من اجل تعاقد جديد بين الامازيغية بعد اكثر من نصف قرن من الجفاء 2

المهدي مالك
2011 / 7 / 30


من اجل تعاقد جديد بين الامازيغية و الاسلام بالمغرب بعد اكثر من نصف قرن من الجفاء الجزء الثاني
اسباب تخلف نخبنا الدينية الفظيع عن الامازيغية طوال اكثر من نصف قرن
مقدمة
بداية يشرفني ان اتناول هذا الموضوع الحساس و الاساسي في مرحلة الدستور الجديد وفق وجهة نظري المتواضعة كمهتم بالشان الامازيغي منذ بداياتي الاولى في الكتابة و النشر على شبكة الانترنت اواخر سنة 2005 حيث كنت قبل ذلك التاريخ اطالع الكتب و الجرائد و اشاهد القنوات الوطنية او المشرقية و حينها بدات ادرك بعض اسباب تهميش الامازيغية بشكل سطحي لم يتطور الا بعد سنوات من الكتابة و النشر و قراءة افكار اساتذة الحركة الامازيغية كالاستاذ شفيق و الاستاذ عصيد و الاستاذ الخنبوبي و الاستاذ ارحموش الخ من هؤلاء الاساتذة الكرام و الذين ساهموا بشكل كبير في تطوير قناعاتي الشخصية من خلال مقالاتهم و كتبهم القيمة.
ان الحديث عن هذا الموضوع الحساس يستوجب مني الحذر الكبير و استحضار مجموعة من الامور و الاعتبارات لا بد لي ان استحضرها هنا اولا انني لا اقصد الاساءة او تحطيم علماءنا و فقهاءنا لان من المفروض اننا نعيش في مجتمع يوقر رجال الدين و علماءه حيث نجد في تقاليدنا الامازيغية مجموعة من المفاهيم التراثية مثل لشرض ن لطالب الخ من هذه المفاهيم الدالة على مكانتهم الموقرة في المجتمع المغربي عموما و المجتمع الامازيغي بوجه اخص منذ قرون بمعنى اننا مجبرون اجتماعيا على احترام كل من يتحدث باسم الدين الاسلامي و لو على حساب قناعاتنا الشخصية و الهادفة الى السير نحو التغيير و نحو تعاقد جديد بين الامازيغية و الاسلام في مغرب ما بعد خطاب 17 يونيو المبارك .
ثانيا علينا ان نعترف و ندرك جيدا وجود تخلف فظيع الى اقصى الحدود و الدرجات لدى اغلب علماءنا و فقهاءنا منذ عهد المرحوم المختار السوسي الذي خدم بقصد او بدونه مشروع الحركة الوطنية الكبير و المتمثل في جعل الامازيغيين انفسهم يؤمنون ايمانا عميقا بان هويتهم العريقة تساوي العمالة للاستعمار و التقسيم و الجاهلية كمصطلح استعملته الحركة الوطنية كثيرا بغرض ايهام الجميع بان اجدادنا كانوا يعيشون في ما يسمى بالجاهلية طيلة هذه القرون حتى أطل عليهم فجر يوم 16 ماي 1930 بظهير استعماري يدعوهم الى التنصير و القضاء على الاسلام من خلال الحكم باعرافهم البعيدة عن هذا الدين و مقاصده بشكل نهائي و تام كما يقولون ثم جاء ظهورهم كنخبة وطنية تدعي الصلاح و التقوى و اهدافها المعلنة هي تحرير البلاد من الاستعمار و مشاريعه الهادفة الى تنصير البربر و فرنستهم بمعنى تجنيسهم ثقافيا الخ من الادعاءات التي صدقها معظم الامازيغيين عامة و نخبتهم الدينية بحكم التاويل الخاطئ و المقصود لظهير 16 ماي 1930 و في مقدمة هذه النخبة هو المرحوم المختار السوسي كرجل عاش في سياق تاريخي يتميز بالاستعمار و بعد ذلك عاش نشاة دولة الاستقلال على تعاقد ايديولوجي خطير بين العروبة باعتبارها الهوية الثقافية الوحيدة للمغاربة رسميا في ذلك الحين و الاسلام لكنه ببعده الغير اصيل في بيئة المجتمع المغربي و غير قابل للاجتهاد و الضامن لمركزية للعروبة و السلفية ضد الامازيغية و ضد أي تقدم يحققه امازيغي المغرب في درب نضالهم الطويل الذي استغرق اكثر من 40 سنة .
و ايضا كان المختار السوسي من دعاة التعريب الشامل و تقديس العروبة باعتبارها ضرورية للحفاظ على الاسلام في المغرب و كانت الامازيغية بالنسبة اليه هي مجرد لهجة يتحدث بها اهل سوس لا اقل و لا اكثر بالرغم من انه كتب كثيرا عن تاريخ هذه المنطقة و علماءها الا ان المختار السوسي حسب اعتقادي المتواضع كان مجبرا على مسايرة السياق العام و الحساس بالنسبة للهوية الامازيغية حيث ان بداية الاستقلال حدثت احداثا تاريخية على مستويات كثيرة مثل احداث الريف سنة 1958 و سنة 1959 الخ .
اذن الذي اريد الوصول اليه هو ان اسباب تخلف نخبنا الدينية الفظيع تتعلق اساسا بتراكمات ايديولوجية استطاعت البقاء و الرسوخ لازيد من نصف قرن من الزمان في عقول نخبنا الدينية حتى اصبحت غير مؤهلة نهائيا لاستيعاب و فهم سياقنا الحالي و المتميز بثورات الشباب في شمال افريقيا و الشرق الاوسط رافعين شعارات التغيير و الاصلاح العميق في كل مناحي الحياة السياسية و الاقتصادية و الثقافية.
و اصبحت غير مؤهلة نهائيا لاستيعاب و فهم ضروريات الانتقال الديمقراطي و من بين هذه الضروريات هي ترسيم الامازيغية و تنزيل هذا الترسيم الى ارض الواقع المجتمعي حيث لا يمكن لنا ان نكذب على انفسنا و نقول ان نخبنا الدينية مستعدة لقبول الامازيغية كلغة اولا و كثقافة ثانيا و كقيم اصيلة ثالثا لان اغلب فقهاءنا و علماءنا مازالوا يعيشون ما قبل خطاب اجدير و مازالوا متخلفين عن مواكبة التطور الذي عرفه مجتمعنا المغربي..
و انطلق في طرحي هذا من منطلق متابعتي المتواضعة لخطاب هؤلاء العلماء المحترمين عبر وسائل الاعلام كالاذاعات و القنوات التلفزيونية طيلة عشر سنوات الاخيرة حيث لاحظت ان معظمهم لا يعترفون بالامازيغية كهوية اصيلة للمغرب ساهمت مساهمات كبرى في نشر الرسالة المحمدية في شمال افريقيا و الاندلس الخ بل يعترفون بها كلهجات في احسن الاحوال و اما في اسواء الاحوال فيعتبرونها تساوي الجاهلية او الالحاد أي الخروج من دائرة الديانات السماوية عامة.
ان تخلف معظم العلماء عن واجبهم الوطني نحو هويتهم في هذه السنوات راجع ربما الى تأثير الافكار الوافدة من المشرق حيث نعيش في عصر الفضائيات الدينية ذات التوجهات السلفية و الوهابية حيث ان هذه الفضائيات الدينية تقدم لنا اسلاما بعيدا عن اسلامنا الحضاري من حيث العادات و الاعراف و الاجتهاد فتلك المجتمعات لها تصوراتها الخاصة حول مجموعة من القضايا كقضية المراة و قضية التعدد الديني و الفكري مثلا و المغرب له اسلامه الخاص و تعدده الثقافي و الديني فلا يعقل منطقيا او حضاريا ان يفرض او ان يفتي عالما ما وفق فتاوى المشرق او وفق عادات مجتمعاته او ان يحرم عادة من عاداتنا تحت ذريعة هذا يخالف مع منهج السلف الصالح كما يقال لكن هذا العالم الفولاني قد ينسى او تجاهل تماما اننا شعب اسلم منذ 14 قرن و ليس منذ سنة 1930 بمعنى ان اجدادنا كانوا مثالا لمسايرة الحياة و الاجتهاد الديني و المراعي مع خصوصياتهم العريقة في القدم..
اذن بوجود هذه النخبة الدينية بصورتها الحالية يستحيل لنا حسب اعتقادي المتواضع ان نتقدم و لو خطوة واحدة نحو تفعيل ترسيم الامازيغية على ارض الواقع المجتمعي و نحو ضمان ادماجها كثقافة و كقيم اصيلة تعادي السلفية بصريح العبارة و تعتبر الاسلام رصيدا فكريا و اخلاقيا يمكنه المساهمة في الحضارة الانسانية بشرط مسايرة علماءه لروح العصر و تحدياته العلمية و السياسية عوض الرجوع بنا الى عصر الاستبداد باسم الدين و فتاوى علماءه الرجعية.
و يستمر هذا الموضوع ضمن مقالاتي القادمة في شهر رمضان المبارك .

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي