة في الأعمال المختارة إلى تغييرات كثيرة وعميقة من طرف الكاتب بحيث لا يمكننا أن نؤكد، ولو بالنسبة لجملة بسيطة، مطابقتها لما كان ماو قد كتبه فعلا دون التثبت بالرجوع إلى النسخة الأصلية"
و من الصعب علينا نحن طبعا أن نفهم كيف انتقل ماو من تكتيك التخفي وتنقيح كتاباته لـ"تفادي" "الضغوط الشديدة" التي مارسها عليه ستالين إلى الهجوم المكشوف على ستالين والأممية الثالثة في فيفري 1953 لو لم يكن يعلم مسبقا أن ستالين سيكون بعد شهر في وضع لا يستطيع معه محاربته بوصفه تيتوي. خاصة وأن ذلك الهجوم المباشر على ستالين والكومنترن حصل في توقيت مرتبط بتواجد بولغانين على رأس وفد سوفياتي في سفارة الصين في فيفري 1953 . وهذا الرجل نفسه، بولغانين، سنجده ضمن وفد سيذهب الى الصين يضم أيضا خروتشوف ومكويان في 1954. وقد أسست هذه الزيارة للتحالف الأولي بين ماو والتحريفيين السوفيات. هذا التحالف الذي كسب منه خروتشوف دعم ماو في الهجوم على ستالين وتصفية القيادة البلشفية في الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي مقابل الدعم المادي والعلمي للصين وبالخصوص الوعد بتقديم المساعدة النووية. كل ذلك يدفعنا إلى التساؤل حول مدى انضمام ماوتسي تونغ بصفة نشيطة إلى مؤامرة اغتيال ستالين وتصفية القيادة البلشفية في الاتحاد السوفياتي؟.
مهما يكن من أمر فالأكيد أنه قدم التبرير السياسي لاغتيال ستالين. يقول الحزب الشيوعي الصيني : " إن بعض أخطاء ستالين قد تحولت في آخر مرحلة من حياته إلى أخطاء خطيرة طويلة الأمد وعلى صعيد الدولة ، ولم يكن من الممكن إصلاحها في الوقت اللازم لأنه كان قد انقطع عن الجماهير والجماعة إلى حد ما وبقدر ما ، وكان قد انتهك مبادئ المركزية الديمقراطية في الحزب والدولة ." (من جديد حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا هيئة تحرير الجريدة الصينية جين مين جهباو-)

* انتشرت التحريفية المعاصرة بعد الحرب العالمية الثانية في الاتحاد السوفيتي أيضا وداخل الحزب البلشفي. كان ستالين يعي تماما أن الانشغال بالحرب الوطنية الكبرى ضد النازية والخسائر الكبرى في كوادر الحزب البلشفي ثم المجهودات الجبارة التي بذلت لإعادة البناء في زمن قياسي ونشوة الانتصارات المتلاحقة والنشاطات والمناورات الدبلوماسية مع الدول الامبريالية وتطور العلاقات معها، كلها عوامل أضعفت جاهزية الحزب الايديولوجية والسياسية للتصدي للانحرافات اليمينية وخلقت مناخا عاما من التراخي وضعف اليقظة إزاء أعمال التخريب والمؤامرات الامبريالية.

نشر الرفيق ستالين "القضايا الاقتصادية للاشتراكية" في أكتوبر 1952 قبيل المؤتمر التاسع عشر للحزب البلشفي وكان الأساس لبدء حملة واسعة من طرف ستالين والبلاشفة ضد التحريفية المعاصرة التي برزت على نطاق واسع في الحزب وفي الحركة الشيوعية العالمية. فقد كان ماو وتيتو وغيرهم في المعسكر الاشتراكي يريدون نفي القوانين الاقتصادية الموضوعية للاشتراكية وكانت لهم وجهة نظر مناقضة تماما لوجهة نظر البلاشفة، وجهة نظر قومية "للاشتراكية" تجعل من قانون القيمة قانونا مطلقا في "اشتراكيتهم".

في هذا المؤلف تصدى ستالين أيضا، قبل أشهر من وفاته، بوضوح لتفشي الأوهام التحريفية حول التعايش السلمي مع الامبريالية وإمكانية انتفاء الحروب في عصر الامبريالية. يقول : "للقضاء على الطابع الحتمي للحروب يجب تحطيم الامبريالية". وبيّن ستالين كيف أن "النتيجة الاقتصادية الأكثر أهمية بعد الحرب العالمية الثانية وتبعاتها على الاقتصاد كانت تفكك السوق العالمية الموحدة والشاملة. هذا تسبب لاحقا في تعمق الأزمة العامة للنظام الرأسمالي". هذا التفكك يزيد من المنافسة بين الامبرياليين بفعل تقلص السوق الرأسمالية العالمية مما يجعل الحروب فيما بينهم حتمية. هذا التفكك يزيد أيضا من عدوانيتهم تجاه بلدان المعسكر الاشتراكي ويضاعف بشكل كبير من محاولاتهم لإعادة الرأسمالية. كان ستالين يستشهد دوما بهذا المقطع للينين "لا يمكن تصور أن الجمهورية السوفياتية بإمكانها مواصلة التعايش لمدة طويلة جنبا إلى جنب مع الدول الامبريالية. إما هذا أو ذاك سينتصر في النهاية. وإلى ذلك الحين من الحتمي أن نشهد صدامات رهيبة بين الجمهورية السوفياتية والدول البرجوازية" ( ورد في مقال ستالين "حول الانتصار النهائي للاشتراكية في الاتحاد السوفياتي" 1938)

* وفي خطاب ألقاه في الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب البولشفي في ١٦ تشرين الاول سنة ١٩٥٢ نشرته لأول مرة جريدة غلاسنوست الروسية بمناسبة الذكرى المائة والعشرين لميلاده وترجمه إلى العربية حسقيل قوجمان عن مجلة Northstar Compass عدد نيسان ٢٠٠٠، طرح ستالين مسائل جوهرية تهم تطوير دور الحزب وكفاءة القادة في النضال ضد الانتهازية. كان ستالين في هذا الخطاب ذي الأهمية التاريخية مدركا تماما للمخاطر التي تتهدد الحزب البلشفي والدولة السوفيتية وقد عبر صراحة عن تفشي الانتهازية وغياب الوحدة داخل الحزب. يقول ستالين في هذا الخطاب بمرارة واضحة :" لقد عقدنا مؤتمر حزبنا. ومر ذلك بصورة جيدة جدا، وقد يعتقد الكثيرون منكم بان الانسجام التام والوحدة تسود بيننا. ولكننا لا نمتلك هذا الانسجام وهذه الوحدة في الفكر. فبعضكم حتى يعارضون ولا يحبون قراراتنا." (المرجع المذكور)

واضعا بكل وضوح الهدف الأسمى المتمثل في بناء الشيوعية، طرح ستالين في هذا الخطاب مسألة تشبيب قيادة الحزب وضرورة تربية كوادر أكثر كفاءة " يستطيعوا تمييز كافة أنواع الميول الانتهازية والنضال ضدها": يقول الرفيق ستالين : " يجب أن نفكر في أيدي من سنسلم مشعل مشروعنا العظيم، من سيحمله إلى الأمام ليبلغ هدف الشيوعية؟ نحتاج لهذا إلى شخصيات شابة تتحلى بالمزيد من الطاقة، إلى رفاق وقادة سياسيين يكرسون أنفسهم لذلك. وما معنى أن نربي قائدا مكرسا حياته ومخلصا للدولة؟ نحتاج إلى عشرة أعوام أو خمسة عشر عاما لكي نتمكن من إنشاء قائد للدولة قادر على حمل هذا المشعل.
ولكن مجرد الرغبة في حدوث ذلك لا يكفي. لكي نربي كوادر جديدة كهذه نحتاج إلى الوقت والى مساهمتهم في عملية الحكم اليومية للدولة، أن يتعلموا في الأمور التطبيقية التي تشمل كامل سلسلة جهاز وخطط الدولة وجهازها الفكري لكي يواصلوا رفع بناء المجتمع الاشتراكي إلى مستويات أعلى وان على الرفاق أن يستطيعوا تمييز كافة أنواع الميول الانتهازية والنضال ضدها. على الرفيق أن يكون عاملا لينينيا، يعلمه حزبنا تاريخه وتكتيكه وخططه ومستقبل الاتحاد السوفييتي كما تصورها لينين." (المرجع المذكور)

ويهاجم ستالين بعض الانحرافات الخطيرة التي تمس نظام دكتاتورية البرولتاريا وتدفع نحو تفسخه إلى نظام الديمقراطية البرجوازية، هذه الانحرافات طالت حتى قادة كبارا مثل مولوتوف. يقول ستالين : " الرفيق مولوتوف هو أكثر الرفاق تكريسا لقضيتنا. انه مستعد أن يقدم حياته لقضية الحزب. ولكننا لا يمكن أن نتغاضى عن ضعفه في بعض جوانب عمله. إن الرفيق مولوتوف باعتباره وزيرنا للشؤون الخارجية، واجدا نفسه في خضم استقبال ديبلوماسي "زلق"، قدم ضمانا إلى دبلوماسي بريطاني بان الرأسماليين يمكنهم آن يبدؤوا نشر صحف برجوازية في بلادنا. لماذا؟ هل كان هذا هو المكان لإعطاء مثل هذا الضمان بدون علم اللجنة المركزية للحزب؟ أليس من الواضح الجلي إن البرجوازية هي عدونا الطبقي وان ترويج الصحف البرجوازية بين أشخاص حزبنا إضافة إلى تسبيب الأضرار لن يقدم لنا اية فوائد؟ لو سمح لهذا أن يحدث لكان بإمكاننا أن نتوقع ظروفا حيث تبدأ الهجومات ضد الاشتراكية وضد الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، برقة في البداية ثم بشكل مفضوح. هذا هو الخطأ السياسي الأول للرفيق مولوتوف." (المرجع المذكور)

و شملت الانحرافات التي فضحها ستالين في هذا الخطاب مسألة السياسة البلشفية تجاه القوميات في اطار اتحاد الجمهوريات السوفياتية. يقول ستالين منتقدا مولوتوف: " وماذا عن اقتراح مولوتوف الخاطئ بإعطاء القرم لليهود السوفييت؟ انه خطأ فاضح للرفيق مولوتوف. لماذا جاء مثل هذا الاقتراح أساسا؟ على أي أساس قدم الرفيق مولوتوف هذا الاقتراح؟ لدينا جمهورية يهودية ذات استقلال ذاتي. فأية حاجة أخرى نحتاج إليها؟ توجد أقليات قومية عديدة أخرى لها الآن مناطقها المستقلة ذاتيا وكذلك جمهوريات مستقلة ذاتيا. أليس هذا كافيا الآن؟ أو هل هذا يعني عدم الثقة بالدستور السوفييتي للاتحاد السوفييتي وسياسته حول القوميات؟"(المرجع المذكور)

كما تعرض ستالين في هذا الخطاب الهام إلى انحرافات ميكويان في مجال السياسة ازاء الفلاحين وكيف "انه قطعيا ضد أي ضريبة تفرض على الفلاحين ولذلك فهو يناضل ضدها" ويعتبره "تائها" يحاول جر اللجنة المركزية معه في ضياعه. (المرجع المذكور).

2- اغتيال ستالين (1)

* بعد فشل الامبرياليون في تحطيم الاشتراكية عن طريق الحرب العالمية الثانية بل وخسارتهم لجزء كبير من السوق العالمية الذي انضم إلى المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، أصبحوا يخشون خوض حرب أخرى مع هذا الأخير لأنه كما قال ستالين في "القضايا الاقتصادية للاشتراكية" : "إن الحرب ضد الاتحاد السوفيتي بلد الاشتراكية أكثر خطورة على الرأسمالية من الحرب فيما بين البلدان الرأسمالية لأنه إذا كانت الحرب بين البلدان الرأسمالية تطرح مسألة سيطرة بعض البلدان الرأسمالية على البعض الآخر، فإن الحرب ضد الاتحاد السوفيتي يجب أن تطرح بالضرورة مسألة بقاء الرأسمالية نفسها". دفع ذلك الامبرياليين وخاصة الانجليز (وعلى رأسهم تشرشل الذي قاد حملة تحريض عالمية ضد الاتحاد السوفيتي حتى بعد تنحيته عن رئاسة الوزراء) والأمريكان ( بقيادة ترومان الذي خلف روزفلت) إلى تنظيم وتمويل حملة واسعة للتخريب والتجسس للقضاء على الاشتراكية بالاعتماد على وكلاء داخليين من بعض العناصر المتفسخة والعناصر الواقعة تحت تأثير الدعاية البرجوازية.

* في 13 جانفي 1953 أعلنت صحيفة البرافدا عن كشف "مجموعة ارهابية من الأطباء الذين كانوا يهدفون إلى قتل شخصيات عامة نشيطة في الاتحاد السوفيتي عن طريق إفساد العلاج الطبي" وذكرت الصحيفة أن هؤلاء الأطباء القتلة قد اعترفوا بقتلهم جدانوف وشرباتوف وبأنهم "حاولوا جاهدين تخريب صحة موظفي القيادة العسكرية السوفيتية وتصفيتهم قصد إضعاف دفاعات البلد". وأعلن لاحقا أن هؤلاء القتلة وقع توظيفهم بالأجر من قبل المخابرات البريطانية ومنظمة صهيونية تشتغل كواجهة للمخابرات الأمريكية.

وتفضح البرافدا في افتتاحيتها في نفس العدد هذه المؤامرة بوصفها تندرج ضمن حملة امبريالية عالمية تهدف إلى القضاء على الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي من الداخل. تقول البرافدا "في حمى تحضيرهم لحرب عالمية جديدة يرسلون بصفة متزايدة الجواسيس إلى الاتحاد السوفيتي وإلى الديمقراطيات الشعبية محاولين خلق طابور خامس مخرب في الاتحاد السوفيتي. يكفي أن نتذكر تخصيص الحكومة الأمريكية بصورة علنية فاضحة لـ100.000.000 دولار للإرهاب وأعمال التخريب والتدمير في بلدان المعسكر الاشتراكي هذا فضلا عن مئات الملايين من الدولارات التي تصرف سريا لنفس الهدف".(البرافدا 13 جانفي 1953).

* وتذكر البرافدا بالموقف الستاليني قائلة " لقد حذرنا الرفيق ستالين مرارا من أن نجاحاتنا لها جانبها السلبي لأنها تؤدي لدي العديد من قادتنا الرسميين إلى حالة من التراخي والرضا عن النفس. (...) ان العلاقات الاشتراكية راسخة دون انقسام أو تذبذب والاتحاد السوفيتي حقق نصرا تاريخيا في الحرب الوطنية العظمى. النتائج المدمرة للحرب وقع تحويلها إلى ضدها في ظرف زمني قياسي ولنا انجازات في جميع قطاعات النشاط الاقتصادي والثقافي. بعض الأشخاص يستنتجون من هذه الوقائع أن خطر التخريب قد ولّى وأن أسياد العالم الرأسمالي يمكنهم العدول عن محاولاتهم توجيه نشاطهم التدميري ضد الاتحاد السوفيتي.
ولكن وحدهم الانتهازيون اليمينيون، أولئك الذين يتبنون موقفا معاديا للماركسية مفاده أن الحرب "ستتلاشى"، يمكنهم التفكير والتحليل بهذه الطريقة. إنهم لا يدركون أو لا يريدون أن يدركوا أن نجاحاتنا تؤدي لا إلى تخفيف حدة الصراع بل إلى احتداده وأن بقدر ما يكون تقدمنا مظفرا بقدر ما ستكون مقاومة أعداء الشعب اليائسين المفلسين أكثر حدة. هذا ما علمنا إياه الخالد لينين، هذا ما علمنا إياه الرفيق ستالين."
- خلال تلك الفترة بعد كشف مؤامرة الأطباء وحتى وفاة ستالين، وقع شن حملة متصاعدة ضد "الانتهازيين اليمينيين" الذين يعملون على إضعاف يقظة الشعب السوفياتي والانتقاص من خطورة أعمال الجوسسة والتخريب التي تنظمها الدوائر الامبريالية. ومما لا شك فيه أن تلك الحملة كانت ستتوج بحملة تطهير كبرى ضد التحريفيين داخل الحزب البلشفي (كانت عبارات البرافدا المشار إليها واضحة جدا) ولكن كل ذلك توقف بـ"موت" ستالين.

* مباشرة بعد وفاة ستالين في 28 مارس 1953 يصرح مجلس رئاسة السوفيات الأعلى بأن "احترام القانون والنظام الاشتراكي قد تعاظم وبأن عدد الجرائم قد نقص في بلادنا". وعلى أساس ذلك وقع إطلاق سراح جميع المخربين والجواسيس والعناصر المتفسخة والتحريفيين الذين كشفتهم دكتاتورية البرولتاريا وشلت حركتهم.

وفي 3 أفريل 1953 أعلن التحريفيون أن القضية ضد الأطباء القتلة كانت مفبركة ووقعت بالتالي إعادة الاعتبار لهم. ويضيف التحريفيون أن "الأشخاص المتهمين بإدارة التحقيق بطريقة غير صحيحة وقع إلقاء القبض عليهم ووجهت لهم المسؤولية الجنائية" (البرافدا 3 أفريل 1953 ).

ولتبرير إنكارهم لمؤامرة الأطباء يقول التحريفيون : "لقد وقعت تصفية الطبقات المستغلة (بكسر الغين) في الاتحاد السوفيتي وبالتالي لا يمكن للقوى الرجعية الخارجية أن يكون لها سندا اجتماعيا هاما داخل الاتحاد السوفيتي للقيام بمحاولاتهم التخريبية ضد الدولة السوفيتية" (البرافدا 3 أفريل 1953 ). ومن الواضح أن ذلك يشكل خيانة كاملة للنضال من أجل الدفاع عن الاشتراكية واستسلاما للامبريالية. كما أن ذلك لا يعتبر تصفية للستالينية فحسب بل تصفية لشخص ستالين نفسه، فقد سبق أن وقع الإعلان، في حياة ستالين، أن هذا الأخير هو الذي أطلق التحقيق في مؤامرة الأطباء القتلة على إثر تلقيه رسالة من طبيب كان على علم بها. لنستمع إلى هذا التصريح : "تحرص الحكومة السوفيتية على الدفاع عن حقوق مواطني بلدنا وتدافع بعناية عن تلك الحقوق وتعاقب دون رحمة ودون مراعاة للأشخاص أو المناصب أولئك الذين يسمحون بأعمال تعسفية...لا يسمح لأحد بخرق القانون السوفيتي" (البرافدا 3 أفريل 1953).

* يعترف خروتشوف لاحقا في "خطابه السري" في المؤتمر العشرين بهذه الجريمة ويقر بأن تصفية ستالين كانت ضرورية من أجل إلغاء التحقيق حول مؤامرة الأطباء. يقول : "كان يعطي الأوامر بالقبض على مجموعة من خيرة المختصين الطبيين السوفيات. كان يعطي بنفسه التوجيهات حول إدارة التحقيق وطريقة التحقيق مع الأشخاص الموقوفين" (التقرير السري لخروتشوف – ورد في "الحملة المعادية لستالين والشيوعية العالمية " صحافة جامعة كولومبيا، 1956 ص 2). ويضيف أن "ستالين كان يوزع التعليمات ضد الأطباء في المكتب السياسي ويقول "أنتم عميان مثل القطط الرضيعة، ماذا كان سيحدث بدوني؟ سيهلك البلد لأنكم عاجزون عن التعرف على الأعداء" (نفس المصدر). ويقول لنا خروتشوف بعد ذلك أنه "لما قمنا بفحص هذه القضية بعد موت ستالين اكتشفنا أنها مفبركة من البداية إلى النهاية. لقد وقعت حياكة "القصة" الخسيسة من طرف ستالين نفسه لكنه لم يتمكن من الوقت اللازم للوصول بها الى خاتمتها" (نفس المصدر ص ص 64-65). طبعا فقد وقع اغتياله من طرف خروتشوف وحثالة التحريفيين الذين معه قبل أن يكشف كافة خيوط المؤامرة ويطهر الحزب من الخونة والمرتدين.

ولم يخجل خروتشوف من التصريح أمام المؤتمر العشرين بأن "حياة ستالين أصبحت عقبة جدية في طريق التطور السوفيتي". ويقدم التبرير لعملية اغتيال ستالين : " في الاجتماع الموسع للجنة المركزية بعد المؤتمر التاسع عشر هاجم ستالين مولوتوف وميكويان... لو كان ستالين قد بقي أو ما زال يحكم لبضعة أشهر أخرى، لكان من المحتمل أن لا يلقيا خطابهما في هذا المؤتمر. كان لستالين بدون شك خططا للقضاء على الأعضاء القدامى للمكتب السياسي" (نفس المصدر ص 84).

ونحن نريد الآن أن نقول بكل وضوح لأولئك الذين ساندوا المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي بأنهم ساندوا اغتيال ستالين و ساندوا تصفية البلشفية والماركسية اللينينية.

3- بدء الهجوم على البلشفية مباشرة بعد اغتيال ستالين

* لقد بدأ الهجوم على البلشفية مباشرة بعد اغتيال ستالين. فبعد بضعة أيام من جنازة ستالين صدرت الموسوعة السوفيتية وقد حذفت بشكل لا يخفى على أحد كل إشارة إلى الستالينية. وفي جويلية 1953 أصدر الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي بيان خيانة صريح نشر بصورة واسعة في الصحافة السوفيتية والبرجوازية لم تكن أبعاده لتخفى على الحزب الشيوعي الصيني وحزب العمل الألباني، وذلك بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس الحزب جاء فيه "من الضروري القضاء على التركيز الخاطئ على دور الفرد المنافي للماركسية والذي برز في تفشي النظرية المثالية لعبادة الفرد التي هي غريبة عن الماركسية اللينينية. إن عبادة الفرد تناقض مبدأ القيادة الجماعية وتنقص من دور الحزب ومركزه القائد، تنقص من النشاط الخلاق لجماهير الحزب والشعب السوفيتي ولا علاقة لها بالفهم الماركسي اللينيني لأهمية النشاط القيادي للهياكل القيادية والشخصيات القيادية" ( "الذكرى الخمسين لميلاد الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي (1903-1953)" هيأة الدعاية والتحريض للجنة المركزية للحزب الش للا الس ومعهد ماركس-انجلز-لينين-ستالين، ترجمتنا)
وهاجم التحريفيون في هذا البيان الستالينية ملصقين بها نعت الدغمائية، " انه من الضروري اليوم أكثر من أي وقت مضى القضاء على الفهم التلمودي الدغمائي للنظرية الماركسية اللينينية. اعتمادا على المقولة القائلة بأن النظرية الماركسية اللينينية ليست عقيدة بل مرشد للعمل، يطلب الحزب من جميع أعضائه فهم الطابع الخلاق للماركسية اللينينية..." (نفس المصدر – ترجمتنا).

ولا يحتاج الأمر إلى عميق بحث للتعرف على النوايا الحقيقية للتحريفيين من وراء الهجوم على "عبادة الفرد" و"الفهم التلمودي" للماركسية اللينينية في هذا البيان. ولم تكن تلك النوايا لتخفى بكل تأكيد عن "زعيمين" مثل ماوتسي تونغ وأنور خوجة. يواصل البيان كاشفا تلك النوايا الخائنة " في دائرة السياسة الخارجية، سيواصل الحزب في المستقبل أيضا وبصفة دائمة سياسة المحافظة على السلم وتدعيمه، وسياسة التعاون مع جميع البلدان وتطوير علاقات عمل معها على قاعدة مبادئ احترام المصالح المشتركة."
يشكل هذا التصريح تخليا سافرا على السياسات الستالينية التي صاغها ستالين في "القضايا الاقتصادية للاشتراكية في الاتحاد السوفيتي" حيث يقول " للقضاء على الطابع الحتمي للحروب يجب القضاء على الامبريالية" وتعويضها بسياسة التعاون و"تطوير علاقات عمل" للمحافظة على السلم.

وفي نفس هذا البيان يصوغ التحريفيون نظريتهم المعادية للينينية حول التعايش السلمي :" في كل سياسته الخارجية، يسترشد حزبنا بوجهة النظر اللينينية حول إمكانية تعايش طويل وتنافس سلمي بين النظامين". لنرى كيف يحرف هؤلاء الخونة اللينينية، لنستمع إلى هذه الأقوال للينين التي كثيرا ما استشهد بها ستالين " من غير المنطقي أن تتمكن الجمهورية السوفيتية من مواصلة التعايش جنبا إلى جنب مع الدول الامبريالية. لا بد لأحدهما من الانتصار على الآخر. والى ذلك الحين، من الحتمي أن نشهد صدامات رهيبة بين الجمهورية السوفيتية والدول البرجوازية" ( استشهد بها ستالين في "حول النصر النهائي للاشتراكية في الاتحاد السوفيتي" فيفري 1938 - الأعمال الكاملة، مجلد 14 ص 420 – ترجمتنا).

وفي ديسمبر 1953 وفي مقال يتعرض للمؤلفات المختارة لماو تسي تونغ يصرح التحريفيون السوفيات " مطورا اللينينية بطريقة خلاقة، بين ماو تسي تونغ في مؤلفاته "الثورة الصينية والحزب الشيوعي الصيني" و" حول الديمقراطية الجديدة"، أن انتصار الثورة الديمقراطية البرجوازية في الصين تحت قيادة البرولتاريا يؤدي حتما الى تركيز نظام ديمقراطي شعبي مع دكتاتورية "تحالف جميع القوى المعادية للامبريالية والمعادية للاقطاعية بقيادة البرولتاريا" (أ. مارتينوف – كرازنايا زفسدا – ديسمبر 1953)

وهكذا ومنذ 1953، مباشرة بعد اغتيال ستالين شرع التحريفيون في تصفية الخط النظري والسياسي البلشفي الستاليني وإعلان أطروحاتهم التحريفية حول "عبادة الشخصية" و "امكانية تجنب الحروب في ظل الامبريالية" و"الانتقال السلمي" و"التعايش السلمي " و"التنافس السلمي" بين المعسكرين. لم ينتظروا حتى المؤتمر العشرين كما حاول "أبطال النضال ضد التحريفية المعاصرة" ماو وأنور خوجة إيهام الطبقة العاملة والشعوب بذلك.

4- حول النضال المزعوم لماوتسي تونغ والحزب الشيوعي الصيني ضد التحريفية المعاصرة

* عرف ماو تسي تونغ على أنه مدافع عن ستالين ضد هجومات خروتشوف وعلى أنه متبني لسياسات ستالين ضد سياسات التحريفيين السوفيات الذين أعادو الرأسمالية إلى الإتحاد السوفيتي. هذه الصورة وقع تشييدها وترويجها من طرف الحزب الشيوعي الصيني الذي أظهر ماو على أنه مواصل لعمل ماركس، انجلز، لينين وستالين بل ومطورا أعمالهم "إلى مرحلة جديدة" في "حقبة جديدة" هي حقبة ما يسمى "فكر ماو تسي تونغ" وأن ستالين كان يدعم ماو تسي تونغ..

هذه الأسطورة يكذبها التاريخ الحقيقي للحزب الشيوعي الصيني والثورة الصينية. في الواقع لقد خاض ستالين نضالا عنيدا من أجل بلشفة الحزب الشيوعي الصيني ضد ماو وخطه السياسي، هذا النضال بدأ منذ المراحل الأولى للثورة الصينية ولم ينتهي إلا بعد وفاة ستالين (سنتناول هذا الموضوع في دراسة خاصة سننشرها لاحقا)..
انه ماو نفسه الذي يعتبر أن كل تطور الثورة الصينية كان مناقضا لخط ستالين والكومنترن. يقول الحزب الشيوعي الصيني : "منذ فترة بعيدة، قد مر الشيوعيون الصينيون في تجربتهم الشخصية الخاصة من بعض أخطاء ستالين. اُرْتُكبت أخطاء خطوط داخل الح.ش.ص.، فقد كانت إما انتهازية "يسارية" أو يمينية. في ما يتعلق بأسبابها العالمية، اُرْتُكب البعض منها تحت تأثير بعض أخطاء ستالين. منذ نهاية العشرينات، ثم خلال الثلاثينات، و أخيرا في بداية و أواسط الأربعينات، عمل الماركسيون اللينينيون، و الرفاق ماوتسي تونغ و ليو شاوشي كممثيلهم، على محاصرة تأثير بعض أخطاء ستالين، ثم، بعد القضاء بالتدريج على الخطوط الخاطئة لكل من الانتهازية "اليسارية" و اليمينية، قادوا في النهاية الثورة الصينية إلى النصر." (حول مسالة ستالين)

ولم تنشأ تحريفية ماو ومعاداته للخط الشيوعي البلشفي في أواخر حياته كما يروج لذلك البعض، ولم تنشأ أيضا بعد وفاة الرفيق ستالين. لقد ظهرت تحريفية ماو وتطورت منذ بداية نشاطه السياسي وكان هدفه الثابت يتمثل أولا في ازاحة وتصفية الخط اللينيني-الستاليني حول الثورة الصينية ، ثم بعد ذلك في ازاحة وتصفية هذا الخط على المستوى العالمي واحلال محله "فكر ماو تسي تونغ".(سنتناول هذا الموضوع في دراسة خاصة سننشرها لاحقا).

إن المطروح اليوم على جميع العناصر الشيوعية الثورية القيام باختيار بين الماركسية اللينينية كما مارسها وطورها ستالين وطبقتها الأممية الثالثة وبين "فكر ماو تسي تونغ". من جهته، ماو قام بالاختيار عندما أعلن صراحة أن ستالين والكومنترن، وبالتالي ماركس وانجلز ولينين، كانا مخطئين، وأن طريق الثورة العالمية يعتمد على تبني "فكر ماو تسي تونغ".

* لقد وقع اعتبار وصول الحزب الشيوعي الصيني الى السلطة في الصين كنتيجة حصرية لأعمال هذا الحزب تحت قيادة "فكر ماو تسي تونغ". مع تقديرنا العميق لدور ملايين العمال والفلاحين الصينيين الذين ضحوا بحياتهم من أجل انتصار الثورة على الامبريالية، نؤكد أن وصول الحزب الشيوعي الصيني إلى السلطة كان وإلى حدّ كبير نتيجة انتصار الجبهة الثورية العالمية بقيادة الاتحاد السوفياتي ضد الفاشية، جبهة كان الحزب الش الص جزءا منها، جبهة انتصرت على الفاشية وهيأت الظروف للثورة الصينية. كان ذلك نتيجة تنامي قوة المعسكر الاشتراكي بقيادة ستالين وإضعاف المعسكر الامبريالي بفعل الضربات القاتلة التي تلقتها الامبريالية العالمية بالقضاء على رأس حربتها الفاشية واقتطاع جزء كبير من العالم الرأسمالي الامبريالي والتحاقه بالمعسكر الاشتراكي والثورة العالمية.

بالإضافة إلى ذلك كان للعون المباشر الذي قدمه الاتحاد السوفيتي بقيادة ستالين دورا حاسما في انتصار الثورة الصينية. ففي أوت 1945، اجتاح الجيش الأحمر منشوريا لطرد الامبرياليين اليابانيين، هذه المقاطعة هي الأكثر تصنيعا في الصين وذات أهمية استراتيجية بالغة. لما انسحب الاتحاد السوفيتي منها بعد استسلام اليابان، حرص على أن تؤول المقاطعة إلى سيطرة الحزب الش الص ومنع الكيومنتانغ من السيطرة عليها، وأمن بذلك حصول جيش التحرير الشعبي على مخزون هائل من الذخائر اليابانية. وفي منشوريا وقع تركيز حكومة مؤقتة دعمها الاتحاد السوفيتي عسكريا واقتصاديا، وقد منع الاتحاد السوفياتي قوات الكيومنتانغ من استخدام دايرن وبور آرثر للهجوم على القوات الثورية. وانطلاقا من هذه القاعدة في منشوريا أجرى جيش التحرير الشعبي استعداداته لشن هجماته على قوات الكيومنتانغ في 1948 و1949 وتحقيق النصر.

* بعد موت ستالين مباشرة سارع التحريفيون السوفيات الى الحصول على دعم قيادة الح الش الص. ففي أكتوبر 1954 توجه بولغانين ومكويان وخروتشوف نفسه الى بكين وحصلوا على دعم القيادة الصينية مقابل صفقة تشمل بالخصوص انسحاب الاتحاد السوفياتي من بورت آرثر والتخلي عن أربع شركات مختلطة صينية-سوفياتية في مجالات التعدين والبترول والطيران وبناء السفن لصالح الصين، وتقديم قروض اضافية للصين بقيمة 130 مليون دولار وبناء سكة حديدية في الصين. ولم يتأخر الدعم الصيني للتحريفيين السوفيات من خلال مساندتهم للتقارب مع تيتو في 1955 ومساندتهم لهجمات خروتشوف على ستالين و للأطروحات التحريفية في المؤتمر العشرين.

ولكسب دعم الحزب الش الص لتصفية بقية القيادة البلشفية ومولوتوف وما يسمى بــ"المجموعة المعادية للحزب" وعد خروتشوف بتمكين الصين من السلاح النووي. وبالفعل وقع إبرام اتفاقية لتمكين الصين من السلاح النووي وإعطائها المخططات الضرورية لصنعها وذلك سنة 1957 بعد أربعة أشهر من طرد مولوتوف. وبعد شهر من الاتفاقية يأتي ماو إلى الاتحاد السوفياتي في زيارة عرفان بالجميل ويعلن تصريحه الشهير "ينبغي أن يكون للمعسكر الاشتراكي رأس وهذا الرأس هو الاتحاد السوفياتي...ينبغي أن يكون للأحزاب الشيوعية والعمالية لجميع البلدان رأس وهذا الرأس هو الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي"

* ان الخلافات بين القيادة الصينية والتحريفيين السوفيات لم تكن تناقضا بين الماركسية اللينينية والتحريفية بل تناقضا برجوازيا قوميا بين قوة عظمى وبين من يريد أن يصبح قوة عظمى. لقد كانت سياسات خروتشوف، خاصة انطلاقا من 1959 ، المعادية لطموحات الصين في أن تصبح قوة عظمى هي التي أجبرت الصين على التغلف بالاشتراكية و الستالينية و"محاربة" التحريفية. ففي جوان 1959 ألغى خروتشوف الاتفاقية النووية مع الصين، وفي سبتمبر من نفس السنة التقى ايزنهاور واتفق معه على الحد من "طموحات الصين". وتبعا لذلك طلب خروتشوف من القيادة الصينية الاعتراف بوجود "صينيتين" والقبول بسيطرة الولايات المتحدة على تايوان، كما رفض دعم مطالب الصين حول جزر كوموي وماتسو. وكان له خاصة موقف معارض للصين في خلافاتها الحدودية مع الهند. وكرد فعل على ذلك رفع ماو والحزب الشيوعي الصيني من "سقف" النضال ضد التحريفية السوفيتية دون أن يقطعا مع خروتشوف أو يواجهانه بوصفه عدوا للشيوعية.

ولم ينخرط الحزب الشيوعي الصيني فعليا في "النضال" المزعوم ضد الخروتشوفية الا في سنة 1963 لما أقام الاتحاد السوفيتي علاقات وثيقة مع كينيدي والامبريالية الأمريكية ولما يئس من مساعدة السوفيات في الحصول على الأسلحة النووية بعد أن أمضى هؤلاء اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية. وحتى بعد الاطاحة بخروتشوف سارع قادة الحزب الشيوعي الصيني إلى زيارة الاتحاد السوفيتي لتقديم التهاني وطلب العون النووي و اقترح شو-آن- لاي على بريجنيف تحقيق الوحدة من جديد. لكن بريجنيف رفض طموحاتهم القومية، فما كان من ماو والحزب الشيوعي الصيني إلا أن "يفتحوا النار" على التحريفية المعاصرة ويأخذون على عاتقهم الدفاع عن "النقاط الايجابية" لدى ستالين بعد أكثر من عشرة سنوات على اغتياله.

* كانت البرجوازية تعرف بغريزتها الطبقية وكذلك خدمها المفضوحين أمثال تيتو أن الهجوم على ستالين هو هجوم على الماركسية اللينينية وتقويض لدكتاتورية البرولتاريا، فاستغلوا المؤتمر العشرين وما تلاه لشن هجوم شامل على الماركسية اللينينية وعلى دكتاتورية البرولتاريا، لكن الوسطيين من أمثال ماو كان ما يزال بحاجة لغطاء الماركسية اللينينية ليحافظ على مساندة والتفاف الجماهير في الصين والعالم ليقوي مركزه كقومي صيني ضد الأطماع الامبريالية في الشرق و الغرب، فالصين مازالت بلدا متخلفا وفي خطواته الأولى نحو التصنيع.

و يقر ماو والحزب الش الص بشعبية ستالين في العالم وفي الاتحاد السوفيتي وأن التحريفيين يخشون ردة فعل البرولتاريا لذلك ابقوا التقرير سريا بتواطئ من ماو وأنور خوجة لأن هذين الأخيرين كانتهازيين وسطيين ( مثل معارضة كاوتسكي الانتهازية الوسطية لبرنشتاين) ما زالا بحاجة لغطاء الماركسية اللينينية من أجل المحافظة على دعم الطبقة العاملة والجماهير الكادحة في صراعهم مع غطرسة الامبريالية الغربية التي لا تزال تهدد "الديمقراطية الجديدة" الماوية و"الديمقراطية الشعبية" الخوجية. لذلك هم يعارضون "رفض ستالين بشكل كامل"، و"يعارضون القضاء عليه بضربة واحدة" حتى "لا تنفر الجماهير" منهم. يقول ماو والحزب الش الص : "لا تقبل الأغلبية الساحقة للسوفيتيين على أن نشتم ستالين بهذه الطريقة. فهم يظهرون دائما متشبثين بذاكرته. لقد انفصل قادة الح.ش.ا.س. عن الجماهير بشكل خطير. إذا كانوا يحسون بأنهم ملاحقين و مهددين بشبح ستالين في أي لحظة، فذلك لأنهم في الحقيقة يصطدمون بالسخط العميق للجماهير الشعبية الواسعة تجاه الرفض الكامل لستالين. لازال خروشوف لا يجرأ على إحاطة الشعب السوفياتي و شعوب المعسكر الاشتراكي علما بالتقرير السري الذي يرفض ستالين بشكل كامل و الذي ألقاه في المؤتمر العشرين، لأن الأمر يتعلق بتقرير غير صادق ، تقرير سينفر منه الجماهير ويبعده بشكل خطير عنها."

- ويفضح ماو والحزب الش الص منطلقاتهم القومية البرجوازية في الهجوم على ستالين. يقول : " وكما قيل اعلاه ، ان ستالين كان يبدي في علاقاته مع الاحزاب الشقيقة والبلدان الشقيقة ميلا ما الى شوفينية الدولة الكبيرة . وقوام هذا هو الاستخفاف بالوضع الاستقلالي والمتساوي للاحزاب الشيوعية والبلدان الاشتراكية في الوحدة الاممية" (من جديد حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا-هيئة تحرير الجريدة الصينية جين مين جهباو- 29 ديسمبر 1956).

* دعم التقرير السري والأطروحات التحريفية للمؤتمر العشرين:

-" اننا لمقتنعون ، نحن الشيوعيين الصينيين ، بأن الانتقادات القاسية التي طرحت في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي ستسمح بالتأكيد لجميع العوامل الايجابية التي خنقتها تدابير سياسية مغلوطة بأن تتفتح من جديد على الحياة في كل مكان ، وبأن حزب وشعب الاتحاد السوفياتي سيوطدان وحدتهما بحزم اكبر أيضا في النضال لبناء مجتمع شيوعي كبير لا سابق له في تاريخ الانسانية ، وفي سبيل سلم دائم في العالم قاطبة ." ( حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا" - جريدة (( جيمنجباو )) في 5 نيسان 1956 ، خلاصة المناقشات التي دارت في اجتماع موسع للمكتب السياسي التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني).

- ولعب ماو دورا قذرا ونشيطا في دعم الانقلاب الخروتشوفي و التصدي للستالينيين في الاتحاد السوفيتي وخارجه الذين أدانوا التحريفية : " إن الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي قد باشر إصلاح أخطاء ستالين وإزالة عواقب هذه الأخطاء ، وهو ينجح في ذلك . ولقد أبدى المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي حزما عظيما وجرأة بالغة في العمل على إزالة تقديس ستالين ، وعلى تبيان خطورة أخطاء ستالين ، ومحو عواقب أخطاء ستالين . وان الماركسيين اللينينيين ومن يعطفون على قضية الشيوعية في العالم كله ، يساندون الجهود التي يبذلها الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي بغية إصلاح الأخطاء وهم راغبون في ان تتكلل جهود الرفاق السوفياتيين بالنجاح التام . ومن الجلي كل الجلاء ان إصلاح أخطاء لن يتم بين ليلة وضحاها ، لان هذه الأخطاء لم تكن ذات امد قصير ، بل ان هذا يستلزم بذل الجهود خلال مدة طويلة نسبيا ، ومن الضروري القيام بعمل دقيق ايديولوجي وتربوي . ونحن واثقون من أن الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي ، هذا الحزب العظيم الذي تغلب فيما مضى على صعوبات لا تحصى ، سيتغلب دوما دون ريب على هذه الصعوبات أيضا ويبلغ غايته . (من جديد حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا-هيئة تحرير الجريدة الصينية جين مين جهباو- 29 ديسمبر 1956). تتكرر عبارة "أخطاء ستالين" المزعومة في هذه الفقرة الصغيرة وحدها ثماني مرات !!!


* دعم ماو والحزب الش الص للهجوم على ستالين تحت يافطة "عبادة الشخصية" :

- "بيد ان ستالين ، بعد ان حاز على حظوة كبيرة لدى الشعب ، سواء في داخل الاتحاد السوفياتي أم خارجه ، بتطبيقه الخط اللينيني تطبيقا صحيحا ، وقع في خطأ المبالغة في دوره الخاص وعارض القيادة الجماعية بسلطته الشخصية . ونجم عن ذلك أن بعض أعماله سارت في طريق مخالف لمباديء الماركسية – اللينينية" ("حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا" - جريدة (( جيمنجباو )) في 5 نيسان 1956)

- " إن ستالين ، بإهماله استخلاص الدروس من الأخطاء المنعزلة ، الجزئية العابرة ، المتعلقة ببعض المشاكل ، لم يستطع ان يتجنب تحولها إلى أخطاء فادحة تمس الأمة بأسرها ولمدى طويل . ولقد راح ستالين ، في الجزء الاخير من حياته ، يزدهي أكثر فأكثر بعبادة الشخصية تلك . فخرق نظام المركزية الديمقراطية في الحزب ونظام الجمع بين القيادة الجماعية والمسؤولية الفردية . وهذا قاده إلى اقتراف بعض أخطاء فادحة" (نفس المصدر). ونقرأ أيضا : " ان النضال ضد عبادة الشخصية الذي شن أثناء المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي نضال عظيم وشجاع يخوضه شيوعيو وشعب الاتحاد السوفياتي لإزالة العقبات الايديولوجية التي تعرقل مسيرتهم إلى الإمام (نفس المصدر) .


* موقف ماو من التيتوية ومساندة تقارب خروتشوف مع تيتو :

" إذا كان الرفاق اليوغسلافيون يكنون كرها خاصا لأخطاء ستالين ، فقد يكون ذلك مفهوما . إن الرفاق اليوغسلافيين قد عرفوا ظروفا عسيرة في الماضي ، وبذلوا جهودا ثمينة للدفاع عن الاشتراكية . وهم قد حققوا في المؤسسات الصناعية وغيرها من المنظمات الاجتماعية خبرة بالإدارة الديمقراطية ، مما لفت كذلك أنظار الناس . والشعب الصيني يرحب بالتسوية السلمية التي تمت بين الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية من جهة ، ويوغسلافيا من جهة أخرى" (من جديد حول التجربة التاريخية لدكتاتورية البروليتاريا-هيئة تحرير الجريدة الصينية جين مين جهباو- 29 ديسمبر 1956)

- مساندة تيتو في نزاعه مع ستالين ومباركة التقارب الخروتشوفي التيتوي : " ان جهود الحكومة السوفياتية في سبيل تحسين العلاقات بين الاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا ، وبيان الحكومة السوفياتية بتاريخ 30 تشرين الاول 1956 والمحادثات التي جرت بين الاتحاد السوفياتي وبولونيا في شهر تشرين الثاني 1956 ، لتؤكد عزم الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي والحكومة السوفياتية على محو أخطاء الماضي في العلاقات الخارجية محوا نهائيا . وكل هذه التدابير من جانب الاتحاد السوفياتي هي قسط هام يؤدي في قضية توطيد التضامن الأممي البروليتاري ." (نفس المصدر)

* التخلي عن الخط الستاليني في مقاومة مؤامرات الامبريالية لإعادة الرأسمالية وتبني خط خروتشوف:

- عندما يتعلق الأمر بإدانة ستالين ودعم خروتشوف، يدعي ماو أن الطبقات زالت في الاتحاد السوفياتي وأن لا مبرر للقمع في حين أنه صدع رؤوس الجميع هو والحزب الشيوعي الصيني بـ"تطويرهم الخلاق للماركسية اللينينية " بالقول بتواصل واحتداد الصراع الطبقي في ظل الاشتراكية ونقدهم لستالين عندما صرح في نهاية الثلاثينات بتصفية البرجوازية كطبقة. يقول الآن كلاما معاكسا : " رغم إن دكتاتورية البروليتاريا ضرورية أيضا لمكافحة بقايا الثورة المعاكسة داخل البلاد حتى بعد القضاء على الطبقات المستثمرة وتصفية القوى المعادية للثورة في الأساس ( ولا يمكن القضاء بشكل تام على هذه البقايا ما دام الاستعمار موجودا ) ، فانه ينبغي لها أن تكون موجهة بصورة رئيسية ضد القوى العدوانية الاستعمارية الخارجية لدفع خطرها (...) لا التشبث كما في الماضي بزيادة حدة النزاع الطبقي وقد اضمحلت الطبقات ، ولا ما يترتب على ذلك من عرقلة لتطور الديمقراطية الاشتراكية تطورا سلميا كما فعل ستالين . إن الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي قد أصلح أخطاء ستالين في هذه المسألة إصلاحا حازما ، وهذا شيء صحيح كل الصحة ."


* دعم أطروحة خروتشوف حول التحول السلمي من الرأسمالية الى الاشتراكية

- اعتراف الحزب الش الص بخيانته وبعدم تصديه للهجمة التحريفية على المبادئ العامة للماركسية اللينينية : " عندما قدم خروشوف مسألة (( الطريق البرلماني )) لأول مرة في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي ، اعتبر الحزب الشيوعي الصيني أن هذا كان خطأ عظيما ، كان نقضا للنظريات الأساسية للماركسية اللينينية ويستحيل قبوله على الاطلاق .
ولكن نظرا لأن تحريفية خروشوف كانت وقتذاك في مرحلتها الابتدائية ، ولم يكن قادة الحزب الشيوعي السوفياتي أثاروا المجادلات العلنية بعد ، أمسكنا لحين من الوقت عن كشف خطأ خروشوف الذي ارتكبه بتقديمه (( الطريق البرلماني )) كما لم ننقده علنا أيضا ." (الثورة البروليتارية وتحريفية خروشوف -بقلم هيئتي تحرير صحيفة (( جينمينجيباو )) ومجلة (( العلم الأحمر ))31 مارس ( آذار ) 1964- دار النشر باللغات الأجنبية بكين 1964)

- وحتى بعد مرور أكثر من 7 سنوات على الانقلاب الخروتشوفي، يواصل الحزب الش الص تمسكه "بالوحدة" مع التحريفيين ويؤيد من جديد أطروحات برنشتاين وكاوتسكي حول الانتقال السلمي :" وفي اجتماع الأحزاب الشقيقة عام 1960 ، ... وتمشيا مع الرغبة العامة التي أبدتها الأحزاب الشقيقة في وضع وثيقة مشتركة في الاجتماع ، قدم وفد الحزب الشيوعي الصيني تنازلا آخر في النهاية حول هذه المسألة ووافق على ادراج الصياغة الحرفية التي وردت في تصريح عام 1957 بشأنها ، وافق على ادراجها في بيان عام 1960 ، وكان السبب أيضا هو مراعاة حاجيات قادة الحزب الشيوعي السوفياتي"
- ولا يخجل الحزب الش الص من تقديم مثل هذه التبريرات ويتشدق بأنه " وقد وزعنا في نفس الوقت في هذا الاجتماع عرضا عاما خاصا بآرائنا حول مسألة الانتقال السلمي باسم الحزب الشيوعي ... وأوضحنا أن مراعاتنا لقادة الحزب الشيوعي السوفياتي فيما يتعلق بهذه المسألة ، هي آخر مراعاة لهم وسوف لا نكرر هذا مرة اخرى."
يوافق إذن على الوثيقة التحريفية الرجعية التي ستنشر لدى الطبقة العاملة العالمية والشعوب المضطهدة ويتشدق بتوزيعه داخل مؤتمر مكون من زعماء تحريفيين لوثيقته الخاصة الانتهازية الوسطية كما أسلفنا. (الثورة البروليتارية وتحريفية خروشوف -بقلم هيئتي تحرير صحيفة (( جينمينجيباو )) ومجلة (( العلم الأحمر ))31 مارس ( آذار ) 1964- دار النشر باللغات الأجنبية بكين 1964)

* بناء "الاشتراكية" مع البرجوازية الوطنية :

الخصوصية الصينية بالنسبة لماو أقوى من المبادئ العامة للماركسية اللينينية ومن نظرية لينين وستالين عن الدولة ودكتاتورية البرولتاريا.هذه الخصوصية على درجة من القوة بحيث تغير من طبيعة البرجوازية وتجعلها تقبل الاشتراكية. يقول ماو :" فى بلادنا التناقضات بين الطبقة العاملة و البرجوازية الوطنية تناقضات تظهر فى صلب الشعب. صراع هاتين الطبقتين يحدد عموما ضمن مجال صراع الطبقات فى صلب الشعب لأن ، فى الصين، للبرجوازية الوطنية طابعا مزدوجا. فى مرحلة الثورة الديمقراطية البرجوازية ، كانت ذات طابع ثوري و لكن فى الوقت عينه ظهر لديها توجه نحو الإتفاق [مع الإمبريالية] . فى مرحلة الثورة الإشتراكية ، تستغل الطبقة العاملة و تكسب منها مرابيح و لكن فى ذات الوقت تساند الدستور و تبدو مستعدة للقبول بالتحول الإشتراكي . إنها تختلف عن الإمبرياليين و الملاك العقاريين و البرجوازية البيروقراطية. التناقضات التى تجعلها تتعارض مع الطبقة العاملة هي تناقضات بين مستغِلين و مستغلين وهي بالتأكيد ذات طبيعة عدائية .مع ذلك ، فى الظروف الملموسة لبلادنا ، هذه التناقضات العدائية يمكن أن تتحول إلى تناقضات غير عدائية و تحل بصفة سلمية إذا عولجت بصفة حكيمة. لو أن التناقضات بين الطبقة العاملة و البرجوازية الوطنية لم تحل بشكل صحيح يعنى إذا لم نمارس تجاهها سياسة وحدة و نقد وتربية أو لم تقبل البرجوازية الوطنية مثل هذه السياسة ، فإنها يمكن أن تمسي تناقضات بيننا و بين أعدائنا." ("حول الحل الصحيح للتناقضات فى صلب الشعب " ماو - فيفري 1957)

* وفي الأخير يعترف الحزب الشيوعي الصيني بالضرر الفادح الذي أحدثته التحريفية الخروتشوفية على الحركة الشيوعية العالمية، ويهدد بعد 11 سنة على اغتيال الرفيق ستالين وبعد أكثر من 8 سنوات على مؤتمر الخيانة العشرين بأنه لن يسكت مستقبلا عن أفعال التحريفيين :" لم تمض على انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي غير ثماني سنوات فقط . وفي هذه الفترة القصيرة جدا من التاريخ ، ألحقت تحريفية خروشوف أضرارا أكبر الدرجات وأخطرها بالاتحاد السوفياتي وبالقضية الثورية لدى البروليتاريا العالمية .
لقد حان الوقت الآن وقد بلغ السيل الزبى ، لدحض تحريفية خروشوف ولمحاسبتها ." (الثورة البروليتارية وتحريفية خروشوف -بقلم هيئتي تحرير صحيفة (( جينمينجيباو )) ومجلة (( العلم الأحمر ))31 مارس ( آذار ) 1964- دار النشر باللغات الأجنبية بكين 1964).

5- أنور خوجة وحزب العمل الألباني : التآمر على ستالين والبلشفية في 1956 ومحاولة التستر في 1975

* لقد كان حزب العمل الألباني يؤكد أنه كان دوما في مقدمة المحاربين للتحريفية المعاصرة. وقد تنامت ادعاءات هذا الحزب الزائفة خاصة بعد موت ماو تسي تونغ لما بدأ يسعى لزعامة حركة البرولتاريا العالمية والشعوب المضطهدة. لقد تعاطى هذا الحزب مع قضية التحريفية المعاصرة، مثله مثل ماو والحزب الش الص، من منطلق قومي برجوازي لا من منطلق ماركسي لينيني بلشفي. ولئن كان ما يقود ماو والح الش الصيني هي الطموحات في تحويل الصين إلى قوة عظمى، فقد كان الذي يقود أنور خوجة وحزب العمل الألباني هو المحافظة على استقلال ألبانيا ضد أطماع الامبريالية السوفياتية والغربية وضد أطماع تيتو. والفارق في القوة بين الحزبين والدولتين هو الذي يفسر الفوارق الكمية وغير النوعية بين موقف كليهما من التحريفية الخروتشوفية، فقد حاولت الصين استخدام هذه الورقة للضغط على خروتشوف من أجل الظفر باستمرار المساعدة الاقتصادية والفنية السوفياتية وخاصة من أجل امتلاك أسلحة نووية، لذلك نجدها تراوح بين "التصعيد" والمهادنة مع الخروتشوفيين. لكن حجم ألبانيا وحزب العمل الألباني لم يكونا ليمكنا أنور خوجة من ممارسة التهديد ازاء خروتشوف، لذلك جاء موقفه في 1956 والسنوات الموالية انبطاحيا أكثر من الموقف الصيني و قد تبنى بوضوح وحزم كافة أطروحات المؤتمر العشرين للح الش السوفيتي.

لقد تبنى حزب العمل الألباني بكل وضوح الأطروحات التحريفية للمؤتمر العشرين في مؤتمره الثالث المنعقد في ماي 1956، لكنه ينكر ذلك ويحاول تزييف تاريخه سنة 1971 . يقول الحزب في "تاريخ حزب العمل الألباني" الصادر سنة 1971 " كانت جميع استنتاجات ومقررات المؤتمر الثالث لحزب العمل الألباني مشبعة بالروح الثورية الماركسية اللينينية التي تناقض الروح التحريفية التي بصمت استنتاجات ومقررات المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي".

سنبين الآن زيف ادعاءات حزب العمل الألباني. يقول أنور خوجة في مقال حول الذكرى الخامسة عشرة لنشأة حزب العمل الألباني نشرته البرافدا في 8 نوفمبر 1956 " معتمدا على التجربة والدروس المشجعة للمؤتمر العشرين للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي، صاغ المؤتمر الثالث لحزبنا مقررات واضحة وصحيحة ترتكز على أسس الماركسية اللينينية".

* استشهادات من النص الأصلي (1956) لمقررات المؤتمر الثالث لحزب العمل الألباني التي وقع شطبها في طبعة 1975 للمؤلفات – المجلد الثاني لأنور خوجة :

* تبني أطروحة التعايش السلمي:

" ان المسائل اللينينية التي طرحت في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي فيما يتعلق بتطور الوضع العالمي الحالي تكتسي أهمية تاريخية بالنسبة للإنسانية وتشكل كنزا ثمينا جاء ليثري الماركسية اللينينية في الظروف الملموسة للوضع العالمي الراهن. ان مبدأ التعايش السلمي للنظامين الاشتراكي والرأسمالي كان دائما يقود السياسة السلمية للاتحاد السوفيتي(...) يعلن الشيوعيون أن النظام الاشتراكي سينتصر على النظام الرأسمالي عن طريق التباري السلمي وستنتصر الشيوعية حتما نتيجة تفوق النظام الاشتراكي على النظام الرأسمالي.

* تبني أطروحة امكانية تجنب الحروب الامبريالية:

" هناك أطروحة أخرى هي امكانية تجنب الحروب في عصرنا الراهن. هذه المسألة التي تشغل الإنسانية باستمرار لقيت حلا صحيحا وعلميا من قبل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي. (...) إن الأطروحات الماركسية اللينينية التي تقول بحتمية الحروب طالما الامبريالية موجودة، وقعت صياغتها لما كانت الامبريالية نظاما عالميا وحيدا وعندما كانت القوى الاجتماعية والسياسية المعارضة للحرب لا تزال ضعيفة"

* تبني أطروحة الانتقال السلمي للاشتراكية:

" إن مسألة الانتقال إلى الاشتراكية عن طريق الحرب الأهلية أو بدونها، هي أيضا إنارة كبرى ومساعدة ثمينة لأحزاب الطبقة العاملة والشعوب الكادحة لكي تمسك بالسلطة ولكي تحقق التحولات الاجتماعية ولكي تحوّل البرلمان البرجوازي، هناك حيث تكون البرجوازية غير قادرة على اللجوء إلى العنف، إلى أداة حقيقية للإرادة الشعبية ومن أجل ضمان انتقال وسائل الإنتاج الأساسية بين يدي الشعب. (...) لكل ذلك أثار المؤتمر العشرون للح الش للا الس حماسا لا يفتر في العالم بأسره. ولهذا السبب بالذات تقع دراسة وثائق المؤتمر العشرين بكل عناية وأصبحت المنارة التي تضيء درب الرجال الناشطين من ذوي النية الطيبة والذين يناضلون من أجل السلم وحياة أفضل"

* تبني إعادة الاعتبار لتيتو من طرف الخروتشوفيون:

يعتبر أنور خوجة أنه خدع بنضال ستالين ضد التحريفيين اليوغسلاف ويدعي أن هؤلاء وقعت إدانتهم عن غير حق. ويحيي قيام خروتشوف " بإصلاح الخطأ " ويحذو حذوه :

" لقد حي الشعب الألباني وحزب العمل بحماس وساندوا بالكامل إعلان بلغراد الممضى بين قادة الدولة السوفيتية والدولة اليوغسلافية في شهر جوان 1955 وفرحوا لتطبيع العلاقات بين الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا. (...) لقد ساند حزبنا مقررات مكتب الإعلام (كومنفورم). لقد اعترفنا ونعترف الآن بأننا خدعنا كما خدعت الأحزاب الشيوعية والعمالية الأخرى بالاستفزاز المدبّر ضد يوغسلافيا من طرف عميل الامبريالية الحقير بيريا"

* تبني أطروحة "عبادة الشخصية" و"أخطاء" ستالين:

انضم أنور خوجة إلى خروتشوف في حملة تشويه ستالين وردد نفس الاتهامات الخروتشوفية حتى يتمكن من التخلص من خط ستالين الثوري الماركسي اللينيني :

"قدم المؤتمر العشرون للج الش للا الس تحليلا عميقا ماركسيا لينينيا للدور الحاسم الذي لعبته الجماهير الشعبية بقيادة الحزب الشيوعي في بناء الاشتراكية، وللضرر الكبير الذي تسببت فيه عبادة الشخصية المنافية للماركسية اللينينية.(...) خطأ جوزيف ستالين الكبير يتمثل لا فقط في كونه قبل المديح والتعظيم لشخصه ولكنه قام هو بنفسه بدعم وتشجيع هذه الطرق المعادية للماركسية.
إن عبادة الشخصية وطريقة الإدارة التي خلقها ستالين كانت تجسيما لخرق سافر وتشويه للمبادئ اللينينية حول القيادة الجماعية في الحزب. إن انتهاك ستالين لقواعد الحياة الحزبية وحلّه للقضايا بطريقة فردية وانتهاك وجهة نظر الحزب بأخذه اجراءات صارمة ضد أولئك الذين يتخذون آراء مخالفة لآرائه، كان لا بد لها أن تسبب، وقد سببت بالفعل أضرارا فادحة (...) وقادت الرفيق ستالين لارتكاب أخطاء : فلم يظهر اليقظة اللازمة عشية الحرب الوطنية ضد النازية الألمانية، ولم يكرس العناية المطلوبة بتطوير الفلاحة الاشتراكية وتحسين مستوى عيش الكولكوزيين، وباشر وعالج القضية اليوغسلافية بطريقة خاطئة، الخ. في مثل تلك الحالات كان ستالين أحاديا في أفكاره وانفصل عن الجماهير."

عزالدين بن عثمان الحديدي – 05 مارس 2012

-------------------------------------

(1) – لم نشأ في إطار هذه الدراسة أن تناول تفاصيل ووقائع عملية اغتيال ستالين فقد ركزنا على بيان المغزى السياسي والتاريخي لذلك الاغتيال. ونكتفي هنا بالاشارة إلىاعتراف أنور خوجة بذلك في كتابه "مع ستالين" ولكن بعد 25 سنة من الصمت المريب، واعتراف مولوتوف في مذكراته صراحة باغتيال ستالين ونسبته ذلك إلى التحريفي بيريا. واتفق المؤرخون على أن ابن ستالين لم يعترف بوفاة طبيعية لوالده وصرح "لقد اغتالوه" وقد كلفه ذلك السجن وحرمانه من نسبه إلى ستالين (أنظر بهذا الخصوص "كيف استولى خروتشوف على السلطة- عبد المطلب العلمي-الحوار المتمدن-)