القوى اليسارية ودورها في الربيع العربي

وهيب أيوب
2011 / 12 / 5

وهيب أيوب

1ــ هل كانت مشاركة القوى اليسارية والنقابات العمالية والاتحادات الجماهيرية مؤثرة في هذهِ الثورات؟ و إلى أي مدى؟

- لا يمكن الحديث عن القوى اليسارية والنقابات والاتحادات في العالم العربي بذات المستوى، بحيث أن لكل دول من تلك الدول التي حدثت وتحدث فيها الثورات ظروفها الخاصة التي تختلف عن الأُخرى. ففي بعض الدول مثل سوريا ، استطاع النظام الاستبدادي هناك أن يستحوذ على كل تلك النقابات والاتحادات ويجيّرها لمصلحة نظامه، ولهذا كان دورها معاكساً للثورة وليس معها ، كإتحاد العمال والفلاحين ومجمل النقابات والاتحادات والتنظيمات الأخرى التي كانت تتبع توجيهات السلطة، دون أن يكون لها أي استقلالية، مثل نقابة المحامين والصحافيين والأطباء ، إلى آخر تلك التشكيلات .... كذلك الأمر يشابهه تماماً في ليبيا ، حيث غياب تلك المؤسسات، وحصر الأمور باللجان الشعبية التي أسسها القذافي لمصلحة حكمه ونظامه. وهذا ينسحب على اليمن بدرجة أقل، لكنها أيضاً لم يكن لها الدور الأساسي في الحراك التي شهدته اليمن
وهذا أمر يختلف مثلاً في المغرب وتونس أو مصر بحيث كان هناك هامش لعمل تلك الاتحادات والنقابات، ولو أنّها جميعاً لم يكن لها الدور الأساسي في الثورة ولكنها استطاعت اللحاق بها والمشاركة والاستفادة منها، نظراً لبعض الاستقلالية التي تمتّعت بها سابقاً.

- هل كان للاستبداد والقمع في الدول العربية الموجه بشكل خاص ضد القوى الديمقراطية واليسارية دوره السلبي المؤثر في إضعاف حركة القوى الديمقراطية واليسارية؟

- بدون شك أن الأنظمة الاستبدادية في تلك الدول ، التي عملت ومنذ استيلائها على السلطة بإقصاء كل القوى اليسارية والتقدمية الديمقراطية ومارست ضدها شتى أنواع التنكيل من القتل والسجن والنفي لتخلو لها الساحة منفردةً بالسلطة، وقامت بتقوية الحركات الإسلامية على حساب هؤلاء وضربتهم من خلالها، وهذا مثلاً حصل في مصر أيام السادات كما حصل في سوريا أيام حافظ الأسد منذ منتصف السبعينيات، وقد أوضح ذلك الكاتب أبو علي ياسين في كتابه الثالوث المحرّم ، حيث يتحدّث في فصله الأخير عن سياسة حافظ الأسد في تشجيع التيار الديني على حساب قوى اليسار.

3- هل أعطت هذه الانتفاضات والثورات دروساً جديدة وثمينة للقوى اليسارية والديمقراطية لتجديد نفسها وتعزيز نشاطها و ابتكار سبل أنجع لنضالها على مختلف الأصعدة؟

- ما زال الحكم بشكل نهائي على تلك القوى مبكّراً، لكنها حُكماً ستحاول الاستفادة من هذه المرحلة التي قلبت العديد من الموازين والمفاهيم القديمة والتأسيس لمرحلة مفصلية جديدة في العالم العربي، فبعض القوى اليسارية إن لم نقل غالبيتها الساحقة، كانت تنهج وتفكّر بنفس أسلوب الأنظمة الاستبداية، من حيث الاستئثار بالحزب وتكريس زعامة الأوحد، وأشكال الإقصاء التي كانت تُمارسها ضد بعضها البعض، وداخل الحزب نفسه. إضافة أن بعضها حاول ممارسة عقلية الأنظمة في مسألة التوريث. لكن المرحلة الحالية ستفرض نفسها على الجميع بإعادة حسابات الماضي وتجاوزها لما يناسب التغيير الدراماتيكي الحاصل في الشارع العربي وقواه الفتيّة، والانتقال إلى ممارسة جديدة في العمل السياسي والحزبي والنقابي، يكون أساسه السلوك الديمقراطي ودمج الأجيال الشابة، صاحبة الحق الأكبر في تلك الثورات، والتركيز عل دور المرأة بشكل فاعل وحقيقي، ومشاركتها بجميع المؤسسات والأُطر السياسية والاجتماعية، بما فيها الترشح لرئاسة الأحزاب والنقابات، والترشح لمنصب رئاسة الدولة. وهذا أقرّه الفيلسوف ابن رشد قبل أكثر من ثمانية قرون خلت.

8ــ هل تتمكن الأحزاب اليسارية والقوى العلمانية في المجتمعات العربية من الحدّ من تأثير الإسلام السياسي السلبي على الحرّيات العامة وحقوق الإنسان وقضايا المرأة والتحرر ؟

- لا شك أن أمام الحركات اليسارية والتقدمية الديمقراطية في العالم العربي مهام جمّة وصعبة، تحتاج الكثير من العمل الدءوب في ظل صعود الحركات والتيارات الإسلامية التي تحاول الهيمنة على الحياة السياسية والاجتماعية، من خلال لعبها على الوتر الديني واستغلالها لمشاعر البسطاء من الناس. لكن هذه المسألة سيتم حسمها مستقبلاً من خلال سلوك وبرامج تلك الجماعات وما سوف تقدّمه على كافة الصُعد، خاصة الاقتصادية ولاجتماعية، من حيث ممارستها الديمقراطية من عدمه، وتعاملها مع حقوق المرأة والحريات الشخصية وحقوق الإنسان. وهنا يأتي دور الأحزاب والحركات اليسارية في تقديم أنموذج حضاري تعددي ديمقراطي وتقدمي، يضاهي الأطروحات الإسلامية ويكشف سوء استخدامها للسلطة فيما لو سيطرت على الحكم ومارست وصايتها على المجتمع.
في الأنظمة الديمقراطية، عمل المعارضة لا يقلّ أهمية عن ممارسة السلطة التنفيذيّة، ويجب أن تبقى في حالة عمل واستعداد لتكون كحكومة ظل، تكشف مثالب الممارسين للسلطة – خاصة إن كانوا من الإسلاميين- وتقديم البدائل من خلال الممارسة والعمل بين الجماهير على الأرض ومن خلال الممارسة الحزبية والنقابية ..إلخ وهذا أيضاً مطلوب منها في حال مشاركتها بأي ائتلاف حكومي داخل السلطة.
ولن يغيب عن بال كل الحركات اليسارية التقدمية بالتأكيد، استخدام وسائل العصر الحديثة من فيس بوك وتويتر وإنترنِت في توعية الناس وحشدها، حول أهمية إدراكها لحقوقها وتحقيق مطالبها وأهدافها عبر الوسائل الديمقراطية، التي من المفروض أن تقوم عليها أنظمة الحكم الجديدة، التي أفرزتها تلك الثورات.

أربعة أمور هامة من المفروض أنّها تحقّقت حتى الآن في الربيع العربي، من خلال تلك الثورات الشعبية العارِمة :
1- هدم جدار الخوف والذّل وامتهان الكرامة، التي عاشت في ظلّه تلك الشعوب لعقودٍ طويلة ، إن لم نقل لقرون، وقد أدركت الشعوب الآن حقوقها، وهي تدفع الدماء في سبيلها.
وقد صدقَ الشاعر الهندي طاغور حين قال: أن المشكلة الأساسية ليست في الفقر والجهل والتخلّف، لكنها في الخوف.
واعتقد أن هذا الجدار "البرليني" العربي قد انهار إلى الأبد وإلى غير رجعة.
2- لن يستطيع بعد اليوم أي حاكم الاستبداد بالسلطة والاستحواذ عليها بمفرده، أو هو وفئة أو مجموعة أو عائلة من حوله، وأن يؤبّد نفسه في السلطة أو يورّثها لأبنائه من بعده.
3- أعتقد أيضاً، أنّ حكم العسكر وقادة الجيوش قد ولّى، وما عادت تلك الجماهير الثائرة لتقبل بحكم العسكر واستبدادهم تحت أي ظرفٍ كان. وأن الناس خبِروا تلك الفئة جيداً، وأدركوا ذهنيتها التسلطية، فهذا أيضاً إنجاز لا شك فيه.
4- لن يستطيع بعد اليوم أي حزب شمولي أيديولوجي أن يستولي على السلطة بمفرده والمتاجرة بالقضايا الوطنية والقومية والقضية الفلسطينية بحجّة تحرير الأرض ومقارعة الإمبريالية وسواها من الشعارات الكاذِبة، فهذه سقطت جميعاً، خاصة وأن المتاجرون بها ما زالوا يسقطون واحداً تلو الآخر.

ولكن لا شك أن إنجازات الثورة الحقيقيّة لم تتحقّق بعد، والسنوات القادمة وحدها كفيلة بالكشف عن مدى ما ستحقّقه تلك "الثورات" وتنجز مشروعها الإنساني الحضاري التقدّمي، سننتظر ونرى...؟

10- بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الحوار المتمدن، كيف تقيمون مكانته الإعلامية والسياسية وتوجهه اليساري المتفتح ومتعدد المنابر؟

قد أكون منحازاً في رأيي بموقع الحوار وهذا طبيعي، ليس فقط كوني أكتب فيه، لكنني رأيت فيه منذ البداية منبراً ديمقراطياً تقدمياً أتقاطع معه في مجمل توجهاته، وهو موقع متميّز بكل المقاييس، ومهني بدرجة عالية، يحترم عمله ويؤدّيه بشكل مُحترِف، ويعطي احتراماً لكتّابه وروّاده ويهتم حتى بالتفاصيل، وهذا ليس شأن الباقين.
لا شك أن الموقع حاز على تقدير وإعجاب ملايين القرّاء، وهذا نتيجة عمله المحترِف ومصداقيته على مدى العشر سنوات المنصرِمة، ومن غير المفاجئ أن يتربع على قمّة المواقع بجدارة.

الجولان المحتل
30/11/2011

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية