موضوعات حول الانتهازية اليمينية والانتهازية -اليسارية-

عزالدين بن عثمان الحديدي
2011 / 9 / 26

1. الإنتهازية في الحركة العمالية أو في الحركة الشيوعية مفهوم علمي ضمن المفاهيم الأساسية لعلم الثورة الماركسي اللينيني البلشفي. قام بصياغة خطوطه العامة ماركس وانحلز،وطور لينين وستالين هذا المفهوم ليصبح ركنا أساسيا من أركان علم الثورة البرولتارية في عصر الامبريالية. عديد المؤلفات البلشفية تناولت ظاهرة الانتهازية، نذكر منها كتابات لينين "ما العمل؟" و"خطتان" و"الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" و"الثورة البرولتارية والمرتد كاوتسكي" و"المرض الطفولي للشيوعية"، وكتابات ستالين في "أسس ومسائل اللينينية" ضد التروتسكية والزينوفيفية وكتاباته ضد الإنحراف اليميني في الحزب البلشفي الذي مثله بوخارين، وكتاباته حول الإنحرافات اليمينية و"اليسارية" في المسألة القومية والكولونيالية...الخ.

2. التحريفية لا تساوي الانتهازية. هذه الأخيرة أشمل وهي الظاهرة الإجتماعية الكبرى التي يفرزها الصراع الطبقي. الانتهازية هي مجموع التيارات التي تخدم البرجوازية داخل حركة العمال، قد تأخذ الانتهازية شكل التحريفية بمعنى أنها تحرف وتراجع كل أو بعض المبادئ العامة للماركسية اللينينية تحت يافطات متنوعة مثل "التأقلم مع التطور العلمي والاجتماعي" أو "الخصوصية القومية" الخ. لذلك تعتبر مثلا البرنشتاينية والماوية والخروتشوفية تحريفية لأنها "تراجع" وتحرف الماركسية اللينينية تحت يافطة "الخصوصية الصينية" بالنسبة للماوية وتحت يافطة "التأقلم مع تطورات الرأسمالية الحديثة والعلوم" بالنسبة للبرنشتاينية والخروتشوفية.

3. وقد تتطور الانتهازية في الحركة الشيوعية دون "تحريف" صريح للماركسية اللينينية. هؤلاء هم من يسميهم لينين "قويمو المبدأ" أو "الحافظون عن ظهر قلب للماركسية"، هؤلاء دون أن "يحرفون" الماركسية اللينينية، يفرغونها من محتواها الثوري، يتمسكون بحرفية الماركسية لا بروحها، هؤلاء يحولونها إلى اصلاحية وإلى "إنتظارية". ينتقصون من دور الدعاية والتعبئة الثورية في صلب الجماهير لتحضيرها للقيام بالثورة، هم دائما يتعللون بعدم نضج الثورة وينتظرون مزيدا من "تطور قوى الانتاج". هذا النوع من انتهازية "قويمي المبدأ" مثله تاريخيا بالخصوص كاوتسكي في ألمانيا وبليخانوف في روسيا قبل 1914 لأنه بعد ذلك تحولوا إلى اشتراكيين شوفينيين سافرين. ونجد في وقتنا الراهن أيضا انتهازيون من هذا النوع سواء في الدول الامبريالية حيث يكتفون بـ"انجاز الدراسات" والنضال الاقتصادوي، أو في أقطارنا العربية حيث يقفون مكتوفي الأيدي أو في ذيل الإنتفاضات الشعبية و"ينصحون" تلك الانتفاضات بالاكتفاء ببعض المطالب "المقبولة" من البرجوازية المحلية والامبريالية، وبعدم طرح الأهداف السياسية من أجل الإطاحة بالنظم البوليسية العميلة بدعوى عدم نضج الظروف لإنجاز الثورة وخطر الرجعيات الدينية .


4. والإنتهازية تكون من حيث محتواها السياسي يمينية أو "يسارية". تكون يمينية عندما تعمل على تذييل الحركة العمالية للبرجوازية، عندما تبشر بالاصلاحية وبالتوفيق بين الطبقات، لذلك يعتبر ستالين انحراف بوخارين مثلا انحرافا يمينيا لأنه يدافع عن الكولاك وهم شريحة البرجوازية في الريف وينادي بــ"ادماجهم" في الاشتراكية. لذلك أيضا تعتبر الأممية الثالثة أن عدم القيام بنضال حازم ضد البرجوازية الوطنية وعزلها من أجل تحقيق هيمنة البرولتاريا على الثورة الوطنية الديمقراطية هو انحرافا يمينيا داخل الحزب الشيوعي الصيني. وقد كرس ماو تسيتونغ هذا الانحراف نظريا وسياسيا في كامل مجرى الثورة الصينية في إطار نظريته التحريفية حول "الديمقراطية الجديدة" التي تنادي بدكتاتورية أربع طبقات منها البرجوازية الوطنية عوضا عن الدكتاتورية الديمقراطية الثورية السوفياتية التي طرحها ستالين والأممية الثالثة. بل وكرس هذا التذيل للبرجوازية حتى فيما يسميه عبثا بناء "الاشتراكية" في الصين بالإدعاء أن البرجوازية الوطنية الصينية تقبل الاشتراكية وبأنه لا داعي لتصفيتها بل يجب "تربيتها" سلميا. وهكذا حرف ماوتسي تونغ مبدأ أساسي في الماركسية اللينينية وهو عدائية التناقض بين البرولتاريا والبرجوازية في مرحلة الاشتراكية وضرورة تصفية البرجوازية والانتقال العنيف للاشتراكية.

5. وتكون الانتهازية "يسارية" وهي في هذه الحالة تضر بحزب البرولتاريا لأنها تمنعه من تربية الجماهير وتوعيتها على أساس تجربتها النضالية الخاصة، لأنها تحرق المراحل و"تستعجل" بلوغ الهدف النهائي. هذا النوع من الانتهازية لا يفهم أن تحقيق الهدف الاستراتيجي يتطلب خططا تكتيكية متنوعة "أقل شأنا" ويتطلب استخداما ثوريا للأشكال العلنية والأشكال السرية في النضال، وإتقان فن الهجوم وفن الدفاع على حدّ سواء. وإذا ما سيطر هذا النوع من الانتهازية على حزب البرولتاريا فإنه سيؤدي به إلى هزيمة محققة لأنه يلقي كما يقول لينين بقوى الطليعة وحدها في المعركة دون أن يمنح لهذه الطليعة الفرصة لكي تجر وراءها الجماهير الغفيرة للفلاحين وأشباه البرولتاريين. ومن الأمثلة على هذا النوع من الانتهازية تلك التي تحدث عنها لينين في مؤلفه " المرض الطفولي للشيوعية" حيث ظهرت تيارات "يسراوية" بالحركة العمالية العالمية كرد فعل على الخيانة السافرة للأممية الثانية التي شاركت ونظمت المجازر للشيوعيين في ألمانيا والمجر وغيرها. وهكذا تكون الانتهازية اليسارية غالبا رد فعل غير صحيح على الانتهازية اليمينية وعلى القمع الرهيب الذي تمارسه البرجوازية والطبقات الرجعية الأخرى.

6. أما الأساس الاجتماعي للانتهازية. فهناك منبعان اجتماعيان أساسيان للانتهازية بأنواعها، المصدر الاجتماعي الأول هو مختلف شرائح البرجوازية الصغيرة المفقرة التي تسحقها الامبريالية والبرجوازية الاحتكارية فتنظم إلى الحركة الثورية لكنها تجلب معها تذبذبها وعدم ثقتها بالنصر وأحلامها الزائفة بالعودة إلى موقعها "الوسطي" و"امتيازاتها". المصدر الأساسي الثاني هو ما يسمى بالأرستقراطية العمالية أو الفئة من العمال "المتبرجزة"، البيروقراطية النقابية مثلا التي تقتات على فتات الأرباح القصوى الاحتكارية التي تجنيها البرجوازية خاصة من نهبها للمستعمرات وأشباه المستعمرات. ونحن نميز بين هاتين الفئتين خاصة لاختلاف المنشأ التاريخي والاجتماعي. لكن كلاهما يصنّف طبقيا كفئات من البرجوازية الصغيرة. ولهذا التمييز بالخصوص أهمية عندما نتطرق للفرق، على هذا الصعيد، بين الدول الامبريالية من جهة والمستعمرات وأشباه المستعمرات من جهة أخرى. ففي الدول الامبريالية تجد الانتهازية (وهي يمينية بالخصوص وهو فارق هام) أساسها الاجتماعي الأساسي في الأرستقراطية العمالية وشتى الشرائح البيروقراطية العمالية. هذا رغم تواصل المصدر الآخر للانتهازية المتمثل في البرجوازية الصغيرة المسحوقة بفعل الأزمات الاقتصادية و سطوة الاحتكارات. أما في المستعمرات وأشباه المستعمرات فإن الاستغلال الرأسمالي وشبه الاستعماري الوحشي الذي يبحث عن الأرباح القصوى لا يتيح للامبريالية والبرجوازية الوطنية إمكانية "رشوة" فئات واسعة من الطبقة العاملة. لذلك تجد الانتهازية (وهي يمينية ويسارية ) أساسها الاجتماعي بالخصوص في فئات البرجوازية الصغيرة المفقرة من فلاحين وحرفيين ملتحقين حديثا بالبرولتاريا والذين يحتفظون غالبا ببعض الأملاك في الريف أو المدينة، وفي المثقفين البرجوازيين الصغار الرافضين للهيمنة الامبريالية والمنبهرين بثورية الحزب الشيوعي والنظرية الماركسية اللينينية.

7. في مرحلة تكوين طليعة البرولتاريا، أي في مرحلة تكوين الحزب الشيوعي البلشفي، يكتسي النضال ضد الانتهازية اليمينية بالخصوص (خلافا للنضال ضد الانتهازية "اليسارية") أهمية حاسمة. لأن النضال ضد الانتهازية اليمينية أي ضد الإصلاحية والمبشرين بالوفاق الطبقي، هو ما يمنع مباشرة تشكل البرولتاريا كطبقة واعية، هو ما يمنع مباشرة العمال من إدراك هدفهم النهائي أي الشيوعية وتحطيم البرجوازية. الانتهازية اليمينية تضرب مباشرة مسألة استقلالية الطبقة العاملة عن البرجوازية ووعيها بأهدافها الطبقية، تضرب مباشرة مسألة هيمنة البرولتاريا على الثورة في المستعمرات وأشباه المستعمرات وتعمل على تذييلها لما يسمى بالبرجوازية الوطنية.

أما بعد تكوين الحزب، ومع بقاء النضال ضد الانتهازية اليمينية مسألة حاسمة وأساسية دائما، يصبح أيضا النضال ضد الانتهازية "اليسارية" حاسما من أجل جعل الحزب جماهيريا، من أجل إعداد الجماهير وتعبئتها الواسعة للثورة. لأن الانتهازية اليسارية تضرب بالضبط جماهيرية الحزب وقدرته على جرّ الفلاحين وأشباه الكادحين، لأنها تعيق الحزب عن تحضير الهجوم النهائي على الرأسمالية الامبريالية. قبل تكوين الحزب لا يكون النضال ضد الانتهازية "اليسارية" حاسما وعلى جدول الأعمال، لأن الحزب نفسه لم يوجد بعد حتى يسعى هذا النوع من الانتهازية إلى عزله عن الجماهير ومنعه من تربيتها السياسية على نطاق واسع.

عزالدين بن عثمان الحديدي - 20 سبتمبر 2011