هل يوجد نموذج لحكم اسلامي متفق عليه

سرحان الركابي
2011 / 11 / 5

في الحقيقة لم يرفع الاسلاميون شعار الاسلام هو الحل , الا بعد النكبات والاخفاقات والفشل الذريع الذي منيت به كل التجارب الحديثة التي سبقتهم , ابتداءا من التجربة الشبه ليبرالية للحكومات الملكية التي اسسها الاستعمار وانتهاءا بعصر القوميات الشوفينية الهجينة التي استعارت افكار النظام الاشتراكي الشيوعي وسرقت كل شعاراته , وقدمت نفسها على انها النموذج الوحيد القادر على القيام بمهام التحديث والاصلاح والتقدم واستعادة الاراضي المحتلة في فلسطين وغيرها من الاراضي المحتلة
وكان مجيْ الاسلاميين ودخولهم على الخط السياسي متاخرا نوعا ما , فقد جاؤا في وقت كان يفترض ان تكون المجتمعات العربية قد قطعت اشواطا بعيدة في التقدم , بعد موجة الانقلابات العسكرية التي اطاحت بالحكومات الملكية المتحالفة مع الاستعمار , وكان شعارها طرد الاستعمار والصهيونية والرجعية من البلاد العربية وخلق مزيد من فرص التقدم واللحاق بركب الحضاة العالمية المتصاعد ,
ان شعار الاسلام هو الحل يعني بالضرورة , ان تكون هناك سلطة اسلامية يكون دستورها الشريعة الاسلامية من القران والسنة والنبوية وسنة الخلفاء والصحابة والتابعين لهم باحسان الى يوم الدين
, فهل ثمة ما يسعفهم في التاريخ الاسلامي ويدعم منطقهم هذا ؟ , وهل ثمة نموذج معين للسلطة عند الاسلاميون سواء في الحاضر او الماضي يمكن الرجوع اليه , واعتباره النموذج الذي يمكن يوضع في خانة النموذج الامثل والاكمل للسلطة الاسلامية التي ينادون بها ؟ وما نوع السلطة التي يسعون اليها , هل هي مستمدة من نماذج التاريخ الاسلامي ام انها تقتفي اثر النماذج الحديثة ؟
هل يعقل مثلا انهم يريدون سلطة مماثلة لسلطة عمر بن الخطاب قبل 1400 عام , ام انهم يريدون سلطة مماثلة لسلطة معاوية بن ابي سفيان ؟
النماذج الحديثة للسلطة الاسلامية ليست خافية على احد , ولدينا عدة تجارب لهذه النماذج
لناخذ النموذج الايراني , فهذا النموذج رغم انه نموذج شيعي الا انه قد احدث انعطافة تاريخية كبيرة في الفكر الشيعي حتى استطاع ان يقيم نموذجه , فكان عليه ان يتجاوز مفهوم ولاية المعصوم للامة , وهو الشعار الذي رفع طوال القرون الماضية , لكن الفكر الشيعي رضخ اخيرا لهذا النموذج وحيد سلطة المعصوم او وضعها على الرف , وقبل اخير بولاية غير المعصوم استجابة لتطورات الواقع وضروراته المستجدة , ثم استعار من النظام الليبرالي الحديث مفهوم الاقتراع العام في هامش الحرية الذي تركه للامة في انتخاب برلمان ورئيس جمهورية ,
اما النموذج الثاني للدولة الاسلامية الحديثة , فهو دولة ال سعود , فهذه الدولة هي عبارة عن نظام قبلي تحالف مع رجل الدين السلفي المتشدد محمد بن عبد الوهاب , وكان تكوين الدولة يشبه الى حد ما طريقة تكوين الممالك والدويلات الاسلامية التي كانت تعيش على هامش واطراف الدولة العباسية , والاموية والعثمانية , وكان النموذج السعودي وتحت تاثير محمد بن عبد الوهاب قد اقتفى تماما طريقة الرسول في تكوين دولته وادخل المدن والقبائل في دعوته الجديدة مستعملا نفس السلاح , النص الديني مع السيف , فالنص يشرعن والسيف يقوم بمهمته بقطع الرقاب الخارجة عن الطاعة الى ان استتب الامر لال سعود , عندها وجدوا النص الديني جاهزا في انتظارهم , ( من اشتدت وطاْته وجبت طاعته )

وفي كتابه الثابت والمتحول يرصد الشاعر والمفكر العربي الكبير ادونيس منطقين او اتجاهين في الفكر العربي
الاتجاه الاول , وقد اسماه بالثابت , والاتجاه الثاني , اسماه بالمتحول , وقد تحكم هذين الاتجاهين بالفكر العربي منذ يواكير ولادته الاولى بانقداح شرارة الوحي وهيمنته على مجمل الحياة الثقافة العربية منذ ذلك اليوم والى يومنا هذا , وما شكل لحظة الافتراق بين هذين الاتجاهين تمثل بانقطاع الوحي ونضوب المدد السماوي بعد موت النبي , وانعقاد مؤتمر السقيفة الذي رجح كفة الاتجاه الاول , وجاء ليملاْ الفراغ , ويسد الثغرات التي تركها الوحي دون حل , ويكمل المشروع الالهي ويقتفي اثر سنة الرسول الذي بشر بمشروع سماوي لهذه الامة , انتهى
والملاحظ ان يوم السقيفة كان يوما تاريخيا ومفصليا في تاريخ الفكرالعربي , ففي هذا اليوم تبلورت اولى نماذج للسلطة في المخيال الجماعي , وتاْسس مفهوم المعرفة والوعي العربي الذي تشكلت على اساسه نظرة العربي الى العلم والواقع والعالم المحيط به , وقبلها لم يكن هناك أي مفهوم للسلطة في الفكر العربي سوى سلطة شيخ القبيلة ,
, وعلى الرغم من ان اجتماع السقيفة لم يضع قواعد ثابتة لحركة السلطة او نوعها او طريقة اختيارها لكنه على الاقل حدد واجباتها وعلاقتها بالمجتمع ورسم الاسس التبريرية لها , وذلك انه اوجد الاسس الشرعية لها , من خلال النصوص وربطها برابطة شرعية , لا يمكن الفكاك من قيدها , بان جعلها امتداد لسلطة النبي التي هي امتداد لسلطة الله في الارض
ويحاول العقل الارثذوكسشي السني , ان يقلل من شان الخلاف وطبيعة الصراع الذي حصل في يوم السقيفة , كما ويحاول ان ينفي عن الصراع بعده البشري باضفاء طابع قداسوي , رغم ان المنطق القبلي العشائري هو الذي انتصر في ذلك اليوم , متمثلا بكتلة الملا القريشي بقيادة عمر بن الخطاب
والملاحظة الاخرى التي يجب ان ننوه لها ان مفهوم السلطة كنظام سياسي عملي ظل يتتغير على طول الزمن , لكن اساسه الشرعي بقي راسخا ولم تتغير اسسه ,
فمن الملفت اننا شهدنا عبر التاريخ ومنذ يوم السقيفة تبلور ستة انواع من السلطة , ومع كل هذه الانواع والنماذج للسلطة ظل النص الديني يلاحق كل هذه التجارب ويشرعن لها , وهذه الحقيقة يرفضها العقل الفقهي لانها تطعن بمصداقيته التي ستختل وقد تتفكك منظومته القدسية والعقائدية فيما لو اتضح ان نصوصه التي يجهد في بلورتها , كانت تلاحق التجربة الارضية البشرية , وصراع القوى السياسية , ليشرعن لها ويمنحها بركته وقوة الزامه القدسية

ان اول سلطة تمخضت عن اجتماع السقيفة يمكن ان نطلق عليها سلطة الفلتة التي وقى الله المسلمين شرها بحسب تصريح عمر بن الخطاب , ويتمثل هذا النموذج بسلطة ابو بكر اول خليفة للرسول
والنوع الثاني من السلطة يمكن تسميته بسلطة النص او التعيين , حيث عين ابو بكر عمر بن الخطاب كخليفة له , اما النوع الثالث من السلطة والذي يمكن اعتباره حادثة فريدة في التاريخ العربي والاسلامي وهو سلطة الشورى , حيث عين عمر بن الخطاب ستة من الصحابة ليختاروا واحدا منهم يكون خليفة , ونتج عن هذه الشورى رغم بعض الملابسات التي حصلت اثناء عملية الشورى ان عين عثمان بن عفان كخليفة للرسول وللشيخين من بعده
, اما النوع الرابع من السلطة والذي سنطلق عليه بسلطة الامة او الاختيار الطوعي , فيتمثل بسلطة علي بن ابي طالب , الذي اختارته الجماهير الثائرة , وهي نفس الجماهير التي قتلت عثمان بن عفان , من دون ان يجبرها احد على اختياره , اما النوع الخامس من السلطة , والذي لابد ان نسميه بسلطة الامر الواقع , او سلطة الاستيلاء بالقوة , فيتمثل بما اسسه معاوية بن ابي سفيان من سلطة , وقد سارت الدولة الاموية على هذا النهج ثم تبعتها الدولة العباسية والعثمانية ثم الانظمة الشمولية الراهنة التي استمدت اسسها الشرعية من ذلك النظام
وقد ظل هذا النوع من السلطة هو الاكثر شيوعا وممارسة واستمرارية , حتى ان النص الديني اضطر ان يجد لهذاالنوع اساسا شرعيا , تحت قاعدة من اشتدت وطاْته وجبت طاعته

في مقابل ذلك وعند الفرق المعارضة لفريق الارثذوكسية السنية , تبلور نوع من السلطة مغاير تماما للانواع السالفة الذكر , فالسلطة عند الارثذوكسية الشيعية , تقترب من المفهوم اليوتوبي الذي لا يكاد ان يجد له موضع قدم في ارض الواقع , وتتمثل بنوع واحد فقط , وهي سلطة المعصوم المنصب والمنصوص عليه من الرسول ومن الله , ورغم ان النموذج الشيعي للسلطة , يكاد ان يحاكي تجربة علي بن ابي طالب القصيرة في المدة التي حكم بها , الا انه عمم هذه التجربة واعطاها من الاستمرارية والديمومة , عندما منحها للمعصومين من ذرية علي بن ابي طالب
اما الخوارج , فيكاد ان يكون نموذجهم للسلطة ان يقترب من النماذج الحديثة , عندما قرر ان السلطة تمنح للاكفاْ فقط ولم يشترط قرشية الخليفة او قرابته من النبي او الصحابة
بعد هذا الاستعراض البسيط للنماذج السلطوية الاسلامية , المتنوعة والمتنازعة فيما بينها , أي نموذج يريده الاسلاميون , فاذا كانوا يربدون نماذج حديثة للسلطة , الا يمكن ان يتبادر الى اذهاننا كوابيس دولة طالبان الاسلامية وحركة الشباب الصومالية , والجبهة الاسلامية في الجزائر ودولة العراق الاسلامية , وغيرها من النماذج سيئة الصيت , والتي ستدفع كل مراقب محايد ان يدق ناقوس الخطر من تلك النماذج التي يراد لها ان نتؤسس سلطة الله في الارض , تلك السلطة التي تملا الارض دما وررؤسا مقطوعة بعد ان كانت تمتلا بالطواغيت والجلادين والسجون والاعتقالات والاغتيالات وتكميم الافواه
ترى ؟ ما هي النماذج الحديثة التي يودون ان تكون قدوتهم الحسنة , واي صورة مصغرة يمكن ان يرسموا لنا مادامت نماذجهم الحديثة ما ثلة في الاذهان , وما دامت نماذجهم المثالية تثير كوابيسا من الرعب والهلع في نفوس واذهان كل المجتمعات الانسانية فضلا عن المجتمعات الاسلامية نفسها ؟؟؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت