لماذا نطالب باسترجاع علمانيتنا الاصيلة

المهدي مالك
2012 / 2 / 28


مقدمة
اولا احيي الاستاذ عصيد على مناظرته الرائعة مع الشيخ محمد الفيزازي حيث يعتبر الاستاذ عصيد بالنسبة لي استاذا كرس 30 سنة من حياته لخدمة القضية الامازيغية من خلال مقالاته و كتبه الكثيرة .
و اعتبره مسلما مغربيا يعيش عصره بكل واقعية بعيدا عن القراءة السلفية للاسلام كدين اجدادنا الامازيغيين منذ الفتح الاسلامي كما يسمى حيث ينطلق هذا الاستاذ الجليل من حقائق تاريخنا الاجتماعي التي ساحاول بقدر الامكان اظهارها في هذا المقال المتواضع ..
ثانيا اعتقد ان مثل هذه المناظرات ستساهم دون ادنى شك في تعميق النقاش العمومي حول جملة من القضايا الراهنة و الهامة في سياق دستور 2011 و صعود الاسلاميين الى السلطة بفضل تصويت المغاربة عليهم و ذلك مسايرة لرياح الربيع الديمقراطي و مسايرة للنزعات الاسلاموية بكل صراحة و موضوعية.
و من بين هذه القضايا الراهنة هي استرجاع علمانيتنا الاصيلة لان اغلب الناس ليس لهم اية دراية بتاريخهم الاجتماعي نظرا ل 50 سنة من سلفية العقول و تحريف تاريخنا المغربي حيث نجد ان اغلبهم يعتقدون ان العلمانية تعتبر شيء مستورد من الغرب و شيء يدعو الى الالحاد بينما في الحقيقة انها شيء اصيل في مجتمعنا لقرون عديدة من تاريخنا الاسلامي .
و تتمثل هذه العلمانية الاصيلة في الاعراف الامازيغية التي لا تتعارض مع مقاصد الشريعة الاسلامية الكبرى بمعنى ان اجدادنا فضلوا سن تشريعات بشرية لتسيير شؤون حياتهم العامة دون أي مساس لهذه المقاصد الكبرى حيث يجهل العامة من المغاربة وجود كتابا في غاية الاهمية كتبه فقيها سبق عصره الا و هو المرحوم الفقيه امحمد العثماني الذي اعتبره من الفقهاء القلائل الذين خدموا الاجتهاد المتنور في فترة السبعينات .
و هذا لم يمنع هذا الفقيه المجتهد من انجاز بحثه الشهير لدينا كباحثين و الغير معروف لدى العامة حتى الان بالرغم من ان وزارة الاوقاف و الشؤون الاسلامية طبعته سنة 2004 .
و اسم هذا البحث الواح جزولة و التشريع الاسلامي و كان في الاصل عبارة عن رسالة جامعية لدار الحديث الحسنية حيث اشرف عليها انذاك المرحوم علال الفاسي الذي قال بالحرف قد تصفحت هذه الرسالة عن الاعراف السوسية و صلتها بالشريعة الاسلامية التي قدمها الاستاذ امحمد العثماني و التي ستكون ان شاء الله موضوع مناقشة لاعطائه رتبته العالية من الدار و المقصود هنا هي دار الحديث الحسنية .
انني اود لو ان كل الاقاليم المغربية وجدت من يقوم من ابناءها بدراسة عاداتها و صلتها بالدين و بالاخلاق .
و انصح السيد العثماني ان يختم رسالته بالدعوة الى مراجعة القوانين المغربية مكتوبة او عرفية .
و هذا الكلام موجود في كتاب الواح جزولة و التشريع الاسلامي للمرحوم امحمد العثماني الذي لو عاش في عصرنا الحالي لامن بالعلمانية المحلية كمصطلح جديد علينا لكن مضمونه قديم جدا في مجتمعنا من خلال النظام العرفي حيث يقول ان نظرة خاطفة على النظام القضائي العرفي في جزولة تشعر الباحث انه امام نظام قضائي قار لا اختلال فيه فهو يساير الشريعة الاسلامية في اتجاهاتها و في مقاصدها و في نفس الوقت يساير ضروريات الحياة و تطورها مع مراعاة للسياسات الشرعية في المسائل التي تتبع فيها اعراف البلاد.
ان الالواح عبارة عن قوانين و قواعد و ضوابط صارمة تشتمل على اجراءات تتعلق بعقوبات مالية يعاقب بها كل من صدرت منه مخالفة ما من المخالفات التي تمس شرف الانسان او ماله او عرض الامن الداخلي او الخارجي للخطر .
اذن هذا القانون العلماني المحلي حسب لغة العصر يساير الشريعة الاسلامية في اتجاهاتها و مقاصدها و في نفس الوقت يساير ضروريات الحياة كمصطلح واسع لا حدود له و تطورها يعني ان مجتمعنا ادرك معنى التطور مبكرا.
و يقول المرحوم في مقام اخر من بحثه الشهير ان هذا القانون العرفي يشمل القطاعات التالية قطاع نظام الامن و قطاع التجارة و قطاع التربية و المقصود هنا هي التربية الاسلامية الاصيلة بسوس من المدارس العلمية و الزوايا الخ ثم قطاع الايداع بمعنى المخازن الجماعية او ايكودار و قطاع الفلاحة و ما يتعلق بها و قطاع الحي اليهودي أي ان هذه الاعراف لم تتجاهل التعايش الديني بين مكونات المجتمع .
و لنرى ما يقول الاستاذ العثماني في قطاع نظام الامن حيث قال هو عبارة عن ضبط الامن و تنظيمه داخليا و خارجيا في وقت السلم و في وقت الحرب لان الامن ادا لم يكن مستتبا فان الحياة تكون صعبة و النمو يتوقف و لهذا يوضع اللوح الخاص بنظام الامن و ضبطه و يسمى بلوح امقون او الحلف اذا وضع لنظام حلف بين القبائل او المناطق و المجلس الذي يمثل جهات الحلف يشبه البرلمان الفيدرالي بلغة العصر.
و تلاحظون ان المرحوم استعمل مصطلح البرلمان الفدرالي في سنوات السبعينات
و هذا يبين ان المرحوم سبق عصره حقا بينما فقهاء عصرنا الحالي مازالوا نائمون في فراش السلفية .
و يقول المرحوم ان الجرائم التي يعاقب عليها بالقصاص او الدية هي السرقة و الفاحشة و القذف و الردة و شرب الخمر و اخيرا قطع الطريق.
و احكام هذه الجرائم معروفة و مضبوطة في الكتاب و السنة .
و قال النبي الكريم ص ادراوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ا &لحديث.
و بينما ان الالواح لا تختلف عن الشريعة الاسلامية فيه الا من حيث الكيف فالقتل ان كان عمدا فعقوبته هي النفي من القبيلة او ازواك بعد الثبوت و اعتراف القاتل و بعد كتابة اعترافه عنه و يتكلف العدول بعقد ما يسمى بتابرات ازواك بمعنى رسالة النفي الخ من هذه الاجراءات العرفية .
و اما النوع الثاني الذي قرر الشرع فيه لكل جريمة حدا محدودا لا يتجاوزه فان الالواح تكتفي بغرامة مالية مع عقوبة اضافية مثل التغريب مدة معينة و مصادرة الاملاك و تخريب الدار و ليس معنى هذا انهم ابطلوا الحدود الشرعية و انما اكتفوا بما في وسعهم و طاقتهم من الامر بالمعروف و النهي عن المنكر .
اذن العرف الامازيغي لا يعترف بالحدود الاسلامية مثل القتل او عقاب التي فعلت الفاحشة لقول النبي الكريم ادراوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم الحديث.
و معنى هذا الكلام ان الامازيغيين كانوا لا يطبقون هذه الحدود الشرعية و انما فضلوا سن عقوبات من اجتهادهم الشخصي مثل النفي من البلاد و مصادرة الاملاك الخ..
و هنا يظهر لنا ان العلمانية ليست دخيلة علينا بل هي سلوك اصيل نهجه اجدادنا بغية الفصل بين الدين و الشان العام كمصطلح واسع و كبير حيث لا يكذب علينا احد بالقول ان المغرب كان يطبق الشريعة الاسلامية طيلة تاريخه الاسلامي بل كان منذ سنة 1956 يطبق القانون الوضعي الفرنسي بصفته قانون اجنبي في كل مناحي الحياة
العامة باستثناء في موضوع الاحوال الشخصية بينما ان اجدادنا تركوا لنا انظمة قانونية جد متطورة تتناسب مع مقاصد الشريعة الاسلامية بشكل دقيق الا ان الحركة الوطنية اعتبرت العرف الامازيغي قانونا استعماريا يهدف الى اخراج الامازيغيين من الاسلام الخ.
و هنا ندرك هول اكذوبة الظهير البربري و خطورتها على عقول الاجيال الصاعدة من شبابنا و اطفالنا مادامت هذه الاكذوبة حية في مقرراتنا الدراسية و في خطابنا الديني المتجاوز اصلا و في كل مناسباتنا الدينية مثل 10 رمضان الخ بمعنى ان الحركة الامازيغية مجبرة اليوم ان تقدم تصورها العام حول القانون التنظيمي لتفعيل ترسيم الامازيغية حيث ان هذا التصور العام عليه الاخذ بعين الاعتبار القضاء على هذه الاكذوبة نهائيا من حياتنا العامة و استرجاع علمانيتنا الاصيلة .
اذن مطلب استرجاع العلمانية الاصيلة يتوفر على شرعية تاريخية بحكم ان المرحوم محمد الخامس بعد توقيعه على ظهير 16 ماي 1930 وجه كتابا الى الباشاوات بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف ليقرا في اعظم المساجد يقول فيه ان للقبائل البربرية عوائد قديمة يرجعون اليها في حفظ النظام و يجرونها في ضبط الاحكام و قد اقرهم عليها الملوك المتقدمون من اسلافنا المقدسين و من قبلهم .
و اقتضى نظرنا الشريف تحديث حكم الظهير المذكور لان تحديثه ضروري لاجراء العمل به بين الجمهور.
و اضاف محمد الخامس في كتابه كلاما يوحي الى الرموز و تكذيب ايديولوجية الظهير البربري بصفة نهائية حيث قال بالحرف قد قامت شرذمة من صبيانكم الذين يكادون لم يبلغوا الحلم و أشاعوا ان البرابر بموجب الظهير الشريف تنصروا و ما ذروا عاقبة فعلهم الذميم و ما تبصروا و موهوا بذلك على العامة و صاروا بدعوتهم لعقد الاجتماعات بالمساجد عقب الصلوات لذكر اسم الله الخ من هذه الرسالة الملكية .
و يتوفر هذا المطلب على شرعية دينية كذلك بفعل اراء العلماء قديما و حديثا كراي المرحوم امحمد العثماني ابن منطقة سوس التي انجبت رجالا و نساء في شتى الميادين.
ان المغرب لا يمكنه ان يعيش بدون هويته الحقيقية حيث علينا ان نقرا الاسلام قراءة معاصرة كما فعل اجدادنا و كما فعلت تركيا المسلمة عوض ان نقرا الاسلام قراءة ستجعلنا نرجع الى الوراء كثيرا .
المهدي مالك
mehdi1983k@gmail.com

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير