النمل الأشقر للكاتبة الكويتية ليلى العثمان

يوسف الخضر
2012 / 1 / 9


النمل الأشقر للكاتبة الكويتية ليلى العثمان
قراءة تحليلية

تدور أحداث القصة في بلدة ما في الوطن العربي . اجتاحها النمل وصار كارثة يهدد البلدة بأكملها وذلك من خلال تهديده أول الأمر أسرة (عريب ) بطلة القصة وهنا ( الكاتبة ) .
لم تنفع الحلول جميعها التي حاولنها الأسرة ، لكن المشكلة أخذت منحى أخر أشد خطراً وأوسع انتشاراً بدخول جحافل من نمل أشقر ، غريب ، شره ، يلتهم كل شيء . مما جعل بطلة القصة تكون جمعية لمحاربة هذا النمل( الوباء ) ، فحاولت بشتى الوسائل الوقوف في وجهه لكنها جوبهت بالزجر مرة وباللامبالاة مرة أخرى ، فلجأت إلى دائرة التموين ثم إلى مركز الشرطة ثم إلى الحكومة التي رأت في تحويل مساره وسيلة لتجميعه ومن ثم القضاء عليه . ما جعل الناس يفتحون أبوابهم ويقدمون له مؤنهم في الشوارع طمعاً بالجائزة التي رصدتها الحكومة لذلك ازداد خطره ، ولم تعد الحكومة قادرة على فعل أي شيء له ، رغم مظاهرات الناس واحتجاجاتهم ووعود الحكومة في القضاء عليه ، فرحل من رحل من أهل البلدة وبقي آخرون أخذوا عهداً على أنفسهم بالقضاء عليه.. تلك الحقيقة التي اقتنعت بها الأم ( أم عريب ) بعد أن نزحت من دارها وكانت من قبل تمنع ابنتها من دوس ذلك النمل وسحقه .

اعتمدت الكاتبة أسلوب السرد منطلقة من شخصها أهم شخوص القصة( بطلة القصة ) فزاوجت بين لغة الراوي الغائب وضمير المتكلم فاستطاعت أن تنقل إلينا الأحداث مرة من خارجها ومرة من داخلها مروراً بمحورين أو عقدتين أولاهما كانت سبباً للأخرى من غير أن تفصح عن ذلك....: عقدة النمل الأسود ( الفساد ) والنمل الشقر الطويل النحيف الشره الذي يلتهم كل ما يراه ، ( الاستعمارالغربي) والصهاينة... إلى أن تبلغ ذروتها قي المواجهة التي لم تحسم ورحيل عدد من أهل البلدة وبقاء جزء منهم قرر المقاومة وتشبث بالأرض ، وتأني لحظة تنوير في آخر الأحداث متمثلة في تغير موقف الأم التي اقتنعت بحتمية المواجهة والتصدي للنمل حين دلَّت ابنتها على نملة في الطريق وطلبت منها أن تدوسها ... تلك الأم التي استمرت أعواماً طويلة في البكاء .!!
تتناول القصة شريحة بشرية قي هذه البلدة في هذا الوطن العربي وهي بذلك تمثل أبناء هذه الأمة التي ابتليت بالفساد حيث انتشر هذا الفساد ( النمل الأسود ) في كافة مفاصل الحياة وصار مرضاً مزمناً مهَّد للوباء الجائح المتمثل بالاستعمار الغربي والصهيونية ( النمل الأشقر ) .

ويمثل سكان البلدة السواد العظم من أبناء هذه الأمة حيث الجهل والتخلف والبساطة والطيبة والتسامح ، في مواجهة القضايا المصيرية بأساليب غير ناجعة ، والتراخي في حل المشكلات والتصدي غير العلمي والجدي للقضايا المصيرية ، وسيطرة الصبغة العاطفية على سلوكهم واعتقاداهم وتفكيرهم :
" - صرخت بي أمي : لا تقتلي النمل يا عريب .. هو مخلوق ضعيف "
وأبو مسامح صاحب الدكان الواقع على طريق مدرسة (عريب) الذي زجر الفتاة على اعتراضها عليه بترك حبات السكر على الأرض طعاماً لهذه المخلوقات : " - ما عليك من النمل وهذا مالي وأنا حر فيه .. هذا النمل مخلوق ضعيف والبلدة كبيرة وتستوعب كثيراً من المخلوقات ".

وتمثل الجمعية التي أنشأتها البطلة (عريب ) شريحة اجتماعية أكثراُ وعياً وإدراكاً للخطر المحدق بالوطن ..ولكن جهودها لم تأت أكلها بعد ، وهذا بحد ذاته مبعث على التفاؤل في خضم الانتكاسات المتكررة التي منيت بها البلدة.

استثمرت القصة أسلوب الرمز كتقنية فنية اختزلت الكاتبة بواسطتها بقية عناصر القصة ، فاعتمدت الحدث أساساً لإحداث التأثير بما يتلاءم مع التكثيف الرمزي ، ووظفت- ولو بشكل خفي- العناصر الأخرى للقصة لخدمة ذلك .
فالشخوص تسهم قي ازدياد سرعة إيقاع الأحداث ، و بالكاد نلمح ظلال المكان من خلال البلدة التي تمثل الوطن العربي الكبير حيث الفساد الأسود ( النمل ) ، أما ظلال الزمان فتبدو خافتة من خلال الجدة والأم والخالة وهن صور من صور القرن الماضي و بالتحديد أواخره وما تلا ذلك من زمن يستمر باتجاه مستقبل مؤلم غير محدد النهاية ..." انخرطت الأم في بكاء استمر أعواماً طويلة ".

تتوجه القصة إلى المجتمع العربي برمته بمختلف طبقاته ، لأن القضية المطروحة هنا تمس الجميع ، والخطر لا يوفر أحداً والنهاية الكارثية تعم كل السكان ، فهي هنا بمثابة ناقوس خطر يدق لإيقاظ الغافلين ممن لم يستيقظوا بعد .

أما لغة القصة فمبسطة مكثفة تختزل الأحداث وتطوي الزمان والمكان على إيقاع الخطر المتسارع الذي سيعم المكان المفتوح الحدود والمبتدئ من البلدة (بؤرة ) الخطر المحدق بالجميع .

فقد أقامت الكاتبة حواراً مبسطاً كشف ملامح شخصية الأم وشخصية أبي مسامح والشخصيات الأخرى فبدت بساطتها وطيبتها وعجزها عن إيجاد الحلول الناجعة ، وكذلك انتمائها للماضي في شخصية الجدة والخالة . ولا تقتصر الدلالات الرمزية على النمل الأسود والأشقر ، ( فعريب) بطلة القصة تصغير لكلمة عرب وفي هذا دلالة واضحة على الشمول الذي أرادته الكاتبة لشخصياتها شمول أبناء هذه الأمة ، وأبو مسامح صاحب الدكان يختزن اسمه البساطة والطيبة والسذاجة واللامبالاة حين يستنكر موقف البطلة مما يقع من حبات السكر التي تُترك للنمل قوتاً عن عمد دون تفكير بالعواقب .

وتزداد لغة القصة إيقاعاً وتأخذ منحى متسارعأ أكثر إثارة يوحي بدنو الخطر الذي أخذ يطبق على البطلة بصورة نحبس معها الأنفاس :" كنت أرى فلول النمل تجتاح سريري ثم تتحد ...تتلاصق .. تكبر تصبح نملة واحدة ... تحاول غرس أشواكها في لحمي ." وفي موقع آخر ...." ولكن النمل يزداد ويزداد وفي الليل يصير نملة واحدة ."
ولعل المشهد التالي الذي ترسمه الكاتبة بعد أن عم البلاء وانتشرت الكارثة يؤيد ذلك : " الساحات مليئة بالناس ... أكثرهم من الفقراء والثائرين في جمعيتنا ... الحكومة سارعت ونشرت شرطتها في كل الأنحاء .. والنمل يخرج إلينا .. الواحدة بحجم الإنسان .. الأرجل الطويلة والعيون التي تندفع منها شرارات الحقد .. واشتبكنا وسالت الدماء ".

القصة برمتها تعد نموذجاً بارزاً للقصة العربية عامة والكويتية خاصة لاستخدام الرمز الذي استطاعت الكاتبة بواسطته وبخفة وجدارة تسليط الضوء الكاشف والخاطف والعميق البؤرة في الوقت نفسه على حقبة تاريخية لم تبرح آثارها الموجعة بعد ، وكشفت عن فشل التصدي لهذه المخاطر بالأساليب الساذجة وغير العملية ، ولكنها لم تغفل الإشارة إلى الحل الحقيقي لهذا الوباء حيث لابد من المواجهة المسلحة... تلك هي اللغة التي يفهمها العدو دون غيرها فحصل الاشتباك وسالت الدماء ، وتغير موقف الأم التي ازدادت وعياً وإدراكاً لحقيقة هذا الخطر " عريب .. تلك نملة .. اقتليها " وكذلك في عهد أحد زملاء البطلة على أن يقضوا على النمل.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي