النظرية البلشفية حول الثورة البروليتارية

عزالدين بن عثمان الحديدي
2011 / 8 / 14

- الجزء الثاني من كراس "الأساس المادي الجدلي والتاريخي لفكر ستالين وممارسته"

مقدمة

لم تكن ثورة أكتوبر ثورة في العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فحسب، بل كانت كذلك ثورة في إيديولوجية الطبقة العاملة معلنة انتصار الماركسية، أي اللينينية على الإصلاحية وعلى الاشتراكية الديمقراطية للأممية الثانية. لما جوبهت الاشتراكية الديمقراطية بتجسيد أفكار ماركس على أرض الواقع في شكل دكتاتورية البرولتاريا في الاتحاد السوفييتي لم يعد بإمكانها رفع راية الماركسية دون أن يؤدي ذلك إلى تهديد الرأسمالية بصورة جدية، هذا ما جعلها تقطع بصفة مكشوفة مع الماركسية وتجبر على إسقاط قناعها الانتهازي أمام أعين الطبقة العاملة وإبراز وجهها الحقيقي كعميل للبرجوازية في الحركة العمالية.

- يقول ستالين " الآن وبعد انتصار دكتاتورية البرولتاريا وبعد أن شاهد الجميع بأعينهم إلى ما يمكن أن تؤدي إليه الماركسية، لم تعد الاشتراكية الديمقراطية قادرة على التبجح براية الماركسية، لم يعد بإمكانها إعلان فكرة دكتاتورية البرولتاريا دون أن تخلق خطرا جديا على الرأسمالية. بعد قطيعتها منذ زمن طويل مع روح الماركسية، أجبرت الآن على القطع مع راية الماركسية. لقد اتخذت موقفا معاديا بوضوح ضد ثورة أكتوبر، وليد الماركسية، ضد أول دكتاتورية برولتارية في العالم...بعد الآن، الممثل الوحيد للماركسية وقلعتها الوحيدة هي اللينينية، هي الشيوعية. لكن الأمور لم تقف عند هذا الحد، فبعد رسمها خط التمايز بين الاشتراكية الديمقراطية والماركسية ذهبت ثورة أكتوبر إلى أبعد من ذلك برميها الاشتراكية الديمقراطية في معسكر المدافعين المباشرين عن الرأسمالية ضد الدكتاتورية البرولتارية الأولى في العالم. عندما ينعت السادة أدلر وباور، ولز ولفي، لونغي وبلوم "النظام السوفياتي " بأقذع النعوت مادحين "الديمقراطية البرلمانية"، فإنهم يريدون أن يظهروا بذلك أنهم يناضلون وسيواصلون النضال من أجل إعادة النظام الرأسمالي إلى الاتحاد السوفيتي ومن أجل الحفاظ على العبودية الرأسمالية قي الدول "المتحضرة". " (ستالين-الطابع العالمي لثورة أكتوبر - ترجمتنا)

- بعد تحطيم القيادة البلشفية للبرولتاريا العالمية بوفاة ستالين سنة 1953 وانقلاب خروتشوف وإعادة الرأسمالية إلى الاتحاد السوفياتي ، دمرت قلعة البرولتاريا العالمية وحرمت الجماهير الكادحة للعالم بأسره من المنارة التي تنير لها طريق الانعتاق من الاستغلال الرأسمالي وحرمت من المثال الحي لبناء مجتمع جديد، المجتمع الاشتراكي. أدى ذلك، بالإضافة إلى أطول حقبة من الرجعية السوداء وانفلات الامبريالية من عقالها، إلى انفصال مأساوي طويل وعميق بين النظرية الثورية والجماهير الكادحة في العالم، بين الماركسية اللينينية والجماهير، بين البلشفية والبرولتاريا والشعوب المضطهدة.

هذا الانفصال هو من العمق بحيث شمل على حد سواء راية الماركسية وروحها، راية البلشفية وروحها. فمن ناحية، سيطرت الاشتراكية الديمقراطية والأحزاب "الشيوعية" التحريفية، التي التحمت بها تقريبا، على الحركة العمالية في "مراكز" الامبريالية دون حاجة ودون أن تكون مضطرة إلى رفع راية الماركسية أو التخفي وراءها فضلا عن راية اللينينية أو البلشفية التي أصبحت "الطاعون عينه". وفي المستعمرات وأشباه المستعمرات سيطرت التيارات الوطنية الإصلاحية البرجوازية والبرجوازية الصغيرة على حركة التحرر الوطني. هذا فيما يتعلق براية الماركسية.

المستوى الثاني من الانفصال المأساوي بين النظرية الثورية وبين البرولتاريا والشعوب المضطهدة يتعلق بسيطرة التحريفية، بسيطرة الانحرافات اليمينية و"اليسارية" حتى على الحركة "الثورية" الضعيفة أصلا سواء في الدول الامبريالية أو بالخصوص في المستعمرات وأشباه المستعمرات. فقد شهدت العقود التي تلت القضاء على دكتاتورية البرولتاريا في الاتحاد السوفياتي انبعاث النظريات الإصلاحية الفجة للأممية الثانية والتروتسكية. هذه النظريات التي حطمتها ثورة أكتوبر ودكتاتورية البرولتاريا، التي حطمها لينين وستالين والبلشفية، عادت من جديد متخفية هذه المرة ليس بالماركسية كما هو الحال بالنسبة لانتهازيي الأممية الثانية بل "بالماركسية اللينينية" وحتى "بتطوير الماركسية اللينينية إلى مرحلة أرقى"

1- الأساس الاقتصادي للنظرية البلشفية حول الثورة البرولتارية

النظرية البلشفية عن الثورة البرولتارية لها أساس اقتصادي يتمثل في تحول الرأسمالية إلى امبريالية واحتداد تناقضات الرأسمالية إلى الحد الأقصى وامتدادها إلى العالم بأسره. هذا الأساس هو الذي يمنحها طابعها العلمي والطليعي لأنها "مؤسسة على حاجات تطور الحياة المادية للمجتمع" كما يقول ستالين (أنظر الجزء الأول من هذا الكراس). في مؤلفه أسس اللينينية يعارض ستالين أشخاصا مثل تروتسكي وزينوفييف الذين أرادوا حرمان البرولتاريا الروسية والعالمية من اللينينية بوصفها ماركسية عصر الامبريالية والثورة البرولتارية، الذين أرادوا اختزال اللينينية في "روح ثورية" أو نتاج للخصوصية الروسية ورأوا في ثورة أكتوبر مجرد "مبادرة عنيفة" وظاهرة محدودة تاريخيا. ويعود لستالين الفضل في إبراز المغزى التاريخي والبعد الأممي لثورة أكتوبر وفي الدفاع عن أعمال لينين وصياغتها في نظام نظري متكامل.

يقول لينين إن الامبريالية هي "عشية الثورة البرولتارية". هذه المقولة، حسب ستالين، تعتمد على أطروحات ثلاث :


" إن النظرية اللينينية عن الثورة البروليتارية تأخذ، كنقطة انطلاق لها، ثلاث موضوعات أساسية:

- "الموضوعة الأولى – أن سيطرة الرأسمال المالي في الأقطار الرأسمالية المتقدمة، وإصدار الأوراق المالية، من حيث هو أحدى عمليات الرأسمال المالي الرئيسية، وتصدير الرساميل نحو منابع المواد الأولية، من حيث هو أحد أسس الامبريالية والسلطان المطلق للطغمة المالية، من حيث هو نتيجة لسيطرة الرأسمال المالي، كل ذلك يكشف الصفة الطفيلية الفظة للرأسمالية الاحتكارية، ويزيد الإحساس بنير التروستات والسنديكات الرأسمالية مائة مرة، وينمي سخط الطبقة العاملة ضد أسس الرأسمالية، ويسوق الجماهير إلى الثورة البروليتارية من حيث هي وسيلة الخلاص الوحيدة (راجع " الامبريالية " بقلم لينين).

ومن هنا استنتاج أول: احتدام الأزمنة الثورية في البلدان الرأسمالية، وتعاظم عناصر الانفجار أكثر فأكثر على الجبهة الداخلية، البروليتارية، في بلدان "المتروبول" .

- "الموضوعة الثانية - أن تصدير الرساميل المتعاظم إلى البلدان المستعمرة والتابعة، وتوسيع "مناطق النفوذ" والممتلكات المستعمرة حتى شملت مجموع الكرة الأرضية، وتحوّل الرأسمالية إلى نظام عالمي قوامه الاستعباد المالي والاضطهاد الاستعماري لأكثرية السكان العظمى في الكرة الأرضية من قبل قبضة من البلدان "المتقدمة" – كل ذلك أدّى، من جهة، إلى جعل مختلف الاقتصاديات الوطنية ومختلف الأراضي الوطنية، حلقات من سلسلة واحدة اسمها الاقتصاد العالمي، وأدى من جهة أخرى إلى تقسيم سكان الكرة الأرضية إلى معسكرين: إلى قبضة من البلدان الرأسمالية "المتقدمة" التي تستثمر وتضطهد المستعمرات الشاسعة والبلدان التابعة، إلى أكثرية عظمى من البلدان المستعمرة والتابعة المضطرة إلى القيام بنضال في سبيل التحرر من النير الامبريالي (راجع " الامبريالية ").

من هنا استنتاج ثانٍ: احتدام الأزمة الثورية في البلدان المستعمرة، وتعاظم عناصر التمرد أكثر فأكثر ضد الامبريالية على الجبهة الخارجية، جبهة المستعمرات.

- "الموضوعة الثالثة – إن الامتلاك الاحتكاري لـ"مناطق النفوذ" وللمستعمرات، وتطور البلدان الرأسمالية تطوراً غير متساوي مما يؤدي إلى نضال وحشي من أجل تقسيم العالم تقسيماً جديداً بين البلدان التي سبق لها أن استولت على أراضي والبلدان التي ترغب في نيل "حصتها"، والحروب الامبريالية من حيث هي الوسيلة الوحيدة لإعادة "التوازن" المفقود - كل ذلك يؤدي إلى احتدام النضال على الجبهة الثالثة، بين الدول الرأسمالية، مما يضعف الامبريالية ويسهل اتحاد الجبهتين الأوليتين ضد الامبريالية: الجبهة البروليتارية الثورية وجبهة تحرير المستعمرات (راجع " الامبريالية ").

ومن هنا استنتاج ثالث: حتمية الحروب في عهد الامبريالية ، وحتمية تكتل الثورة البروليتارية في أوروبا مع ثورة المستعمرات في الشرق، فتؤلف الاثنتان جبهة الثورة الموحدة العالمية ضد جبهة الامبريالية العالمية." (ستالين – أسس اللينينية)

2- الثورة البرولتارية كنتيجة لانقطاع سلسلة الجبهة الامبريالية العالمية في حلقتها الأضعف

اعتمادا على أعمال لينين، يحلل ستالين شروط اندلاع وتطور الثورة البرولتارية في عصر الامبريالية مبينا إفلاس نظريات فقهاء الأممية الثانية وحساباتهم الإحصائية عن النسبة المئوية البروليتارية في تركيب السكان، في هذا البلد بمفرده أو ذاك، هؤلاء الانتهازيون الذين لم يفهموا ما هي الامبريالية والذين "يخافون الثورة كما يخافون الطاعون".

في المقابل، بالنسبة للبلاشفة، بالنسبة للينين وستالين، يجعل التطور الحتمي للشروط الموضوعية المساعدة على نشوء المعارك الثورية الكبرى للبرولتاريا من الضروري تهيئة البرولتاريا لانجاز مهامها التاريخية خلال مراحل "الهدوء" النسبي، حتى تكون جاهزة "للتدخل"، للانقضاض زمن الأوضاع التاريخية الثورية. ويعني ذلك أساسا تنظيم البرولتاريا سياسيا كطبقة، الاعتماد على نظرية ثورية "تعكس بصدق حاجات تطور حياة المجتمع المادية" (ستالين) وتبين علاقات الأحداث الجارية ورؤى مختلف الطبقات واتجاهات تحركها، تطوير التحالف مع الفلاحين الفقراء وقدرة البرولتاريا على ممارسة هيمنتها وقيادتها للجماهير الكادحة.

إن تحضير البرولتاريا لانجاز مهامها التاريخية خاصة في ظروف عصر الامبريالية يقتضي إعادة النظر في العقائد الانتهازية مثل تلك التي كانت سائدة في الأممية الثانية أو التي تسود الآن ومنذ الردة الكبرى بعد وفاة الرفيق ستالين.

" وتبعاً لذلك، يتغير ذات الشكل الذي توضع به مسألة الثورة البروليتارية، مسألة طبيعية هذه الثورة، ومداها، وعمقها؛ تتغير اللوحة الإجمالية للثورة بوجه عام.

- " فقبلاً، كان تحليل الظروف التي تسبق الثورة البروليتارية يجري عادة من وجهة نظر الوضع الاقتصادي لهذا البلد أو ذاك مأخوذاً بمفرده. أما الآن، فإن هذا الشكل في معالجة القضية لم يعد كافياً. فينبغي الآن مجابهة الأمر من وجهة نظر الحالة الاقتصادية في مجموع البلدان، أو في أكثريتها، من وجهة نظر الحالة الاقتصادية في مجموع البلدان، أو في أكثرها، من وجهة نظر حالة الاقتصاد العالمي، لأن مختلف البلدان ومختلف الاقتصاديات الوطنية لم تعد وحدات تكفي نفسها بنفسها، بل أصبحت حلقات في سلسلة واحدة أسمها الاقتصاد العالمي، لأن الرأسمالية القديمة "المتمدنة" تطورت إلى امبريالية، والامبريالية هي نظام عالمي قائم على الاستعباد المالي والاضطهاد الاستعماري لأكثرية السكان العظمى في الكرة الأرضية من قبل قبضة من البلدان "المتقدمة".

- " قبلا، جرت العادة أن يتناول الكلام وجود أو غياب ظروف موضوعية لأجل الثورة البروليتارية في كل بلد، أو، على الأصح، في هذا البلد المتطور أو ذاك. أما الآن. فإن وجهة النظر هذه لم تعد كافية. فينبغي الكلام الآن عن وجود أو غياب ظروف موضوعية لأجل الثورة في مجموع نظام الاقتصاد الامبريالي العالمي، من حيث هو كل، وعلى هذا، فإن وجود بعض البلدان غير متطورة بصورة كافية من الناحية الصناعية، في جسم هذا النظام، لا يمكن أن يكون عائقاً لا يُذلل في وجه الثورة، ما دام النظام بمجموعه، أو على الأصح لأن النظام بمجموعه، قد نضج لأجل الثورة.

- " قبلا، كانت العادة أن يجري الكلام عن الثورة البروليتارية في هذا البلد المتطور أو ذاك، من حيث هي مقدار بذاته، مقدار مطلق يكفي نفسه بنفسه، ويعارض جبهة وطنية معينة للرأسمال، كما هي الحال في قطبين متعارضين متقاطرين. أما الآن، فإن وجهة النظر هذه لم تعد كافية فينبغي الكلام الآن عن الثورة البروليتارية العالمية، ذلك لأن جبهات الرأسمالية الوطنية المختلفة أصبحت حلقات في سلسلة واحدة اسمها جبهة الامبريالية العالمية التي ينبغي أن تعارضها الجبهة المشتركة للحركة الثورية في جميع البلدان.

- " قبلا، كانت الثورة البروليتارية تعتبر نتيجة للتطور الداخلي وحده في بلد معين. أما الآن، فإن وجهة النظر هذه لم تعد كافية فالآن ينبغي اعتبار الثورة البروليتارية قبل كل شيء كنتيجة لتطور التناقضات في النظام العالمي للامبريالية، كنتيجة لانقطاع سلسلة الجبهة الامبريالية العالمية في هذا البلد أو ذاك.
أين ستبدأ الثورة؟ أين، في أي بلد قبل غيره، يمكن خرق جبهة الرأسمال؟
هناك حيث الصناعة أكثر تطوراً، حيث البروليتاريا تؤلف الأكثرية، حيث الثقافة أكثر، والديمقراطية أكثر،... هكذا كان الجواب قبلاً، بوجه عام."

- إن الإفلاس النظري لانتهازيي الأممية الثانية قد أثبته كل التاريخ المعاصر للحركة الثورية العالمية وفي مقدمتها الثورة الروسية التي يمكن اعتبارها درسا أكاديميا حول صحة النظرية البلشفية حول الثورة البرولتارية.

" غير أن النظرية اللينينية عن الثورة تعارض ذلك وتجيب: كلا! ليس بالضرورة هناك حيث الصناعة أكثر تطوراً، الخ. إن جبهة الرأسمال ستُخرق هناك حيث سلسلة الامبريالية أضعف، لأن الثورة البروليتارية هي نتيجة لانقطاع سلسلة الجبهة الامبريالية العالمية في أضعف مكان فيها، وعلى هذا، فمن الممكن أن يحدث أن البلد الذي بدأ الثورة، البلد الذي خرق جبهة الرأسمال، هو، من الناحية الرأسمالية، أقل تطوراً من البلدان الأخرى التي هي أكثر تطوراً والتي بقيت مع ذلك في نطاق الرأسمالية.
في عام 1917، كانت سلسلة الجبهة العالمية الامبريالية في روسيا أضعف منها في البلدان الأخرى، وهناك انقطعت وفتحت الطريق للثورة البروليتارية. فلماذا؟ لأن روسيا كانت تجري فيها أكبر ثورة من الثورات الشعبية، ثورة تسير في رأسها بروليتاريا ثورية لديها مثل هذا الحليف الجدي الذي هو ملايين الفلاحين المضطهدين المستثمرين من قبل كبار ملاكي الأراضي، لأن خصم الثورة هناك كان ذلك الممثل البشع للامبريالية، وهو القيصرية المحرومة من كل وزن معنوي والتي استحقت حقد جميع السكان. لقد حدث أن كانت السلسلة في روسيا أضعف، رغم أن روسيا كانت، من الناحية الرأسمالية، أقل تطوراً، مثلاً، من فرنسا أو ألمانيا، من انكلترا أو أميركا."

- إن الظروف الموضوعية للثورة البرولتارية متوفرة في جميع مكونات أو حلقات الاقتصاد العالمي، في جميع الدول الدائرة في فلك الامبريالية، سواء في بلدان "المتروبول" أو في المستعمرات وأشباه المستعمرات.

" وأين ستنقطع السلسلة في المستقبل القريب؟ كذلك هناك حيث ستكون أضعف. ليس من المستبعد أن تنقطع السلسلة مثلاً في الهند. ولماذا؟ لأن هناك بروليتاريا ثورية فتية ملتهبة، ولها حليف هو حركة التحرر الوطني، وهو حليف خطير الشأن دون جدال، وجدي دون جدال. ولأن الثورة، في هذا البلد، لها هذا الخصم المعروف عند الجميع وهو الامبريالية الأجنبية المحرومة من كل نفوذ معنوي والتي استحقت حقد جميع الجماهير المضطهدة والمستثمرين في الهند.
كذلك من الممكن تماماً أن تنقطع السلسلة في ألمانيا، لماذا؟ لأن العوامل التي تعمل في الهند مثلاً، بدأت تعمل في ألمانيا أيضاً. ومن الواضح أن الفرق العظيم بين مستوى تطور الهند ومستوى تطور ألمانيا لا يمكن إلا أن يترك طابعه على سير الثورة وعلى مخرجها في ألمانيا.

وبكلمة، ينبغي، كقاعدة عامة، أن تنقطع سلسلة الجبهة الامبريالية، هناك حيث حلقات السلسلة هي أضعف، وعلى كل حال، ليس من ضروري أن تنقطع هناك حيث الرأسمالية أكثر تطوراً، وحيث النسبة المئوية للبروليتاريا هي كذا، ونسبة الفلاحين كذا، وما إلى ذلك".(ستالين – أسس اللينينية)

3- النظرية البلشفية حول تحويل الثورة الديمقراطية إلى ثورة برولتارية أو نظرية "الثورة المستمرة"

كان انتهازيو الأممية الثانية والمنشفيك الروس يؤمنون بحتمية سيطرة الطبقة البرجوازية على الثورة الديمقراطية البرجوازية وكانوا يسلمون لتلك الطبقة المساومة والاصلاحية عن "طواعية" بقيادة "الثورة" ومن ثمة يسلمون لها جماهير العمال وخاصة جماهير الفلاحين لاستخدامهم كوقود من أجل فرض إصلاحات ديمقراطية. كانوا يعتبرون البرولتاريا غير معنية بالهيمنة على الثورة الديمقراطية البرجوازية وقيادتها وكانوا بذلك يحرمون البرولتاريا، طليعة كل الشغيلة الكادحة، من حليف بمثل قوة الفلاحين. الأساس النظري لهذا التكتيك الانتهازي اليميني يكمن في الكاوتسكية والاقتصادوية أو ما يسمى بــ"نظرية قوى الانتاج" التي تقيم سورا صينيا، عهدا تاريخيا كاملا بين الثورة الديمقراطية البرجوازية والثورة الاشتراكية تتطور خلاله قوى الإنتاج و"تنضج الثورة الاشتراكية". وفي الحقيقة ما كان ينضج هو خيانتهم للبرولتاريا وانتقالهم من تيار إصلاحي في الحركة العمالية إلى مدافعين سافرين عن الامبريالية وحروبها الاستعمارية.

لقد افتضح مداحو الامبريالية وحل عصر الثورات البرولتارية الذي دشنته ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى التي انتصرت في سياق تحويل الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى ثورة اشتراكية، كنتيجة لهيمنة البرولتاريا على الثورة الديمقراطية البرجوازية وقيادتها وتوطيدها للتحالف مع الفلاحين. العنصر الحاسم والوحيد في مسألة تحويل الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى ثورة اشتراكية هو كما يقول لينين " درجة استعداد البروليتاريا ودرجة اتحادها مع الفلاحين".

بعد وفاة الرفيق ستالين بعثت نظرية "قوى الإنتاج" الانتهازية اليمينية من جديد وانتشرت أطروحات المنشفيك المعاصرين مثل أطروحة "الديمقراطية الجديدة" الماوية التي تبشر البرولتاريا بــ"عهد تاريخي كامل من الدكتاتورية "المشتركة" مع البرجوازية" ريثما تتطور قوى الإنتاج و "تنضج الثورة الاشتراكية". وأطروحة "الديمقراطية الوطنية" الخروتشوفية التي لا ترى داعيا "لدكتاتورية الأربع طبقات" الماوية وتكتفي بتحريض البرولتاريا على دعم برجوازيتها أو مثقفي بلدها البرجوازيين الصغار الذين سيسلكون "طريقا لارأسماليا". أو أولئك الذين يدعون البرولتاريا "إلى النضال من أجل بناء اقتصاد وطني ذو أفق اشتراكي".

الأساس النظري لكل هذه الأطروحات هو الكاوتسكية والانحراف الاقتصادوي للأممية الثانية. وقد كانت نتيجة هيمنة هذه الأطروحات الانتهازية لأكثر من نصف قرن، عشرات الملايين من البرولتاريا والفلاحين الذين ملئوا مقابر الصين والهند وأندونيسيا والفلبين ومصر والعراق وسوريا...الخ واستخدموا كوقود للبرجوازية في "ثورتها" الوطنية.

- يقول ستالين " وبعد، فإن أبطال الأممية الثانية كانوا يؤكدون (وما زالوا يؤكدون) أن بين الثورة الديمقراطية البرجوازية من جهة، والثورة البروليتارية من جهة أخرى، هوة، أو على كل حال، سوراً مثل سور الصين يفصل إحداهما عن الأخرى بفترة من الزمن طويلة كثيراً أو قليلاً، تعمل فيها البرجوازية التي تصل إلى الحكم على تطوير الرأسمالية، بينما تكدس البروليتارية قواها وتستعد "للنضال الحاسم" ضد الرأسمالية. ويقدرون هذه الفترة، عادة بعشرات السنين، إن لم يكن بأكثر من ذلك. فهل بنا من حاجة إلى البرهان على أن "نظرية" سور الصين هذه هي، في ظروف الامبريالية، خالية من كل معنى علمي وأنها ليست، ولا يمكن أن تكون، سوى وسيلة لتغطية ولتزيين الشهوات المعادية للثورة لدى البرجوازية؟ "

- و يستشهد ستالين بكراس "الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي" وفيه يستنتج لينين ويحوصل النظرية البلشفية حول تحويل الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى ثورة اشتراكية :

"إن كل شيء قد جرى بالضبط كما قلنا، إن مجرى الثورة قد أثبت صحة تفكيرنا.. ففي البداية مع "كل" جماهير الفلاحين ضد النظام الملكي، ضد كبار ملاكي الأراضي، ضد الإقطاعية (وبذلك تبقى الثورة برجوازية، ديمقراطية برجوازية). وبعدئذ مع الفلاحين الفقراء، مع أشباه البروليتاريين، مع جميع المستثمرين، ضد الرأسمالية بما فيها أغنياء الريف والكولاك والمحتكرون، وبذلك تصبح الثورة اشتراكية. أما أن يراد إقامة سور صيني بصورة مصطنعة بين الواحدة والأخرى والفصل بينهما بأي شيء سوى درجة استعداد البروليتاريا ودرجة اتحادها مع الفلاحين الفقراء، فتلك هي غاية ما يمكن أن يصل إليه تشويه الماركسية وابتذالها وإحلال الليبرالية محلها". (المجلد 23، صفحة 391).

- وبالتوازي مع فضح الانحراف اليميني للمنشفيك وأبطال الأممية الثانية، فضح البلاشفة خطورة الانحراف "اليساري" المتمثل في نظرية "الثورة الدائمة" كما شوهها تروتسكي وأتباعه. وبعد رسمه لخطوط التمايز بوضوح ودقة متناهيين مع الانحراف اليميني، يبين ستالين فيما يلي الفرق بين نظرية لينين حول الثورة المستمرة أو تحويل الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى ثورة اشتراكية، وبين النظرية نصف المنشفيكية لتروتسكي التي تنتقص من الطاقات الثورية للفلاحين وتنتقص بالخصوص من قدرة البرولتاريا على قيادة الفلاحين:

" لينين كان يقترح "الاستفادة إلى النهاية" من الكفاءات الثورية لدى جماهير الفلاحين واستخدام طاقتها الثورية عن آخرها لتصفية القيصرية تصفية تامة وللانتقال إلى الثورة البروليتارية. هذا، في حين لم يكن أنصار الثورة الدائمة يفهمون دور جماهير الفلاحين العظيم الأهمية في الثورة الروسية، كانوا يستصغرون قوة الطاقة الثورية لدى جماهير الفلاحين، كانوا يستصغرون قوة البروليتاريا الروسية وكفاءتها على جر جماهير الفلاحين وراءها. وهكذا جعلوا من الأصعب قضية تحرير جماهير الفلاحين من نفوذ البرجوازية، قضية جمع جماهير الفلاحين حول البروليتاريا.

" ذلك لأن لينين كان يقترح تتويج عمل الثورة بانتقال الحكم إلى البروليتاريا. بينما أنصار الثورة "الدائمة" يبغون البدء رأساً بحكم البروليتاريا، فما كانوا يدركون أنهم بذلك يغمضون أعينهم عن هذا "الواقع البسيط" وهو بقايا الإقطاعية ولا يحسبون حساب هذه القوة العظيمة الأهمية التي هي جماهير الفلاحين الروس، ما كانوا يدركون أن سياسة كهذه ما كان من الممكن إلا أن تعرقل قضية كسب جماهير الفلاحين إلى جانب البروليتاريا. وإذن، فلينين لم يكن يحارب أنصار الثورة "الدائمة"، حول قضية استمرار الثورة، إذ أن لينين نفسه كان يتمسك بوجهة نظر الثورة المستمرة، بل كان يحاربهم لأنهم كانوا يستصغرون دور جماهير الفلاحين، الذين هم أعظم احتياطي للبروليتاريا، ولأنهم ما كانوا يفهمون فكرة زعامة البروليتاريا."(أسس اللينينية)

- أدى صواب خطة لينين والبلاشفة في استخدام الثورة الديمقراطية البرجوازية لتحضير شروط هيمنة البرولتاريا على الثورة والانتقال إلى الثورة الاشتراكية إلى نتائج باهرة :

" في روسيا، فعلى العكس من ذلك، أعطت الثورة البرجوازية نتائج معاكسة على خط مستقيم. فالثورة في روسيا لم تقو البرجوازية، بل أضعفتها من حيث هي قوة سياسية، ولم تزد قواها الاحتياطية السياسية، بل أفقدتها احتياطها الأساسي، أفقدتها الفلاحين. أن الثورة البرجوازية في روسيا لم تضع البرجوازية الليبرالية في الصف الأول، بل وضعت في الصف الأول البروليتاريا الثورية، وجمعت حولها جماهير الفلاحين الغفيرة.
وهذا من جملة ما يفسر كون الثورة البرجوازية في روسيا تحولت، خلال فترة من الزمن قصيرة نسبياً، إلى ثورة بروليتارية، وكانت سيادة البروليتاريا هي بذرة دكتاتورية البروليتاريا، كانت هي السلّم الذي سمح بالانتقال إلى دكتاتورية البروليتاريا."

*علم قيادة نضال البرولتاريا الثوري

- لا يمكن أن ننهي هذه الفقرة عن النظرية البلشفية حول تحويل الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى ثورة اشتراكية دون أن نؤكد على أن الثورات الروسية الثلاث وتطور الثورة العالمية بعد ثورة أكتوبر أثبتت صحة القيادة الإستراتيجية والتكتيكية للبلاشفة الذين بقيادة لينين وستالين، طوروا علم الاستراتيجيا والتكتيك أو "علم قيادة نضال البرولتاريا الثوري" الذي بدأ ماركس وانجلز برسم بعض خطوطه الكبرى ووقع طمسه وتشويهه من طرف انتهازيي الأممية الثانية.
يعرف ستالين في أسس اللينينية الإستراتيجية بأنها "تحديد اتجاه الضربة الرئيسية للبروليتاريا على أساس مرحلة معينة من الثورة، ووضع برنامج مناسب لترتيب القوى الثورية (الاحتياطات الرئيسية والثانوية)، والنضال في سبيل تحقيق هذا البرنامج طوال تلك المرحلة المعينة من الثورة."

ويعرف التكتيك بأنه " تعيين خطة سلوك البروليتاريا خلال مرحلة قصيرة نسبياً، مرحلة مد الحركة أو جزرها، نهوض الثورة أو هبوطها، والنضال من أجل تطبيق هذه الخطة باستبدال أشكال النضال والتنظيم القديمة بأشكال جديدة، والشعارات القديمة بشعارات جديدة، وبالتوفيق بين هذه الأشكال، الخ..."

- لقد تم الانتقال من مرحلة الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى مرحلة الثورة الاشتراكية على أساس مراحل استراتيجية وضعت بدقة استنادا إلى تحليل علمي ملموس للواقع الملموس. في أسس اللينينية يرسم ستالين بعبقرية متناهية ثلاث لوحات أو مراحل إستراتيجية للثورة الروسية.

" لقد اجتازت ثورتنا مرحلتين ودخلت بعد ثورة أكتوبر في المرحلة الثالثة. وقد تغيرت الإستراتيجية تبعاً لذلك.

- "المرحلة الأولى – من 1903 إلى شباط 1917 – الهدف: القضاء على القيصرية، وتصفية بقايا القرون الوسطى تصفية تامة. القوة الأساسية للثورة: البروليتاريا. الاحتياطي المباشر: جماهير الفلاحين. اتجاه الضربة الأساسية: عزل البرجوازية الملكية الليبرالية، التي تسعى لكسب الفلاحين ولتصفية الثورة عن طريق اتفاق مع القيصرية. برنامج ترتيب القوى: تحالف الطبقة العاملة مع جماهير الفلاحين. "يجب على البروليتاريا أن تحقق الثورة الديمقراطية إلى النهاية، بضم جماهير الفلاحين إليها، من أجل سحق مقاومة الأوتوقراطية بالقوة، وشل تذبذب البرجوازية" (لينين: خطتان للاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية ، المؤلفات الكاملة، المجلد 8، ص 96 الطبعة الروسية).

- "المرحلة الثانية – من آذار 1917 إلى أكتوبر 1917 ـ الهدف: القضاء على الامبريالية في روسيا والخروج من الحرب الامبريالية. القوة الأساسية للثورة : البروليتاريا. الاحتياطي المباشر: الفلاحون الفقراء. احتياطي محتمل: بروليتاريا الأقطار المجاورة. اللحظة المناسبة: الحرب التي استطالت وأزمة الامبريالية. اتجاه الضربة الأساسية : عزل الديمقراطية البرجوازية الصغيرة (المنشفيك، الاشتراكيين الثوريين) التي تسعى لكسب جماهير الفلاحين الكادحين وإنهاء الثورة عن طريق اتفاق مع الامبريالية. برنامج ترتيب القوى: تحالف البروليتاريا مع الفلاحين الفقراء." يجب على البروليتاريا أن تحقق الثورة الاشتراكية بضم جماهير العناصر شبه البروليتارية من السكان إليها، من أجل تحطيم مقاومة البرجوازية بالقوة، وشل تذبذب الفلاحين والبرجوازية الصغيرة" ( لينين المصدر السابق نفسه).

- "المرحلة الثالثة ـ وقد بدأت بعد ثورة أكتوبر. الهدف: توطيد دكتاتورية البروليتاريا في بلد واحد، واستخدامها كنقطة استناد للقضاء على الامبريالية في جميع البلدان. لقد خرجت الثورة من نطاق بلد واحد، وبدأ عهد الثورة العالمية. القوى الأساسية للثورة: دكتاتورية البروليتاريا في بلد واحد، والحركة الثورية للبروليتاريا في جميع البلدان.
الاحتياطات الرئيسية: جماهير أشباه البروليتاريين والفلاحين الصغار في البلدان المتطورة، والحركة التحررية في المستعمرات والبلدان التابعة. اتجاه الضربة الأساسية: عزل الديمقراطية البرجوازية الصغيرة، عزل أحزاب الأممية الثانية التي تؤلف السند الأساسي لسياسة الاتفاق مع الامبريالية، برنامج ترتيب القوى تحالف البروليتاريا مع الحركة التحررية في المستعمرات والبلدان التابعة." (أسس اللينينية)

الدور الحاسم للسوفياتات: 4- "هيمنة البروليتاريا في الثورة هي بذرة دكتاتورية البروليتاريا"

في حوار مع الوفد العمالي الأمريكي في سبتمبر 1927، أكد ستالين أن من بين الإضافات الأساسية
للينينية إلى نظرية ماركس هي مسألة هيمنة البرولتاريا سواء في الثورة الديمقراطية البرجوازية أو الثورة الاشتراكية.

" في مستوى رابع، نجد مسالة هيمنة البرولتاريا في الثورة، في كل ثورة شعبية، سواء تلك الموجهة ضد القيصرية أو تلك الموجهة ضد الرأسمالية. قام ماركس وانجلز بوضع خطوط عريضة لنظرية هيمنة البرولتاريا. والجديد بالنسبة للينين هو أنه طور بصورة كبيرة تلك الخطوط العريضة وجعل منها نسقا منسجما اسمه هيمنة البرولتاريا، اسمه القيادة البرولتارية التي تمارس على الجماهير الكادحة في المدينة والريف وذلك سواء فيما يتعلق بالقضاء على القيصرية والرأسمالية أو في اتجاه البناء الاشتراكي في ظل نظام دكتاتورية البرولتاريا. نعلم أن هيمنة البرولتاريا قد طبقت بيد معلم خبير من طرف لينين وحزبه في روسيا. وهذا ما يفسر، بالإضافة إلى أشياء أخرى لماذا أوصلت الثورة الروسية البرولتاريا الى السلطة" (حوار مع الوفد العمالي الأمريكي سبتمبر 1927_ ترجمتنا).

- ويبين ستالين كيف أنه في السابق كان العمال يحاربون في المتاريس ويريقون دمائهم خلال الثورة ويطيحون بالنظام القديم، لكن السلطة تؤول إلى أيدي البرجوازية التي تواصل بعد ذلك اضطهاد واستغلال العمال. ويعطي ستالين مثال انجلترا وفرنسا في القرن التاسع عشر ومثال ألمانيا بعيد الحرب الأولى.

وبعد الهزيمة الكبرى التي منيت بها البرولتاريا العالمية بعد وفاة الرفيق ستالين وانقلاب العصابة التحريفية على القيادة البلشفية فقدت البرولتاريا في جميع البلدان هيمنتها على الثورات الشعبية سواء في المستعمرات وأشباه المستعمرات أو في البلدان الامبريالية. ودفع العمال في جميع أنحاء العالم الثمن غاليا من دمائهم وكانوا وقودا لثورات "الديمقراطية الجديدة" الماوية وثورات "الديمقراطية الوطنية" الخروتشوفية في الصين وفي الهند واندونيسيا ومصر الناصرية والعراق وسوريا البعث وأمريكا اللاتينية. في جميع هذه "الثورات" أطاح العمال والفلاحون بالأنظمة القديمة وقدموا ملايين الشهداء لكي " تؤول السلطة إلى أيدي البرجوازية التي تواصل بعد ذلك اضطهاد واستغلال العمال" كما يقول ستالين.

ما كان ينقص هذه الثورات، إلى جانب أشياء أخرى، هو هيمنة البرولتاريا على الثورة الديمقراطية من أجل تحويلها إلى ثورة برولتارية، من أجل أن "تؤول السلطة" إلى أيدي البرولتاريا بدل البرجوازية. لتحقيق هذا الهدف تلعب السوفياتات (مجالس العمال والفلاحين) دورا حاسما. لا هيمنة للبرولتاريا على الثورة ولا إمكانية لتحويل الثورة الديمقراطية البرجوازية (أو الوطنية الديمقراطية كما يقال غالبا عندنا) إلى ثورة برولتارية دون تبني السوفياتات كأداة لتنظيم الجماهير، كأداة لقيادة البرولتاريا للفلاحين، كأداة لانتزاع هؤلاء من تحت نفوذ البرجوازية، كجهاز للانتفاضة المسلحة وسحق مقاومة البرجوازية، كجهاز لتدمير جهاز الدولة البرجوازي، كجهاز للدكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين ثم كجهاز لدكتاتورية البرولتاريا.

في جميع تلك الثورات وقع تصفية النظرية البلشفية، نظرية لينين وستالين والأممية الثالثة، حول الثورة من الطراز السوفياتي في المستعمرات وأشباه المستعمرات أي الثورة الديمقراطية المعادية للامبريالية التي تفضي إلى تحطيم جهاز الدولة الاستعماري أو شبه الاستعماري وتركيز الدكتاتورية الديمقراطية الثورية للعمال والفلاحين على قاعدة السوفياتات ومن ثمة الشروع في تحويل الثورة إلى دكتاتورية البرولتاريا السوفياتية. في جميع تلك "الثورات" لم يطبق "الشيوعيون" أو لم يتمكنوا من تطبيق واجبهم الذي حملهم إياه لينين في المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية بالدعاية لفكرة السوفياتات والعمل على إحداثها ونشرها في إطار أفق القطع مع الامبريالية والالتحام بمنظومة الثورة البرولتارية العالمية.

إن تبني شعار البرلمان البرجوازي و المجلس التأسيسي في إطار الثورة الديمقراطية المعادية للامبريالية (أو الثورة الوطنية الديمقراطية) والتخلي عن شعار الدكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين على قاعدة السوفياتات، يعني التخلي عن هيمنة الطبقة العاملة في الثورة وإخضاعها مع جماهير الفلاحين لهيمنة البرجوازية، يعني جعل البرولتاريا "مجرد وقود للثورة"، يعني أن المهام الديمقراطية نفسها، القطع مع الامبريالية نفسه لن تنجز إلى النهاية فضلا عن تحويل الثورة الديمقراطية إلى ثورة اشتراكية. وإن تدبيج بعض الجمل حول "قيادة البرولتاريا" وحول الثورة "ذات الأفق الاشتراكي" دون تبني سوفياتات العمال والفلاحين كجهاز لتنظيم وتعبئة الجماهير، كجهاز لتحقيق قيادة البرولتاريا للفلاحين، كجهاز للثورة المسلحة وتحطيم جهاز الدولة القديم وكجهاز لدكتاتورية البرولتاريا والفلاحين الديمقراطية وتحويله في الأخير إلى جهاز لدكتاتورية البرولتاريا- دون كل ذلك لا تعدو تلك الجمل أن تكون سوى وسيلة لإخفاء الطابع الانتهازي والتحريفي لتلك الأطروحات.

- لنستمع إلى ستالين يصف كيف توصلت البرولتاريا الروسية إلى تركيز هيمنتها على الثورة على عكس ما حصل في الثورات الديمقراطية في فرنسا وانجلترا في القرن 19 وألمانيا بعد الحرب الأولى وعلى عكس ما حصل في الدول التي ذكرناها بعد النكسة العظمى للبرولتاريا العالمية اثر وفاة ستالين.

"على العكس من ذلك، عندنا في روسيا تغير الوضع. العمال عندنا لم يكونوا مجرد وقود للثورة. سعت البرولتاريا الروسية إلى ممارسة الهيمنة، إلى القيادة السياسية لكل الجماهير المستغلة في المدينة والريف بتجميعهم حولها، بانتزاعهم من البرجوازية، بعزل هذه الأخيرة سياسيا. خلال ممارستها للهيمنة على الجماهير الكادحة الأخرى، ناضلت البرولتاريا الروسية دوما من أجل افتكاك السلطة واستخدامها لمصلحتها الخاصة ضد البرجوازية، ضد الرأسمالية. لهذا السبب بالذات وفي كل التمظهرات العنيفة للثورة، في أكتوبر 1905 أو في فيفري 1917 ، نشهد ظهور سوفياتات ممثلي العمال كجنين للجهاز السياسي الجديد بهدف سحق البرجوازية، على عكس البرلمان البرجوازي بوصفه آلية سياسية هدفها سحق البرولتاريا.

حاولت البرجوازية عندنا مرتين إعادة البرلمان البرجوازي وإلغاء السوفياتات، في أوت 1917 في فترة "ما قبل البرلمان" قبل أخذ البلاشفة للسلطة، وفي جانفي 1918 خلال "المجلس التأسيسي" بعد أخذ البلاشفة للسلطة. لكن هذه المحاولات باءت بالفشل. لماذا ؟ لأن البرجوازية كانت قد عزلت بعد سياسيا، فالملايين من الشغيلة الكادحة ترى في البرولتاريا القائد الوحيد للثورة. من ناحية أخرى، كانت السوفياتات قد أثبتت بعد جدواها كسلطة عمالية، وتيقنت البرولتاريا بأن تعويض السوفياتات ببرلمان برجوازي كان يعني انتحارا لها. لا غرابة إذن في أننا لم "نأخذ" البرلمان البرجوازي عندنا. لهذا السبب بالذات أوصلت الثورة البرولتاريا للسلطة. تلك هي نتائج تطبيق النظام اللينيني حول هيمنة البرولتاريا في الثورة" (حوار مع الوفد العمالي الأمريكي- سبتمبر 1927)

- وفي موضع آخر يقدم ستالين خلاصة لــ" نتائج تطبيق النظام اللينيني حول هيمنة البرولتاريا في الثورة" على الثورة الديمقراطية البرجوازية تحديدا.

" في روسيا، فعلى العكس من ذلك، أعطت الثورة البرجوازية نتائج معاكسة على خط مستقيم. فالثورة في روسيا لم تقو البرجوازية، بل أضعفتها من حيث هي قوة سياسية، ولم تزد قواها الاحتياطية السياسية، بل أفقدتها احتياطها الأساسي، أفقدتها الفلاحين. إن الثورة البرجوازية في روسيا لم تضع البرجوازية الليبرالية في الصف الأول، بل وضعت في الصف الأول البروليتاريا الثورية، وجمعت حولها جماهير الفلاحين الغفيرة.
وهذا من جملة ما يفسر كون الثورة البرجوازية في روسيا تحولت، خلال فترة من الزمن قصيرة نسبياً، إلى ثورة بروليتارية، وكانت سيادة البروليتاريا هي بذرة دكتاتورية البروليتاريا، كانت هي السلّم الذي سمح بالانتقال إلى دكتاتورية البروليتاريا." (أسس اللينينية)

- ولكن ما هو مصدر قوة مجالس السوفيات بالمقارنة مع أشكال التنظيم القديمة؟ ما الذي يجعل السوفياتات جزء لا يتجزأ من النظرية البلشفية عن الثورة البرولتارية؟ ما الذي يجعلها ضرورية وإلزامية لكل الشيوعيين الحقيقيين الذين يعملون على تحضير شروط هيمنة البرولتاريا بهدف تحويل الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى ثورة اشتراكية ؟ يجيب ستالين عن كل هذه الأسئلة في مؤلفه (أسس اللينينية).

- "ذلك أن مجالس السوفيات هي أوسع المنظمات الجماهيرية للبروليتاريا، لأنها هي، وهي وحدها، تشمل جميع العمال بلا استثناء.

- "ذلك أن مجالس السوفيات هي المنظمات الجماهيرية الوحيدة التي تجمع جميع المضطهَدين والمستثمَرين، العمال والفلاحين، الجنود والبحارة، وفيها، لهذا السبب، تستطيع طليعة هذه الجماهير، أي البروليتاريا، أن تقوم بالقيادة السياسية لنضال الجماهير، على وجه أسهل، ومدى أوسع.

_ "ذلك أن مجالس السوفيات هي أقوى أجهزة نضال الجماهير الثوري، وعمل الجماهير السياسي، وانتفاض الجماهير المسلح، هي أجهزة قادرة على تحطيم جبروت الرأسمال المالي وذيوله السياسية.

- "ذلك أن مجالس السوفيات هي المنظمات المباشرة للجماهير نفسها، أي أنها أكثر المنظمات ديمقراطية، وهي، بالتالي، أكثر المنظمات نفوذاً بين الجماهير، تسهل لهذه الجماهير الاشتراك، إلى الحد الأقصى، في تنظيم الدولة الجديدة وإدارتها، وتطلق، إلى الحد الأقصى، الطاقة الثورية والمبادرة والكفاءات الخلاّقة عند الجماهير المناضلة لتحطيم النظام القديم، المناضلة لإقامة النظام الجديد، البروليتاري.

إن سلطة السوفيات هي اتحاد مجالس السوفيات المحلية وتكوّنها في منظمة دولة، منظمة عامة واحدة، منظمة دولة للبروليتاريا التي هي طليعة الجماهير المضطهدة والمستثمَرة، والتي هي الطبقة السائدة – إنها اتحاد هذه المجالس في جمهورية السوفيات.
إن جوهر سلطة السوفيات كائن في أن أوسع المنظمات الجماهيرية وأكثرها ثورية - منظمات تلك الطبقات التي كانت، على الخصوص، مضطهدة من قبل الرأسماليين وكبار الملاكين العقاريين - تشكل الآن "الأساس الدائم الوحيد لكل سلطة الدولة، لكل جهاز الدولة". وأن "هذه الجماهير نفسها التي كانت محرومة، بألف طريقة وألف حيلة، من الاشتراك في الحياة السياسية ومن التمتع بالحقوق والحريات الديمقراطية، حتى في أكثر الجمهوريات البرجوازية ديمقراطية"، رغم كونها متساوية حسب القانون، "مدعوة اليوم إلى الاشتراك في الإدارة الديمقراطية للدولة اشتراكاً دائماً محققاً وحاسماً أيضاً". (لينين: مباحث وتقرير عن الديمقراطية البرجوازية ودكتاتورية البروليتاريا – المؤتمر الأول للأممية الشيوعية، المؤلفات، المجلد 24).

هذا هو السبب في أن سلطة السوفيات هي شكل جديد لتنظيم الدولة، مختلف من حيث المبدأ، عن الشكل القديم الديمقراطي البرجوازي والبرلماني، هي نوع جديد من الدولة غير منطبق على أهداف استثمار الجماهير الشغيلة واضطهادها، بل على أهداف تحريرها التام من كل اضطهاد واستثمار، أهداف دكتاتورية البروليتاريا."
(...)
" فما هي الميزات الخاصة التي تتصف بها سلطة السوفيات؟

- "إن سلطة السوفيات، مادامت الطبقات موجودة، هي، بين جميع المنظمات الممكنة للدولة، أبرزها صفة جماهيرية، وأكثرها ديمقراطية؛ ذلك لأنه، نظراً إلى كون هذه السلطة ميداناً لتعاون وتحالف العمال والفلاحين المستثمَرين في نضالهم ضد المستثمِرين، وإلى كونها تستند في نشاطها إلى هذا التحالف والتعاون، فهي، بسبب ذلك، سلطة أكثرية السكان على الأقلية، ودولة هذه الأكثرية، والتعبير عن دكتاتوريتها.

- "إن سلطة السوفيات هي، بين جميع منظمات الدولة في المجتمع الطبقي، أكثرها أممية، لأنها، إذ تقضي على كل اضطهاد قومي، وإذ تستند على تعاون الجماهير الشغيلة من القوميات المختلفة، تسهل بذلك، جمع هذه الجماهير في كيان دولة واحدة.

- "إن سلطات السوفيات، بتركيبها نفسه، تجعل قيادة الجماهير المضطهدة والمستثمرة سهلة على طليعة هذه الجماهير، على البروليتاريا التي تمثل اصلب وأوعى نواة في مجالس السوفيات."

4- التطور اللامتساوي للرأسمالية وامكانية انتصار الثورة البرولتارية في بلد واحد

- وضع انتهازيو الأممية الثانية و"فقهائها" الكبار وعلى رأسهم المرتد كاوتسكي نظاما كاملا من "النظريات" والأفكار المسبقة "المسلم بها" لمنع البرولتاريا من القيام بالثورة الاشتراكية والقضاء على الرأسمالية. ومن تلك "النظريات" الفكرة القائلة باستحالة انتصار الثورة في بلد واحد وبضرورة الانتصار المتوازي للثورة في البلدان الرأسمالية "الأساسية". بين لينين وستالين كيف أن هذه النظرية غير علمية وتتناقض مع خصائص الرأسمالية في مرحلة الامبريالية التي يسودها قانون مطلق هو قانون التطور اللامتساوي للأقطار الرأسمالية.

" في السابق، كانوا يعتبرون من غير الممكن انتصار الثورة في بلد واحد، إذ كانوا يعتقدون أن الانتصار على البرجوازية يقتضي عملاً مشتركاً من البروليتاريين في مجموع الأقطار المتقدمة، أو في معظم مثل هذه الأقطار، على الأقل. أما الآن، فوجهة النظر هذه لم تعد تطابق الواقع. الآن، ينبغي الانطلاق من إمكانية مثل هذا الانتصار، لأن تطور مختلف الأقطار الرأسمالية في ظروف الامبريالية، بصورة غير متساوية وعلى قفزات، واحتداد التناقضات الداخلية للامبريالية التي تؤدي إلى حتمية الحروب، ونمو الحركة الثورية في جميع بلدان العالم-كلها عوامل تؤدي لا فقط إلى إمكانية بل كذلك إلى ضرورة انتصار البروليتاريا في بلدان منفردة. "

- وعلى عكس الافتراءات التروتسكية والتشويهات التحريفية المعاصرة التي انتشرت بعد وفاة الرفيق ستالين، يؤكد هذا الأخير على الطابع الأممي وعلى الواجبات الأممية لبلد الاشتراكية تجاه الثورة البرولتارية العالمية.

" غير أن خلع سلطة البرجوازية وإقامة سلطة البروليتاريا في بلد واحد، لا يعنيان بعدُ، ضمان انتصار الاشتراكية التام. إن البروليتاريا في البلد المنتصر، بعد توطيد سلطتها، وجرّ جماهير الفلاحين وراءها، في وسعها ومن واجبها أن تبني المجتمع الاشتراكي. ولكن هل يعني هذا أنها بذلك تحقق انتصار الاشتراكية التام، النهائي؟ وبعبارة أخرى، هل يعني هذا أنها تستطيع، بقوى بلدها وحدها، أن توطد الاشتراكية نهائياً وتضمن البلاد تماماً ضد التدخل، وبالتالي، ضد إعادة النظام الرأسمالي؟ كلا، طبعاً. فلأجل هذا، من الضروري أن تنتصر الثورة في بعض البلدان، على الأقل. ولذلك فإن تطوير ومساندة الثورة في الأقطار الأخرى هما مهمة أساسية على الثورة المنتصرة. لذلك ينبغي للثورة في البلد المنتصر أن لا تعتبر نفسها كقيمة تكفي نفسها بنفسها، بل كعون، كوسيلة لتعجيل انتصار البروليتاريا في الأقطار الأخرى." (أسس اللينينية)

5- الثورة في بلد واحد بداية الثورة العالمية ومقدمتها

شكلت ثورة أكتوبر منعرجا في التاريخ العالمي. فقد وقع خرق الجبهة العالمية للامبريالية في بلد كبير، وقعت الإطاحة بالبرجوازية الامبريالية في أحد أكثر البلدان الرأسمالية اتساعا وفي نفس الوقت ضربت الثورة مؤخرة الامبريالية، "أطرافها"، بالقضاء على هيمنتها في المستعمرات وأشباه المستعمرات.
تبني أول دولة اشتراكية في التاريخ نظاما اجتماعيا جديدا للإنتاج : الاشتراكية، التي تقدر وحدها على حلّ التناقضات التناحرية التي طورتها الرأسمالية. لقد تحولت الاشتراكية من علم افتراضي إلى واقع نلمسه على الأرض.
في مواجهة سلسلة الامبريالية التي تمّ: نتج عن ذلك نشوء ظروف تاريخية جديدة لتطور الثورة العالمية خرقها في حلقتها الأضعف، يجري بناء وتقوية النظام الاجتماعي الجديد بوصفه قاعدة وسندا للثورات البرولتارية في "المركز" والثورات التحررية في البلدان المضطهدة بقيادة البرولتاريا.

- فقد دشنت ثورة أكتوبر عصر الثورات البرولتارية في البلدان الامبريالية كاشفة الأكاذيب البرجوازية والانتهازية حول قوة الرأسمالية وقدرتها غير المتناهية على الصمود والتكيف وحول الانتقال السلمي إلى الاشتراكية عن طريق البرلمانية البرجوازية.

" ولكن ثورة أكتوبر لم تتوقف ولا يمكنها أن تتوقف عند هذا الحد. بعد قضائها على النظام القديم البرجوازي، شرعت في بناء النظام الجديد الاشتراكي...إن النجاحات التي لا جدال فيها للاشتراكية في الاتحاد السوفييتي في مجال البناء، قد بينت بجلاء أن البرولتاريا تستطيع أن تحكم البلد بنجاح بدون البرجوازية وضد البرجوازية، أنها تستطيع بناء الصناعة بنجاح بدون البرجوازية وضد البرجوازية، أنها تستطيع قيادة كل الاقتصاد الوطني بنجاح بدون البرجوازية وضد البرجوازية، أنها تستطيع بناء الاشتراكية بنجاح رغم الحصار الرأسمالي" (ستالين-الطابع العالمي لثورة أكتوبر - ترجمتنا)

- هذه الحقائق لا يمكنها إلا أن تمارس تأثيرا عظيما على الحركة الثورية للطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية. ولكن ثورة أكتوبر لم تزعزع الامبريالية فقط في "مراكزها" بل وجهت لها ضربات موجعة كذلك في "الأطراف" بقضائها على الاضطهاد الوطني الاستعماري وشبه الاستعماري. وقد تمّ ذلك ليس تحت راية "القومية" ولكن بقيادة البرولتاريا تحت راية الأممية.

" لا يمكن للبرولتاريا أن تتحرر بدون أن تحرر الشعوب المضطهدة. إن ميزة ثورة أكتوبر تتمثل في كونها أنجزت، في إطار الاتحاد السوفياتي، الثورات الوطنية ضد الاستعمار لا تحت راية العداء القومي والنزاع بين الأمم، بل تحت راية الثقة المتبادلة والتقارب الأخوي لعمال وفلاحي الاتحاد السوفياتي، لا باسم القومية بل باسم الأممية.
وبسبب أن الثورات الوطنية ضد الاستعمار تمت عندنا تحت قيادة البرولتاريا وتحت راية الأممية، لهذا السبب بالذات ارتقت الشعوب المنسية، الشعوب المستعبدة لأول مرة في تاريخ البشرية إلى مرتبة الشعوب الحرة فعلا والمساوية فعلا جاذبة بمثالها الحي شعوب العالم قاطبة.
هذا يعني أن ثورة أكتوبر قد دشنت عصرا جديدا، عصر الثورات الوطنية التحررية في بلدان العالم المضطهدة بالتحالف مع البرولتاريا وتحت قيادتها... لقد مضى العهد الذي كان يمكن فيه اضطهاد المستعمرات والبلدان التابعة بكل هدوء، وحل محله عهد الثورات التحررية في المستعمرات والبلدان التابعة، عهد استفاقة برولتاريا هذه البلدان وعهد هيمنتها على الثورة " (ستالين-الطابع العالمي لثورة أكتوبر - ترجمتنا)

" لقد رفعت ثورة أكتوبر من قوة وأهمية الطبقات المضطهدة في العالم بأسره ومن شجاعتها وروحها القتالية مما أجبر الطبقات السائدة على أخذها في الحسبان بوصفها عنصرا جديدا وجديا. لم يعد بالإمكان اليوم اعتبار الجماهير الكادحة للعالم كــ"جمهور أعمى" يتخبط في الظلام بدون آفاق، لأن ثورة أكتوبر خلقت لها منارة تنير طريقها وتفتح لها آفاقا. إذا لم يكن هناك من قبل قلعة عالمية مفتوحة لإبراز وتجسيم طموحات وإرادة الطبقات المظلومة، فاليوم توجد تلك القلعة ممثلة في أول دكتاتورية برولتارية"(ستالين-الطابع العالمي لثورة أكتوبر - ترجمتنا)

- إن دكتاتورية البرولتارية التي أسستها ثورة أكتوبر قد خلقت لأول مرة قاعدة ومركزا قويا تتجمع حوله الحركة الثورية للعالم أجمع في جبهة ثورية موحدة ضد الامبريالية، جبهة تضم برولتاريي العالم وشعوبه المضطهدة. كانت الضربة الموجهة للرأسمالية العالمية قاتلة بحيث قد تتمكن من الاستقرار لبعض الوقت وقد تعرف بعض فترات الهدوء وقد تتمكن من هزم بعض الحركات الثورية، لكن لن تستعيد أبدا، في وجود تلك القاعدة القوية ممثلة في دكتاتورية البرولتاريا، طمأنينتها السابقة.
إليكم سر الكره الدفين والتشويه الذي لا يعرف الكلل الذي ظلت البرجوازية العالمية تمارسه ضد الرفيق ستالين وانجازاته لعشرات السنين بعد وفاته.

" هذا يعني أولا، أن ثورة أكتوبر قد أصابت الرأسمالية العالمية بجرح قاتل لن تشفى منه أبدا. لهذا السبب بالذات لن تستعيد الرأسمالية أبدا "التوازن" و"الاستقرار الذي كان لها قبل أكتوبر. يمكن للرأسمالية أن تستقر جزئيا، يمكنها عقلنة إنتاجها، تسليم قيادة البلد للفاشية، تحجيم وقمع الطبقة العاملة، لكن لن تستعيد أبدا ذلك "الهدوء" وتلك "الثقة" التي تتبجح بها من قبل، لأن أزمة الرأسمالية العالمية قد بلغت درجة من الاحتداد بحيث صار من الحتمي أن تفتح نيران الثورة طريقا لها تارة في مراكز الامبريالية وتارة أخرى في أطرافها "(ستالين-الطابع العالمي لثورة أكتوبر - ترجمتنا)

- وبكثير من النبوءة وبعد النظر يحدد ستالين سنة 1925 اتجاه تطور الثورة العالمية

" وأرجح الاحتمالات أنه ستتشكل، في مجرى تطور الثورة العالمية، وإلى جانب بؤر الامبريالية في بعض الأقطار الرأسمالية ومنظومة هذه الأقطار في العالم قاطبة، بؤر للاشتراكية في بعض الأقطار السوفياتية ومنظومة من هذه البؤر في العالم قاطبة، وان الصراع بين هاتين المنظومتين سيملأ تاريخ تطور الثورة العالمية." (ستالين - ثورة أكتوبر وتكتيك الشيوعيين الروس)

- بعد وفاة ستالين وإعادة الرأسمالية إلى الاتحاد السوفياتي، دمرت قلعة البرولتاريا العالمية وحرمت الجماهير الكادحة للعالم بأسره من المنارة التي تنير لها طريق الانعتاق من الاستغلال الرأسمالي وحرمت من المثال الحي لبناء مجتمع جديد، المجتمع الاشتراكي. ولم تفلح الثورات البرجوازية والبرجوازية الصغيرة المغلفة "بالشيوعية" سواء الديمقراطية الجديدة الماوية أو الغفارية أو الكاسترية...الخ في إنقاذ العالم من الرجعية الامبريالية المنفلتة من عقالها التي سادت خلال عقود طويلة بعد وفاة ستالين.
لنستمع إلى الرفيق ستالين يصف هذه الكارثة قبل ثلاثين سنة من وقوعها بأقوال فيها من النبوءة ما فيها.

" ان تحطيم هذه القلعة سيلقي لمدة طويلة بالحياة الاجتماعية والسياسية للبلدان "المتقدمة" في غياهب رجعية سوداء لا حدود لها. لا يمكن إنكار أن مجرد وجود "الدولة البلشفية" يكبح قوى الرجعية الظلامية ويسهل نضال الطبقات الكادحة من أجل انعتاقها. هذا ما يفسر الكره المتوحش الذي يكنه المستغلين في كل البلدان إزاء البلاشفة (إزاء ستالين بالخصوص- ملاحظتنا)" (ستالين-الطابع العالمي لثورة أكتوبر - ترجمتنا)

6- دكتاتورية البرولتاريا هي جوهر الثورة البرولتارية

يقدم ستالين خلاصة عبقرية لكتابات ماركس وانجلز ولينين فيما يتعلق بالعناصر التي تميز الثورة البرولتارية عن الثورة البرجوازية، ومن ثمة يحدد مفهوم دكتاتورية البرولتاريا والمهام الأساسية الملقاة على عاتقها.

" يمكن حوصلة الفرق بين الثورة البرولتارية والثورة البرجوازية في خمس نقاط أساسية.

1- تبدأ الثورة البرجوازية عادة عندما تكون أشكال النظام الرأسمالي التي نشأت ونضجت في رحم المجتمع الإقطاعي متطورة بعد نسبيا، في حين تبدأ الثورة البرولتارية في غياب كلي أو شبه كلي لأشكال النظام الاشتراكي

2- المسألة الجوهرية في الثورة البرجوازية تقتصر على انتزاع السلطة وملاءمتها مع الاقتصاد البرجوازي الموجود، في حين أن المسألة الجوهرية للثورة البرولتارية تتمثل، بعد افتكاك السلطة، في بناء اقتصاد جديد اشتراكي

3- تنتهي الثورة البرجوازية عادة عند افتكاك السلطة، في حين أن افتكاك السلطة ليس إلا بداية للثورة البرولتارية التي تستخدم هذه السلطة كأداة لتحويل الاقتصاد القديم وتنظيم الاقتصاد الجديد

4- تقتصر الثورة البرجوازية على تعويض مجموعة من المستغلين بمجموعة أخرى من المستغلين في السلطة، لذلك فهي لا تحتاج إلى تحطيم جهاز الدولة القديم. في حين أن الثورة البرولتارية تنتزع السلطة من أيدي جميع المستغلين وتعطيه إلى قائد جميع الكادحين المستغلين، إلى طبقة البرولتاريا وبالتالي فهي مجبرة على تحطيم جهاز الدولة القديم وتعويضه بجهاز جديد.

5- لا يمكن للثورة البرجوازية أن تضم إليها المستغلين والشغيلة لمدة طويلة بالضبط لأنهم شغيلة ومستغلين. في حين أن الثورة البرولتارية، إذا أرادت انجاز مهامها الأساسية في تدعيم السلطة البرولتارية وفي بناء اقتصاد جديد اشتراكي، تستطيع ويجب عليها أن توطد علاقة تلك الجماهير بالبرولتاريا بواسطة تحالف مستمر، لأنهم بالضبط شغيلة ومستغلين." (مسائل اللينينية)

- وينبغي أن نضيف خاصية سادسة هامة وحاسمة تتمثل في أن الثورة البرجوازية تتطور في محيط عالمي "ملائم" لها بصفة عامة، محيط تسود فيه الطبقات المستغلة أي البرجوازية والملاكين العقاريين أما الثورة البرولتارية فتنشأ وتتطور في محيط معادي وسط حصار الرجعية الرأسمالية العالمي. أورد ستالين هذه الخاصية على لسان لينين :

" المشكل الثاني يتعلق بالثورة العالمية. إذا كان من السهل علينا إلحاق الهزيمة بعصابات كرنسكي وإنشاء السلطة، إذا استطعنا، بدون مشقة كبرى، الحصول على مرسوم تأميم الأرض والمراقبة العمالية، فإن ذلك يعود إلى أن الوضعية الخاصة التي نشأت خلال مدة قصيرة قد حمتنا من الامبريالية العالمية. تشكل الامبريالية العالمية التي تملك كل قوة رأس المال المتحد والتقنية العسكرية، قوة هائلة لا تقبل بأي حال وتحت أية شروط العيش إلى جانب الجمهورية السوفيتية نظرا لظروفها الموضوعية وللمصالح الاقتصادية لطبقة الرأسماليين التي تمثلها، ونظرا لصلاتها التجارية وعلاقاتها الدولية والمالية. كانت الحرب حتمية. إن الصعوبة الكبرى التي تواجهها الثورة الروسية، معضلتها التاريخية العليا، هي ضرورة حل المشاكل الدولية، ضرورة استنهاض الثورة العالمية"

- لا يمكن تحرير البرولتاريا ومن ورائها جميع الكادحين دون ثورة عنيفة فحسب بل أيضا دون تحطيم جهاز الدولة البرجوازي. كان للإصلاحيين مداحي الامبريالية وجهة نظر أخرى مفادها أن "حزب البرولتاريا لا يمكنه الاستيلاء على السلطة قبل حصوله على الأغلبية في البرلمان" أغلبية يأملون في الحصول عليها في ظل الملكية الخاصة، في ظل النير الرأسمالي الذي ترزح تحته تلك "الأغلبية". على عكس ذلك كان البلاشفة يقولون " في البداية تطيح البرولتاريا بالبرجوازية، تقضي على النير الرأسمالي وتحطم جهاز الدولة البرجوازي، ومن ثمة تستطيع البرولتاريا المنتصرة أن تكسب تعاطف أغلبية الشغيلة غير البرولتاريين وأن تحصل على دعمهم وذلك بتلبية طلباتهم على حساب المستغلين" (لينين).

يعتبر ستالين أن دكتاتورية البرولتاريا هي جوهر الثورة البرولتارية، وهي تقوم على تحالف بين البرولتاريا والجماهير الكادحة غير البرولتارية (أساسا الفلاحين)، تحت قيادة البرولتاريا موجه ضد الرأسمال ويهدف إلى القضاء نهائيا على رأس المال و إلى قمع مقاومة البرجوازية ومحاولاتها إعادة الرأسمالية و إلى تركيز وتدعيم الاشتراكية بصفة نهائية. وقد حارب ستالين محاولات بعض "القادة" الانتهازيين مثل كامنييف إضعاف البرولتاريا وحرمانها من حليفها السياسي والعسكري ضد البرجوازية ومن أجل بناء الاشتراكية. فقد أنكر هذا الأخير أن يكون تحالف البرولتاريا مع الفلاحين تحت قيادة البرولتاريا ضمن مفهوم دكتاتورية البرولتاريا.

وفي سياق دحضه لمزاعم الانتهازيين أكد ستالين أن دكتاتورية البرولتاريا هي دكتاتورية طبقة واحدة لا تتقاسمها مع أية طبقة أخرى وهي تمارسها بقيادة الحزب البلشفي الذي لا يتقاسم السلطة مع أي حزب آخر. ويعتبر هذا من صميم مفهوم دكتاتورية البرولتاريا الذي يقتضي كما يقول لينين أن لا تخدع البرولتاريا نفسها وأن لا تغالط حلفائها بالثرثرة حول السلطة الشعبية "المنتخبة من الجميع" و "المزكاة من كل الشعب". لكن ذلك لا يتناقض مع فكرة التحالف مع الجماهير الكادحة غير البرولتارية لأن هذا التحالف يتم تحت قيادة البرولتاريا وحزبها ويهدف إلى التحطيم النهائي للمقاومة البرجوازية وبناء الاشتراكية وهي مهام لا تستطيع البرولتاريا القيام بها بمفردها، دون كسب واستخدام وتوظيف الاحتياطي العسكري والسياسي القوي المتمثل في الفلاحين الفقراء وسائر الكادحين غير البرولتاريين.

و يؤكد ستالين على أن ممارسة العنف والقمع ضد البرجوازية وضد محاولاتها إرجاع الرأسمالية هو من الأهداف والمكونات الأساسية لمفهوم دكتاتورية البرولتاريا عند لينين الذي كان يقول " من الناحية العلمية، الدكتاتورية هي سلطة لا يحدها أي قانون ولا تعيقها أية قاعدة وهي تعتمد مباشرة على العنف" ولكن، يضيف لينين، " دكتاتورية البرولتاريا ليست فقط العنف رغم أنها مستحيلة بدون عنف...ليست فقط العنف ضد المستغلين ولا حتى هي كذلك بصورة رئيسية. إن الأساس الاقتصادي لهذا العنف الثوري، الضمانة لفاعليته ونجاحه يكمن في أن البرولتاريا تمثل وينبغي أن تحقق نموذجا أرقى للتنظيم الاجتماعي للعمل مقارنة بالرأسمالية. ذلك هو جوهر الموضوع، هنا منبع القوة وضمانة النصر النهائي والحتمي للشيوعية"

وبعد تحليل موضوعات لينين حول دكتاتورية البرولتاريا ودحض المفاهيم الانتهازية يحدد ستالين المفهوم : اللينيني لدكتاتورية البرولتاريا ويضبط مكوناته الأساسية

" نستخلص من ذلك ثلاث جوانب جوهرية لدكتاتورية البرولتاريا

1- استخدام سلطة البرولتاريا لأجل قمع المستغلين، لأجل الدفاع عن البلد، لأجل تدعيم العلاقات مع برولتاريي البلدان الأخرى، لأجل تطوير وانتصار الثورة في جميع البلدان.

2- استخدام سلطة البرولتاريا لأجل سحب الشغيلة وجماهير المستغلين نهائيا من تحت نفوذ البرجوازية، لأجل تدعيم تحالف البرولتاريا مع هذه الجماهير، لأجل تشريك هذه الأخيرة في بناء الاشتراكية وضمان قيادتهم السياسية من طرف البرولتاريا.
3- استخدام سلطة البرولتاريا لأجل تنظيم الاشتراكية، القضاء على الطبقات والاتجاه نحو مجتمع دون طبقات ودون دولة.
ان دكتاتورية البرولتاريا هي اجتماع هذه الجوانب الثلاث ولا يمكن اعتبار أحدها المؤشر المميز الوحيد لهذه الدكتاتورية، ويعتبر غياب أحد الجوانب كافيا لكي تكف دكتاتورية البرولتاريا عن أن تكون دكتاتورية في بلد محاصر من الرأسمالية. لذلك لا يمكننا تغييب أي من هذه الجوانب الثلاث دون تشويه مفهوم دكتاتورية البرولتاريا." (مسائل اللينينية)

- ويبين ستالين كيف وقع تجسيد هذا المفهوم البلشفي لدكتاتورية البرولتاريا في الحياة، في مجرى الثورة وتطورها :

" لدكتاتورية البرولتاريا مراحلها، أشكالها الخصوصية، طرق عملها. فخلال الحرب الأهلية، كان يتراءى للأنظار بصورة خاصة الجانب العنيف للدكتاتورية. لكن ذلك لا يعني أنه خلال الحرب الأهلية لم يكن ينجز أي بناء. بدون عمل البناء كان من المستحيل القيام بالحرب الأهلية. وخلال فترة البناء التدريجي للاشتراكية، كان، على العكس، يتراءى للأنظار بصورة خاصة العمل السلمي، التنظيمي، الثقافي للدكتاتورية، الشرعية الثورية، الخ. لكن ذلك لا يعني أيضا أن الجانب العنيف للدكتاتورية قد اختفى أو يمكنه أن يختفي خلال هذه المرحلة. إن أجهزة القمع، الجيش وتنظيمات أخرى، ضرورية في مرحلة البناء كما في مرحلة الحرب الأهلية. بدون هذه الأجهزة لا يمكن انجاز أي بناء في ظل الدكتاتورية. لا يجب أن ننسى أن الثورة لم تنتصر إلى حد الآن سوى في بلد واحد. لا يجب أن ننسى أنه طالما استمر الحصار الرأسمالي فان خطر التدخل العسكري مع ما ينجر عنه من نتائج يظل قائما."

______________
- يلي هذا الجزء الثاني جزء ثالث من كتاب "الأساس المادي الجدلي والتاريخي لفكر ستالين وممارسته".