البرابرة ليسوا غرباء ولا يأتون من الخارج

وهيب أيوب
2011 / 12 / 26

عندما سُئل رئيس بعثة التفتيش الدولية عن أسلحة الدمار الشامل في ليبيا زمن القذافي، وبعد انتهائه من جولاته ولجنته في أنحاء ليبيا، عن نتائج بحثهم، أجاب: "لم نجِد أيّة أسلحة، ولكن هناك دمارٌ شامِل".
كان دخل ليبيا السنوي حوالي 60 مليار دولار، أهدر القذافي معظمها على أولاده وأمجاده الشخصية في أفريقيا والعالم. وكان من المفروض أن تكون ليبيا، قليلة السكان، وعالية الدخل، على أقل تعديل كالإمارات العربية أو سنغافورة أو ماليزيا.
وفي ختام المشهد الليبي في الصراع من أجل إسقاط نظام القذافي، الذي أصرّ على قتل شعبه بطرقٍ وحشية بربرية ضمانا لاستمرار سلطته، أدى إلى تدخّل حلف الناتو بدعوة من العرب والليبيين أنفسهم، وإلى تدمير ليبيا وقتل أكثر من 40 ألف ليبي، وديون لعشرات السنين المُقبِلة.
وقبل ذلك، أدى سلوك نظام الرئيس العراقي صدام حسين، الاستبدادي والوحشي البربري تجاه شعبه وجيرانه، إلى تدمير العراق ومئات آلاف القتلى والجرحى والمشوّهين، وديون بمئات مليارات الدولارات، بعد أن استدعى العرب والعراقيون أنفسهم التدخل الخارجي، فكان ما كان.
السودان "سلّة الغذاء" كما يُطلق عليها العرب، أدت سياسة نظامها الوحشي وجرائمه البربرية تجاه شعبه في الجنوب ودارفور، إلى تقسيم السودان إلى شمالٍ وجنوب. أما "دارفور الغرب"، فآتية على الطريق! والفقر المُدقع يعمّ السودان.
إنّه الحصاد الحتمي لحكم الطغاة وأنظمة الاستبداد، برابرة الداخل، سواء حكم العائلة أو الفرد أو الحزب الشمولي. والحقيقة، أن مسألة الاستعانة بالخارِج من قِبل بعض الشعوب أو الفئات، ليست مسألة طارئة وحديثة، خاصة في التاريخ العربي الإسلامي. حدث ذلك زمن الحروب الصليبية والغزوات المغولية وفي الأندلس، وفي العصر الحديث أيضاً زمن الاستعمار الفرنسي والبريطاني منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى وما بعدها.
لكن المسكوت عنه في التاريخ العربي الإسلامي أكثر من المباح به! وكان يحلو لمعظم المؤرّخين العرب والمسلمين وصف هؤلاء دائماً بأنهم عملاء للخارِج ومتعاونون مع الأجنبي.
وهذا أيضاً كان حال وصف الثورات في العالم العربي الإسلامي منذُ ثورة "الزنج" في العراق والثورة "الباباكية" وثورة القرامطة والمعتزلِة وغيرهم مِمَن ثاروا على الحيف والظلم الذي لاقوه على أيدي الخلفاء والملوك، الذين أرادوا التمسّك بحقيقة واحدة، وما عداها يُعدُّ تآمراً وخروجاً على الحاكم! فاستخدموا كل ما لديهم من قوّة قمع وقتل واضطهاد لإبعاد هؤلاء عن المشاركة في الوطن وخيراته، فكانوا أشدّ فتكاً وهمجية وبربرية من الأعداء الخارجيين.
ولو رجعنا إلى كتاب "النزعات المادية" للمفكر حسين مروّة، اللبناني الذي اغتيل على يد "حزب الله"، لوجدنا الحقائق المسكوت عنها عند باقي المؤرّخين، حيث يكشف مروّة عن حقيقة تلك الثورات وأبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت سبباً في اندلاعها.
ونستطيع اختزال الأسباب الجوهرية وراء هذه الثورات واستعانة بعضها بطرف خارجي، في جملة واحدة، الطغيان والاستبداد والإقصاء بمختلف أشكاله، الديني والعرقي والقومي، وظلم ذوي القربى هو السبب الرئيسي. هذا ليس تبريراً بقدر ما هو قراءة واقعية وموضوعية للتاريخ، كما للحاضر الذي يتكرر بصور مشابهة.
فلينظر العالم إلى سوريا اليوم، فهل من جهة بربرية خارجية تقوم بما يقوم به النظام الوحشي البربري الحالي تجاه شعبه في الداخل..؟
نظام، جيشه يقتل الناس ويدمّر البيوت وينهب الأرزاق ويشرّد السكان خارج مدنهم وقراهم، وينتهك الحرمات ويغتصب النساء، ويمنع الغذاء والدواء والعلاج، ويقطع المياه والاتصالات، ويحرق أفران الخبز ويغتال الصيادلة والأطباء، ويعتقل الناس بعشرات الآلاف ويعذّبهم بأكثر أساليب التعذيب وحشيّة وإهانة.
تُهم الخيانة والاستعانة بالخارِج، صارت بضاعة مستهلكة؛ فالذين يتعرضّون للموت والتعذيب وشبه الإبادة، لن يلتفتوا لتلك التُهم البالية، بعد أن ساهم العرب أنفسهم "الجامعة العربية" بالتواطؤ على قتلهم واستمرار مأساتهم، كما تواطأوا على انتفاضة البحرين وقمعوها ببرابرة أرسلوها من عندهم وليس من الخارِج، ثمّ على ثورة اليمن وأجهضوها. هؤلاء، لا فرق بينهم وبين النظام الاستبدادي في سوريا؛ وما أفعالهم تلك سوى محاولة يائسة لدرء الثورة في بلدانهم، التي ستأتيهم، عاجِلاً أم آجلاً.
إن الخلاص من برابرة الداخل وظلم ذوي القربى، هو وحده الذي يردع برابرة الخارِج إن وُجِدوا. فالشعوب العربية، ومنذ ردحٍ طويل من الزمن، تتعرّض لطغاة وحكّام وأنظمة أشدّ بربريّة وقسوة ووحشيّة من أعداء الخارِج.

*الجولان السوري المحتل

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية