ثورة النانو

نورالدين علاك الاسفي
2011 / 9 / 23

التكنولوجية النانوية (Nanotechnologie) أو تقانة الصغائر هي العلم الذي يهتم بدراسة معالجة المادة على المقياس الذري والجزيئي. فهي تهتم بابتكار تقنيات ووسائل جديدة تقاس أبعادها بالنانومتر وهو جزء من الألف من الميكرومتر أي جزء من المليون من الميليمتر. تتعامل التقانة النانوية عادة مع قياسات بين 0.1 إلى 100 نانومتر أي تتعامل مع تجمعات ذرية تتراوح بين خمس ذرات إلى ألف ذرة. وهي أبعاد أقل كثيرا من أبعاد البكتيريا والخلية الحية. حتى الآن لا تختص هذه التقانة بعلم الأحياء بل تهتم بخواص المواد، وتتنوع مجالاتها بشكل واسع .
التقنية النانوية في تعميم اوسع تطبيق علمي يتولى إنتاج الأشياء عبر تجميعها على المستوي الصغير من مكوناتها الأساسية، مثل الذرة والجزيئات. وما دامت كل المواد المكونة من ذرات مرتصفة وفق تركيب معين، فإننا نستطيع أن نستبدل ذرة عنصر ونرصف بدلها ذرة لعنصر آخر، وهكذا نستطيع صنع شيء جديد ومن أي شيء تقريبا. وأحيانا تفاجئنا تلك المواد بخصائص جديدة لم نكن نعرفها من قبل، مما يفتح مجالات جديدة لاستخدامها وتسخيرها لفائدة الإنسان، كما حدث قبل ذلك باكتشاف الترانزيستور. أدى تطويرها إلى ظهور ما يسمى بالشرائح الصغرية أو الـ(MicroChips) والتي أفضت إلى ثورة تقنية في جميع المجالات مثل الاتصالات والحاسوب والطب وغيرها. ليبارك المسار وصولا الى الهاتف النقال و الإنترنت، كل هذه الاختراعات يعود الفضل فيها إلى الشرائح الصغرية التي أدى ازدياد الطلب عليها إلى انخفاض أسعارها بشكل سهل دخولها في تصنيع جميع الإلكترونيات الاستهلاكية. هكذا بتنا نرى أنها تلقي بظلالها على كافة مجالات الطب الحديث والاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية وحتى الحياة اليومية للفرد العادي فهي وبكل بساطة ستمكننا من صنع أي شيء نتخيله. ولتكنولوجيا النانو عديد من التطبيقات الواسعة في مختلف القطاعات مما يعني المزيد من الكفاءة و الاستخدام الأمثل للموارد مؤثرة في ذلك تأثيرا ايجابيا على مواطني المجتمعات في البلدان المؤمنة بدور يؤديه العلم في سبيل تحسين أوضاعها الاقتصادية و الاجتماعية. تسندها الثورة الرقمية المتحكمة في حركة التنمية و تحقيق المساواة و الدفاع عن حقوق الإنسان في زمن استهلاك منتجات اقتصاد المعرفة و استيعاب متغيرات التجارة الالكترونية الحاضنة للديمقراطية الالكترونية و المواطن الالكتروني e-citizen.
فالارتقاء المجتمعي ما انفك يؤسس صرحه على مستويات مجتمع المعلومات الذي هو وليد الفيض الكثيف من المعلومات و تطبيقات المعلوماتية التي تسري داخل المجتمع لدعم أنشطته؛ و تفسير ظواهره و حل مشكلاته و تصويب أدائه.
حيث مجتمع المعرفة: القائم على استغلال المعرفة كأهم مورد لتنمية جميع القطاعات الاقتصادية و النماء الاجتماعي بصفة عامة.
و مجتمع التعلم: و هو ذروة الارتقاء المجتمعي حيث يزخر بالكثير من الكائنات القادرة على التعلم ذاتيا. بعدما أصبحت ملكة الذكاء غير مقصورة على الكائن البشري دون سواه بل أصبحت خاصية موزعة على الآلات و الأدوات و النظم و المؤسسات و ذلك بفضل هندسة الذكاء الاصطناعي و آليات التحكم التلقائي. فمجتمع التعلم المنشود له ذكاؤه الجمعي و ذاكرته الجمعية و شبكة أعصابه الجمعية التي تمثلها حاليا شبكة الانترنيت. (الفجوة الرقمية عالم المعرفة العدد318 أغسطس 2005).
هكذا فالتغيرات الاجتماعية المصاحبة لهذا الزخم التقني غيرت مفاهيم المجتمع المدني و نظرته الى العلوم و التكنولوجيا تغيرا جذريا فأصبحت العلاقة بين الثالوث: العلم و التكنولوجيا و المجتمع، علاقة مهمة و وطيدة تمثل في في جوهرها ترابطا و تكافلا مهما بحيث لا يمكن عزل احدهم عن الأخر؛ و قد أضحت التطبيقات الخاصة بالعلوم المعرفية و التطورات التكنولوجية المصاحبة العوامل الرئيسية في تقييم مدى ازدهار أي مجتمع و تعيين مقدار تقدمه و نموه. فثورة الاتصالات و تكنولوجيا المعلومات بتنا نعيش نتائجهما و تأثيرهما في الحياة الاجتماعية اليوم. على الرغم من أن ديناميكية التغييرات الاجتماعية المصاحبة للعلوم و التكنولوجية في مجتمعات الدول العربية و العالم الإسلامي عملية معقدة و ذلك لارتباطها بنسيج و ثقافة المجتمع و بالنظم الاجتماعية و العادات و التقاليد الموروث.
و البادي للعيان انه ليس بالضرورة أن تتم هذه التغييرات المصاحبة لتطبيقات تكنولوجيا النانو على النمط نفسه الذي تمت به عقب الثورات الصناعية السابقة و ذلك نظرا إلى تمتع هذه التكنولوجيا بقدر كثير من المرونة التي تؤملها لإحداث تغييرات تدريجية في طرق الصناعة المستخدمة عن طريق إدخال تعديلات مطردة و متلاحقة مما يعطي مجتمعات العالم الفرصة للاستيعاب التكنولوجي.(تكنولوجيا النانو من اجل غد أفضل عالم المعرفة العدد374 ابريل 2010).
و المتتبع للحراك العربي ما انفك يخرج بنتيجة مفادها أن كل الأنظمة تغيب عن وعيها بجهل او تعامي هذا التقدم التقني و ما يتيحه للشعوب من إمكانية لفك القيود المضروبة على حرياته لذا تراهن على الخيار الأمني قبل أن تطلق دعوات للحوار أو حديث عن الإصلاح أو الحديث إن شئت أكثر عن المطالب الشعبية فالقناعة الراسخة الخيار الأمني لقمع و إخماد كل شيء هذا هو الجاري ثم خطابات وتعليقات تهم الإصلاحات و الحال لا صوت يعلو فوق خنق هذه التظاهرة أو تلك لينتهي الأمر بالدبابات و كأننا أمام قوى أجنبية عدوة و هذا هو مصدر الشرخ أي التعامل مع الناس و كأنهم شيء خارجي أو أجنبي و البلد تتأهب له.. قتلى و تشويه جثث لا يمثل سلوك دول بل هي جرائم الكراهية أو تعبيرات على صدام الطائفي أو عشائري يخرج عن سيطرة النظام و مفهوم الدولة مما يشل بشدة عصب الحديث على الإصلاح التدريجي نحو الديمقراطية بقيادة الأنظمة و هذا ما تتكشف عوراته في مشرحة الحاسوب و برامجه العابرة للقارات.
و لعل التطبيقات الموفقة للربيع العربي في النيوميديا و الصدى الذي يخلفه الحراك العربي في العالم أثار حفيظة إسرائيل فلقد وجدت أن الربيع العربي بين طياته تستأثر القضية الفلسطينية باهتمام كبير على بعيد مدى و هو ما جعلها تولي اهتماماً بالغاً بـ«ساحات» الإعلام الجديد، بمختلف أدواته، باعتباره وسيلة «الحرب الناعمة » أمام حبل الاعتراف الاممي بالدولة الفلسطينية الذي يطوق عنقها في القادم من الأيام. لذا عملت الدولة العبرية على مواكبة الحضور الخاص في «العوالم الافتراضية» التي يحتلها الإعلام الجديد بمختلف أدواته. هذا الحضور يؤمن لاسرائيل دعماً يفوق الـ 55 في المئة من بين المدونات العالمية السياسية في مقابل 19 في المئة لمصلحة القضية الفلسطينية، بينما تقف النسبة الباقية على الحياد، بحسب استطلاع معهد «بيو» العالمي للصحافة. ولئن كان اهتمام تل أبيب بجبهة الانترنت ينعكس اجراءات أمنية ومنظومة أمن قومي الكتروني بميزانية تفوق المئة مليون دولار بحسب بيانات الحكومة الاسرائيلية، فإن الحضور المستجد للأجهزة الاسرائيلية في وسائل «الإعلام الجديد» (نيو ميديا) يستبق ترتيب ساحة رئيسية من ساحات المواجهة الإعلامية – الأمنية، قبل أي حرب مقبلة وخلالها. فالمؤسسات الاسرائيلية لا توفر اداة من ادوات الإعلام الجديد الا وتستخدمها لترويج الانتشار الأمني والعسكري في اقتناع القيادة الاسرائيلية التام بأهمية وخطورة هذا الميدان في اوقات السلم والحرب. و هذا ما نبه إليه يعقوب بيري رئيس المخابرات الأسبق في مقال له تحت عنوان " شرق أوسط موجه" (يديعوت 2011- 09-02) : "في الأشهر الأخيرة يعيش الشرق الأوسط إعصارا حقيقيا. سلسلة ثورات مدنية، معظمها غير عنيفة، تغير وجه المنطقة من الأقصى إلى الأقصى. أنظمة حتى أمس بدت كجزر من الاستقرار تختفي من على مسرح التاريخ، إصلاحات مدنية تولد. ولكن هذه ليست فقط ثورة سياسية. هذه أيضا ثورة إعلام. الشبكات الاجتماعية أصبحت القوة المركزية في إخراج الجماهير إلى الشوارع والميادين. "
و أمام موجة تغيير واسع في العالم العربي فالشعوب لا تريد أن تعيش في أجواء سابقة على الحراك العربي حيث المساس بالحريات العامة و الكرامة و الحقوق السياسية و الاجتماعية و هكذا فالشعوب طورت احتجاجاتها مستغلة ثورة الاتصال العالي التقنية و شبكات الانترنيت و مواقع التواصل الاجتماعي غير المكلفة ماديا؛ فتوق الناس إلى الحرية و الديمقراطية مشترك بين كل شعوب المعمورة و الإنسان يبقى إنسانا أينما حل و ارتحل؛ يرفض أن تقف في وجهه آية قوة تصادر طموحه إلى غد أفضل ترعاه التقنية و التقدم العلمي .

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر