بطولات جيش الأسد العقائدي ..!

وهيب أيوب
2012 / 2 / 20

على الفضائيات السورية، وعلى وقع الأناشيد الحماسية والأغاني الوطنية، تدريبات للجنود وهم يقفزون على الحواجز بأسلحتهم... تحليق واستعراض للطيران الحربي، انطلاق صواريخ أرض أرض وأرض جو تنهب السماء، اجتياح للدبابات والمدرعات، صور لبشار الأسد وأغانٍ تمجّده وتحلف بحياته، كلمات تشيد بالقوات المسلّحة وبطولاتها، صور متتابعة لقوافل الشهداء الذين ضحّوا بأرواحهم من أجل الوطن وعزّته وكرامته والذود عن حياضه، ومشاهد النساء وهي تزغرد وترشق الأرز على مواكب الجنازات. إنها قمة المأساة، كيف تتم المتاجرة بالبشر على هذا النحو الخادع المريع...؟ عندما تُشاهد تلك اللقطات والاستعراضات الصاخبة على وقع المارشات العسكرية التي توحي بعظمة المعركة وشراستها.
على إيقاع هذي المشاهد الدرامية، لا يمكنك إلا أن تتصوّر أن الجيش السوري يخوض معركة تحرير تاريخية ومصيرية في الجولان، وأنه في اشتباكٍ مرعب مع جيش العدو، ويخيّل إليك أن جيشنا العقائدي البطل قد استكمل استعادة الجولان وابتلع سهل الحولة وأطفأ ظمأه ببحيرة طبريا؛ وهو في طريقه إلى عكا وحيفا ويافا، بعد أن التهم في ساعات الخالصة والجاعونة وصفد ومرج بن عامر، وأنه لن يحطّ رحاله إلا في القدس، قبل آذان المغرب.
أقول بصدق، ما شاهدته على تلك الفضائيات، لا يوحي للمتابع، إلا بذلك. ولكن من هو يا تُرى العدو الذي يستحق كل هذه التعبئة والحشد الكبير...؟
في هذا الوقت، وبينما كل هذه الدراما تفعل فعلها في تعبئة الجمهور في مساندة الجيش المقدام في معركته، تقوم دبابات ومدافع وصواريخ ومروحيات هذا الجيش الأسدي بدكّ حمص وأحيائها في بابا عمرو والخالدية وغيرها من المدن والقرى السورية، من درعا حتى إدلب، وتدمير البيوت والأحياء فوق رؤوس ساكنيها، قاطعاً عنها الدواء والغذاء والماء والاتصالات ليحرّرها من براثن أعدائه السوريين، الذين خرجوا منذ أشهر ليقولون له في كل يوم صباح مساء "الشعب يريد إسقاط النظام، وإعدام الرئيس".
لكنه يُصرّ على أن المؤامرة الكونية ضد نظامه التي بدأها خمسة عشر طفلاً من درعا في 15 آذار الماضي، وجرّوا وراءهم ملايين السوريين ليرددوا ذات الشعارات التي خطّها الأطفال على جدران المدرسة "الشعب يريد إسقاط النظام".
الشيء المثير للسخرية أكثر، أن فضائيات نظام الأسد ووسائل إعلامه، ما زالت تنقل الأخبار عمّا يحدث في غزّة واعتداءات جيش الاحتلال الإسرائيلي، وبث برامج عن سجون أبو غريب ومعتقلات غونتانامو، والتي بات نزلاؤها يسخرون من أنفسهم لهول ووحشية ما شاهدوه في معتقلات النظام الأسدي والتعذيب المرعب الذي يتعرّض له المعتقلون السوريون.
إنّ ما يفعله النظام الفاشي في سوريا تجاه شعبه منذ أشهر، يُقدّم أعظم خدمة دعائية لإسرائيل وجيشها، بل ولعصاباتها الصهيونية منذ إقامتها على أرض فلسطين عام ثمانية وأربعين وحتى الساعة.
فالإسرائيليون يتباهون اليوم، أن كل ما ارتكبوه من مجازر في دير ياسين وكفر قاسم وغيرها من أعمال قتل وتنكيل ضد العرب والفلسطينيين، لا يوازي شيئاً مما يرتكبه نظام الأسد بشعبه. ويقول أحد الإسرائيليين، نحن كنا نقاتل ونقتل أعداءنا، لكن الأسد وجيشه يقتل شعبه، فلا يصحّ التشبيه.
إن الأفعال الهمجية والوحشية التي يرتكبها يومياً نظام الأسد ضد شعبه، جعل العالم يتناسى جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين. فالنظام السوري، ما زال يظن بأنه قادر على الاستمرار بالمتاجرة بشعاراته القديمة، حول القضية الفلسطينية وشعاري المقاومة والممانعة المثيرين للسخرية.
أربعة عقود ونصف من الاحتلال الإسرائيلي للجولان، منهم 39 عاماً لم يزعج إسرائيل ولو برصاصة طائشة واحدة، ويُتاجر بأهالي الجولان على الفضائيات، لكنه يجد حتى الآن سوقاً رائجة لتجارته من بعض سكان الجولان...! وما زال يجد في سوريا وخارجها، من يسوّق له ويدافع عن تجارته، ولهذا فهو صامد حتى الآن.
الفائدة الثالثة الكبرى التي سيقدمها لإسرائيل، هي محاولته تدمير سوريا شعباً وكياناً، ويتركها خراباً قبل أن يدخل في نفق القذّافي ويلقى مصيراً مُشابهاً أو أدهى. وقد يحاول اللعب بالورقة الأخيرة الأخطر، وهي اللجوء إلى محاولة تقسيم البلاد، وهذا قمة ما تسعى إليه إسرائيل وتريده وتدعمه.
هذا مآل الديكتاتوريات الفاشية، فهم لا يبنون دولة ولا وطنا ولا إنسانا، وقبل سقوطهم وزوالهم يجاهدون للإتيان على كل ما تبقى في بلدانهم، متوهمين أنّهم من خلال العنف والوحشية المُفرطة، يستطيعون إخضاع الشعب وإركاعه والاحتفاظ بالسلطة، لكنهم ينسون شيئاً واحداً، أن بعد سقوطهم ورحيلهم، لن يأتي أحد على ذكرهم، إلا باللعَنات.

الجولان السوري المحتل


حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا