بين الأزمة العميقة ولعبة تقطيع الوقت!

أحمد الديين
2011 / 9 / 20

لم يسبق أن اتضحت مظاهر الأزمة العميقة للنهج السلطوي المعرقل لمشروع بناء الدولة الكويتية الحديثة والمعيق للتطور الديمقراطي مثلما هي عليه الآن... بدءا من احتكار القرار بالتزامن مع احتدام التنافس بين الأطراف السلطوية ذاتها، مرورا بالتخبّط والعجز والقصور وعدم الكفاءة وسوء الإدارة السياسية للدولة، وصولا إلى افتضاح نهج الإفساد والفساد، وما كشفته فضيحة الرشاوى المقدّمة للنواب من انحطاط أخلاقي غير مسبوق، وما أدى إليه ذلك كله من تدهور لصدقية السلطة وتنامٍ لمشاعر الإحباط العام وفقدان للثقة في سلامة وضع المنظومة المؤسسية للدولة ونزاهة القائمين عليها.

وأصبح الوضع مقرفا بكل ما يعنيه الوصف من معانٍ ودلالات، بحيث لم يعد هناك مجال للتبريرات المتهافتة والتصريحات المتحذلقة والوعود الفارغة المعتادة، بل لعلّه قد لا يفيد حتى حلّ مجلس الأمة وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وإن كان هذا مطلبا مطروحا، ولن يكفي تغيير الحكومة، حتى وإن طال التغيير شخوصها الرئيسية مثلما هي المناداة بمطلب الحكومة الجديدة بالرئيس الجديد، لأنّ هناك شعورا عاما متناميا يرى الآن أنّ الخلل أصبح خللا هيكليا في البنية الأساسية للدولة وفي منظومتها السياسية، وليس مثلما كان الانطباع السائد سابقا بأنّه خلل إجرائي وقصور ذاتي في الأداء وسلبية في الممارسة!

ولعلّ هذا ما يفسر اتساع حجم اصطفاف القوى والأطراف الشبابية والسياسية والنيابية المعترضة على هذا الوضع البائس، وهذا ما يفسر ارتفاع نبرة الخطاب السياسي المعارض والشعارات المرفوعة من شاكلة “الإمارة الدستورية” وذلك بغض النظر عن دقّة محتوى هذا الشعار أو المطلب أو ذاك وما إذا كان محل توافق وطني حوله، هذا بالإضافة إلى تنوع أشكال الاحتجاج والتحرك، حتى وإن افتقد بعضها التنسيق المفترض وبدت تحركات متضاربة.

ويمكننا أن نلحظ أنّ النواب كانوا خلال الشهرين الأخيرين من العام الماضي هم مركز الحراك السياسي بعد تشكيل كتلة “إلا الدستور” وإقامة الندوتين المشهودتين في ديوانيتي النائبين أحمد السعدون والدكتور جمعان الحربش وما صاحبهما من أعمال استفزازية وإجراءات قمعية... وفي النصف الأول من هذا العام حدث تحوّل ملحوظ حيث أصبحت المجموعات الشبابية، بغض النظر عن تسمياتها واتفاقها أو اختلافها ونجاحاتها وإخفاقاتها، هي مركز الحركة الاحتجاجية... والجديد الآن أنّ جبهة الحراك السياسي والحركة الاحتجاجية اتسعت وأصبحت تضم نوابا معترضين لا يزالون أقلية ضمن هذا المجلس سيئ الذكر، ومجموعات شبابية محتجة متعددة الأسماء، وقوى سياسية قائمة قررت الانخراط المباشر في التحرك على مستويات مختلفة وبدرجات متفاوتة.

ومثل هذا الاصطفاف الواسع للقوى النيابية والشبابية والسياسية في ظل تعمّق أزمة النهج السلطوي من شأنه أن يزيد عزلة هذا النهج... وفي الغالب فإنّه لن يكون أمام الطرف السلطوي الرئيسي من مخرج من هذا الوضع المأزوم إلا إعادة خلط الأوراق مجددا ومحاولة اللعب على عنصر الوقت، وذلك باللجوء إلى خيار حلّ مجلس الأمة وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وهنا قد يتم خلط المزيد من الأوراق عبر محاولة فرض تقسيم جديد للدوائر الانتخابية، مثلما يتردد، وهذا ما سيؤدي إلى انشغال الأطراف النيابية والسياسية عبر مرشحيها، بل ربما حتى بعض الأطراف الشبابية، بلعبة الانتخابات فترة من الوقت، ينصرف خلالها التركيز على أزمة النهج السلطوي؛ وتتشتت فيها جهود الأطراف المحتجة على التنافس الانتخابي، وتتوقف خلالها التحركات والاحتجاجات وتتحوّل إلى ندوات للمرشحين وعملية تجميع أصوات للناخبين... وبعد ذلك يأتي تشكيل الحكومة الجديدة، وقد يشمل هذا تغيير الرئاسة في إطار لعبة بورصة الأسماء السلطوية، التي لن يختلف المقبل منها عن الحالي، وفي هذه الحالة يعود بقوة الحديث المكرر عن منح الحكومة الجديدة والمجلس الجديد فرصة من الوقت ضمن لعبة تقطيع الوقت المملة... ولأنّ الأساس الموضوعي للنهج السلطوي المأزوم سيبقى على ما هو عليه من دون تغيير، فإنّه من الطبيعي أن نعود مجددا إلى ما نحن عليه الآن، ولكن بأسماء جديدة!