حب في ظلال طاووس ملك / عصا الراعي

حمودي عبد محسن
2012 / 1 / 15

حب في ظلال طاووس ملك / عصا الراعي

رواية في قيد الكتابة
حب في ظلال طاووس ملك
فصل : عصا الراعي
اصطفا الجد أن يكون ميرزا راعيا في جبل بحزاني ، ليقوى عظمه ، ويشتد أزره ، ولا تخور قواه أو تهن في الأيام الصعبة ، إذ في ذلك تكمن حكمة المعرفة بأسرار الجبل ، وليبسط الجبل ظلاله على ميرزا ، وتقيل عنه العثرات إذا حدثت ، ذلك يجعله طينة صلبة حسنة تتشكل كجزء من سلالته الأيزيدية التي كانت دائما طينة حسنة صلبة في شعبه عبر مر العصور ، هذا كان مآرب جده لتتعاظم روح ميرزا ، ويتعاظم حبه للجبل ، ففيه يبتهج قلبه لسماع أنغام القطا والدراج وحمام الحب الذي غالبا ما يسمى حمام الصخر الرمادي أو حمام زهرة الجلنار ، فهو المختار في الرعي ، وهو المختار في منزلة القلب ، القلب الذي يصطفي بالصفاء ، ويتدفق بالنبل عندما تبسط على جسده ظلال الأشجار ، فقد أراد الجد أن تكون روحه أيزيدية صالحة طيبة ، فيها قدسية لعهده الأيزيدي الذي كان هذا الشعب يساق من فرمان عثماني إلى آخر في أسر ، ويساق إلى الموت على أيدي الطغاة ، فتصادر أراضيه ، ومواشيه ، ومحصولاته الزراعية التي جناها بعرق الجبين ، هذا التاريخ الذي ارتبط بالمذابح في قطع الرؤوس ، والتمثيل في الأوصال ، وجر حشود الأيزيديين بالحبال مقهورين دون أن تهزم أرواحهم أو تتلوى ألما ، لكن لا ، الراعي البحزاني يرعى الماشية من جديد ، فها ميرزا في السابعة عشرة من عمره ، فتى وسيم ، ذو شعر أسود نحيف القامة ، قوي البدن ، وقد نبت الشعر في ذقنه وشاربيه ، شديد سواد العينين مع سعة المقلتين ، بيده عصا الرعاة يهش الماشية أمامه ، يقودها بكلمات : دع ... دع ... دع ... ثم يصفر ، ثم يصرخ ، فيكون لصراخه دويا في وجه الماشية التي يقودها كبش أبيض قوي قد علقت في رقبته أجراس فضية ، هذا الكبش راعي الرؤوس البيض المتعفرة بالتراب ، ماشية مدجنة من خراف تلتهم الحشائش والأعشاب وأوراق الأشجار ، وتنهل المياه من أحواض صنعتها طبيعة الجبل الصخرية لتكون ورود الماشية ، فالكبش يقفز فوق الصخور ، ويتسلق ، ويمد رقبته لينهل من أوراق البلوط الخضراء ، وأجراسه ترن ، وتتبعه الماشية ، فهو الراعي المرشد ، وهو الرئيس للقطيع ، يتقدم دائما مع صفير أو كلمات ميرزا ، ويقود القطيع على السفوح والوديان يطيعه القطيع ، ويستسلم إليه ، وهو دائما يتقدم أقرانه ، وميرزا يهش بعصاه على رؤوس الماشية ، ويصفر ، فالمراعي خصبة ، والكلأ وفير ، ومجاري المياه متدفقة في هذا الربيع الأخضر ، ربيع الإخصاب ، تارة يتوقف القطيع على بركة مياه بينما ميرزا يشم روائح عطرة منبعثة من أزهار برية أو تفتقت توا من براعمها ، تارة يتفيء في ظل شجرة عندما تكون الشمس في أوجها الربيعي ، فيوغل ذهنه إلى عالم فيه صور متعددة : فهذا جدي يتسلق شجرة عملاقة هاربا من سبع يلاحقه ليوقع الشر فيه ، فالشجرة العملاقة ملاذه الأمين ، يستجير بعلوها وضخامتها ، وهذا كائن خرافي مجنح يطلق دويا في الوادي ، فيلوذ القطيع إلى الكهوف والمغارات ، وبعصا الرعاة يقاوم ميرزا الكائن الخرافي ، ولا يسمح له أن يلحق الأذى بقطيعه ، فعصا الراعي تكون دائما سلاح المقاومة ، فبها يقاوم الوحوش الضارية ، والطيور الجارحة ، والماشية ترفع رؤوسها إليه ابتهالا وتوسلا لعصاه التي تقاوم المهاجم الشرس ، وحتى الغزلان الكثيرة التواجد في أرض بحزاني تلتمس الحماية من العصا كأنها تؤدي طقوس البقاء ، طقوس مباركة دينية في رد هجوم الكائن الخرافي ، هكذا تكون عصا الرعاة تؤدي واجبها في مكافحة الشر ، وبث إحساس الأمان ، فالعصا رمز الحماية ، ورد الأذى حتى إذا كان هجوم الضواري من الخلف .
وفي لحظات تخيلات ميرزا يجد نفسه تارة رامي نبال باتجاه سبع مهاجم ، لتمط الماشية أعناقها ، وتطاول أوراق الشجر ، عندئذ لا يستطيع أن تطال مخالب السبع القطيع ليبطش بها ، فيردعه ميرزا من أن يكون وحشا دمويا ، وتارة أخرى يجد نفسه يحمل رمحا ، ويوجهه ضد الحيوان الخرافي المجنح ، ليمنعه أن ينقض على بقرة تلد ، ويمنعه أن ينقض على وليدها لافتراسه ، فيعاجله بطعنة في بطنه ، وتتمزق أحشائه ، ويسقط على الأرض وهو ينزف دما ، أجل إنه يسقط بين قدميه ، وميرزا يرى مولودا جديدا يخرج من رحم أمه . في هذه الصور التخيلية صارت العصا مرة قوسا ونبالا ، ومرة رمحا ، ومرة عصا تقدح نورا في رد عدوان الظلام ، ثم قدم نفسه منقذا حاميا مصارعا منتصرا على آفة الشر ، وبذلك يكون قد صان القطيع ذا الرؤوس البيض ، آمنا في الكلأ الوفير ، يرتوي من المياه العذبة ، وبذلك صارت عصاه خير ، وصارت حماية ، وفيها صان شجرة الحياة ، ومياه الحياة ، وتجدد الإخصاب ، ووضع قدمه على صدر آفة الشر ، ذلك رمز القوة والمناعة التي راحت تتجذر في أعماقه ، حينئذ يكون الرضيع يرضع من ثدي أمه بأمان ، حينئذ يستطعن البيريات أن يستدرن الحليب من الماشية . أهذا ما أراده جده أن تتجذر روح ميرزا في الرؤيا وتأمل الذات ؟! أن الراعي دائما يتأمل أيضا ما يحيط به ، ويتأمل السماء ، والأفق الممتد بعيدا ، لكن في هذه المرة كأنما يرى أعجوبة الأرض ، وهو يتجاوز بقطيعه قمة جبل بحزاني الممتدة بفسحة عدة كيلومترات شرقا وغربا ، وهي أرض الحنطة والشعير منذ أقدم الأزمان ، فكانت قديما تعج بسنابلها الذهبية التي تحصد بالمنجل ، والتي كانت تدرس أولا بأقدام الحيوانات ثم تكدس بأكوام عالية كبيادر خير ، ثم تنقل على ظهور الحيوانات إلى القرية ، لتدرس نهائيا بآلة الجرجر الشهيرة البدائية ، التي امتهنت صناعتها عائلة النجار سليمان قطي ، وقد توارثت المهنة أجيال بعد أجيال ، والتي يطلق أهل بحزاني على هذه الآلة الجغجغ ، آلة خشبية عجلاتها من حديد ، تجرها حيوانات ، فتدور بدوران الحيوانات ، وينفصل القش عن بذرات الحنطة والشعير . أجل ، الآن ينزل بقطيعه إلى أسفل تاركا أرض مزارع الحنطة والشعير ، وهو يرى مندهشا أن الأرض مزينة بخواتم زفاف زهور برية ذات ألوان جذابة مبهرة ، ألوان بنفسجية وقرمزية وأرجوانية وقرنفلية وصفراء وبيضاء ، هي على مقربة من قمة جبل بحزاني التي تسمى العقبي وغالبا ما تسمى سنكي ، كانت مكسوة بالأبهة والحلي ليغدو ميرزا مبتهجا في أسفل عقبة الجبل ، وكانت تتشرب روحه بروائح عطرة زكية تفوح من أنواع العطور ، لكن كان يشد بصره إلى تلك الزهور ذات الحمرة الشديدة المتشربة حمرتها بحمرة الدم ، والتي سلبت الجمال من كل زهور أسفل عقبة الجبل كما لو أنها تخجل من كبريائها ، ومنظرها المختال ، فهي تنتصب وسط عشب أخضر بساق رفيع غض متفرع بأوراق رمحية ، حافاتها مسننة ذات أعناق ، إذ من آباط الأوراق يبرز الساق الطويل الوحيد ليرتفع بتاجه الأنيق ، بزهرة أحادية رائعة ، ذات أربعة وريقات شفافة تستقر في كأسها بقعة داكنة من بذور سوداء محاطة بدائرة بيضاء ، فمد ميرزا يده الخشنة ، وداعب شعيرات بيضاء منتشرة على الساق ، وتذكر حديث جده الذي غرس حب الجبل في روحه عندما سأله ميرزا :
ـ جدي لماذا تسمى شقائق النعمان ؟!
ـ ذات يوم يا ولدي قبل ظهور الإسلام ، أمر طاغية بلاد فارس كسرى بن برويز بن هرمز الذي كان يحكم سواد العراق من ملك الحيرة العظيم النعمان بن المنذر أن يسوق إليه أجمل نساء العرب ، وأن يزف ابنته الجميلة هند إلى ولده ، بعد أن سمع كسرى بجمال هند الذي لا يوصف ، وذكائها الخارق ، فما كان من الملك النعمان إلا أن يستشير ابنته بطلب كسرى ، فقالت له :
ـ يا أبي ، ما لي وديار الغربة .
ما لي بالعجم يا أبي .
فقال الملك النعمان بن المنذر للرسول الذي أرسله كسرى :
ـ ابلغ اعتذاري للملك كسرى بن هرمز .
لكن الرسول كان يحقد على الملك النعمان ، وقد أراد الشر بالنعمان ، فقال لكسرى :
ـ يقول النعمان : ستجد في بقر العراق ما يكفيك .
فغضب كسرى الذي كان يتخذ من المدائن عاصمة له ، واشتد غضبه طالبا من النعمان المجيء إليه ، فأدرك النعمان بأنه مقتول لا محال ، فأودع عند عرب البادية نسوته وأسلحته ودروعه وخزائنه ، وكانت في استقبالهم حجيجة ، وهي صفية من بني شيبان ، التي عرفت بشجاعتها وعدلها ، وذهب النعمان بن المنذر إلى كسرى ، فسجنه ، ثم قتله تحت أقدام الفيلة ، فنبتت من دمه في نفس المكان الذي قتل فيه هذه الشقائق الحمراء ، فسميت بشقائق النعمان .
توقف ميرزا قرب عين فنجان ، وترك القطيع يرتوي من المياه المتدفقة بين الصخور ، وروحه تهفو حية متقدة مزدهرة في ربيع زاه ، وهو يكتشف في هذا الربيع سحر وألق هذه الألفة الفريدة المرحة الشفافة الطاهرة تتجاوب مع لحن متناسق من ألوان وتدفق مياه وروائح عطرة وسجع طيور الحب . تقدم إلى عين فنجان التي تشبه في شكلها الفنجان ، لذلك أطلق عليها البحزاني عين الفنجان ، كانت قطراتها تنساب سريعا ، وقد ضرب وجهه رذاذ مياه هابطة من بين الصخور ، وكان ينتابه إحساس سخي مدهش فاتن ، إذ أن حلمه كبير ، ويزداد فرحا بتدفق المياه ، وعلى حين غرة وجد كوبا خشبيا مطروحا على صخرة قرب العين ، وتحت كهفين منقورين في الصخر يعودان إلى أزمنة سحيقة ، ملأ ميرزا الكوب من مياه عين فنجان ، ورفعه بتأن بكلتي يديه إلى ثغره ، وسقا نفسه ماء عذب ، ثم رفعه إلى أعلى بيده اليمنى ، وصبه فوق مفرق شعر الرأس ، ليندمج مع المياه بوحدة عميقة مثلما اتحدت روحه مع الجمال الصامت أو المتكلم ، ثم حلق بخياله إلى حكايات جده عن شجرة الرمان البرية الفارعة ذات الأوراق الخضراء الداكنة التي تتلألأ في يوم الربيع المشرق ، الباهرة في جمال ساحر ، شجرة الرمان أجمل كل الأشجار ، ذات الأزهار القرمزية الساطعة التي تغازل العشاق ، وتدعوهم أن يحبوا في موسم الربيع ، شجرة الرمان رمانها أحمر بلون الدم ، وبذورها ذات حمرة أرجوانية ، أحبها سرب من مئة حمام ، فاختارت واحدا منهم ، وتركت تسعة وتسعين حمائم ، لا أحد يعرف سر اختيار الحبيب صاحب الطوق الأحمر ، هناك من يقول إنه قطف منها رمانة ، ولم يأكلها أعوام طويلة أما التسعة والتسعين حمام ، فحملوا منها سلالا من الرمان ، حتى صاروا يستخرجون صبغة الأرجوان منها ، فكان الحبيب يسجع سجعا حزينا يندب نفسه وعزلته ، مرددا : أين أنت ... أين أنت ... وصار التسعة والتسعين حمام يلقبونه الحبيب خارج سرب الحمام لأنه كان يأتي في كل ربيع إليها ، يقترب من زهرة الجلنار وهو يرفرف بخفة ، ويتنفس من عبيرها ، ويتيمم به ، ثم يسجع سجعا لا شبيه له : ريمون ... ريمون ... ريمون ... ويضمها في دفء جناحيه فتردد هي صوته ، وتهدر بترنيمة : أنا لك ... أنا لك ... أنا لك ... وكان الحبيب يرفرف فوق عين فنجان ، ولم ينقر فيه ، بل يشرب نفسا نفسا حتى يرتوي ، ويقال أن ريشه سقط وغدا يمشي في القفر ، وصار صوته كله هدير حب حتى مات وحيدا منعزلا ، فبكته شجرة الرمان واختفت عن الظهور إلى الأبد .
فكان ميرزا يطوف بخياله وترتسم له زهرة الجلنار الذي تحدث عنها جده في حكايته وهي تسهر لتكون نفسها ولونها وعبيرها ، ولا تعرف الذبول ، أهذا اتحاد في الحب البريء ؟! غير أن ميرزا كان يسبح في خياله إلى الرمانة هنار ترتسم في عينيه ابتسامتها اللطيفة العذبة التي افترشت على وجهها ، ثم يغوص في رؤاه إلى رقبتها ، وكفيها باطنهما وظاهرهما ، فيهما نفح الطيب والعطر الذكي ، إذ في قلب ميرزا زنار قداح الحب راح يقدح فيه ، ويضرمه الشوق إلى هنار . أجل ، قداح يوري قلبه ويستولي عليه ، ويستثيره متمثلا في كلماته :
ـ أنا أحبك يا هنار .
وقرع صوت هنار في أذنه :
ـ أنا أيضا أحبك يا ميرزا .
من يدري .... لربما قطفت هنار بيد رعشة زهرة الجلنار ، ووضعتها بين نهديها ، وقد أحييت الحب ، ودفأتها في صدرها ، وعيناها المدهشتان الغائصتان في جمال شجرة الرمان الفارعة التي لا يضاهيها أي جمال ، قد ولدت الحب في أعلى درجاته وكماله وتمامه ، وسيبقى ميرزا يحوم حولها خارج سرب الحمام ، سرب تسعة وتسعين حمائم ، فجأة انتبه ميرزا إلى نفسه ، وهو يلملم شتات أفكاره ، وقرر حينما يكون قد وصل إلى عين شيخ وبكر ، ويأتن البيريات يحلبن الماشية ، سيظهر قداح قلبه :
ـ أنا أحبك يا هنار .
ثم صفر ، وقد خرج توا من مليء رؤيا في عالم آخر ساحر ، ومن مليء نشوة ذات إثارة ، لاسيما كانت تحف به لحظة البدء في رغبة تجره أن يكتشف المزيد خارج نفسه ، لتحيى نفسه في يقظة حاسمة مؤثرة في الربيع ، وهو يحمل عصا الرعاة ، ظل الكبش ساكنا في مكانه دون أن يتحرك ، وهذا أثار اندهاش ميرزا ، حتى لم يحرك رأسه يمينا أو شمالا ، فاستغرب ميرزا ، وراح يحث قدميه إليه ، ويقترب منه ، فانسابت إلى أنفه رائحة طيبة ذات نكهة خاصة ، فكان يواجه نبات الكبر المعمر الشوكي ذا الأوراق الكثيفة التي تنمو في أبط أوراقها براعم زهرية بيضاء أرجوانية ، فراح ميرزا يستنشقها بعمق حتى أحس بمدى تأثيرها على نفسه التي أصبحت هادئة في غير المعتاد ، وهو يتطلع إلى زحف النبات بفروعه المتعددة ، المتسلقة على صخرة كبيرة بأوراق خضراء مدورة كأنها ترنو لتلامس الكبش أو أن الكبش يبتغي ملامستها غير إنه كان مجفلا في مكانه لربما كان يخشى أشواكها ، ثم لم تمض لحظات حتى تحرك الكبش من مكانه إلى شجيرة الزعتر ، هذه الشجيرة التي يطلق عليها البحزاني مفرحة الجبل أو مبهجة الجبل لرائحتها العطرة القوية المميزة ، ولأن فروعها تكسو الأرض زاحفة منبطحة بملاءة خضراء من أوراقها البيضوية المتقابلة ذات الزغب الأبيض ، تعلو قمتها أزهار صغيرة أرجوانية ثلاثية الفصوص بتاج سفلي ، وذات كأس أنبوبي زغبي بشفتين عليا وسفلى . عندئذ أدرك ميرزا أن لغة الروائح صامتة ، فيها نشوة رقيقة يتمخض منها انجذاب مكتوم في النفس ، حيئذ صرخ ميرزا : دع ... دع ... دع ... ولوح بعصا الرعاة ، فتحرك الكبش نازلا باتجاه وادي سنجق ، فتبعه القطيع منحني الرؤوس ليمر متجاوزا جداول من المياه ، ومتجاوزا حدائق أقامها الربيع ، حدائق من زهور تبيض في النهار وتصفر في الليل العميق ، وأخرى أزهرت بها الحياة الدنيا كدرر زهراء بيضاء صافية أو شديدة الحمرة ، وكذلك تلك زينة متناثرة بين الصخور ، وعلى حافات المياه ، بزينتها البيضاء العتيقة كأنها في ثوب عروس ، إنها زهور النرجس الجذابة بمنظرها البراق ، فرفع ميرزا العصا ولوح في الهواء ، وهو يتجاوز بركة مياه ، ويتذكر كلمات جده عن النرجس : إنها تميل بساقها دائما إلى المياه ، إنها تعشق الماء ، إنها عدائية غيورة أنانية ، تحب ذاتها ، وتقتل النبات القريب منها .
لكن في هذا الربيع بالذات الذي لا يشبه ربيعا آخر مضى ، قد أسفر عن وجهه تماما ، وهو يزهر تماما ، ودرة الزهراء قد أضاءت في قلب ميرزا الحب ليعلنه ، وهو يلوح بعصا الراعي ، وتكون كلماته صدى في ربيع زاه :
ـ أنا أحبك يا هنار .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي