من اجل تعاقد جديد بين الامازيغية و الاسلام في المغرب بعد اكثر من نصف قرن من الجفاء الجزء الاول

المهدي مالك
2011 / 7 / 23

من اجل تعاقد جديد بين الامازيغية و الاسلام بالمغرب بعد اكثر من نصف قرن من الجفاء الجزء الاول
مقدمة عامة الى نهاية هذا المقال
ثمة حاجة ماسة لطرح مثل هذا الموضوع الحيوي و ذو الاهمية الكبرى في هذا السياق التاريخي للمغرب ما بعد ترسيم الامازيغية في دستور 2011 و ما بعد اصرار جنوني لتيارات و احزاب ذات مرجعية مشرقية على جمودها العقائدي و الايديولوجي.
غير ان هناك اشكال عميق و عويص بالنسبة لي الا و هو التخلف الفظيع لنخبنا الدينية و المكونة من ائمة المساجد و العلماء و حتى التيارات التي تدعي الدفاع عن الاسلام في المغرب نحو واجبها الاخلاقي و الوطني تجاه الدفاع عن شرعية سؤال الهوية و الثقافة الامازيغيتان منذ عقود طويلة عموما و منذ خطاب اجدير التاريخي خصوصا حيث نحن نعيش في مجتمع اعطى الكثير لكنه استقبل عدة افكار دخيلة طيلة قرون طويلة حتى اصبحنا لا نعرف قيمنا حق المعرفة و اصبحنا نجري نحو الايمان بان هوية الشعب المغربي الاصيلة هي تلك الهوية الغريبة و البعيدة بالاف من الكيلومترات عن واقعنا الاجتماعي و التاريخي و عن مفهومنا العقلاني للديانات السماوية عامة و الاسلام خاصة .
فالامازيغيين كما هو معلوم لدى الباحثين في التاريخ هم شعب قديم له جذور ضاربة في منطقة شمال افريقيا و عرف عن هذا الشعب انه يتوفر على خصوصيات فريدة قبل اعنتاقه للاسلام مثلا اعطى المكانة العظيمة للمراة سمحت لها ان تصبح ذات شان و تحكم شمال افريقيا و هكذا تسمى تامغارت و مذكر هذا المصطلح هو امغار أي كبير القوم بينما في الجزيرة العربية قبل نزول الوحي على رسولنا الكريم ص كانت المراة تساوي العار و الانحطاط حيث تعتبر يومئذ مجرد وسيلة لاشباع غرائز الاسياد لا اقل و لا اكثر بمعنى ان حضارة اجدادنا قبل الاسلام هي حضارة متطورة تساير الزمان و الثقافة و الاجتهاد بمعناه الواسع حيث انجب الامازيغ رواد في الفكر العقلاني ساهموا في إثراء حضارة البحر الابيض المتوسط باسهامات قيمة في مختلف العلوم المعروفة في ذلك الزمان.
و بعد دخولهم في الاسلام ساهموا في نشره في اكبر رقعة و ساهموا كذلك في الاعتناء باللغة العربية دون تجاهل او نسيان هويتهم الاصيلة من حيث اللغة و علمانيتهم المحلية بدليل ان المرابطون استطاعوا ملائمة خصوصياتهم مع الدين الاسلامي حيث كانوا يحكمون بالعرف الامازيغي المراعي لمقاصد الشريعة الاسلامية حيث كانت المراة كمثال سوف استحضره هنا حيث انها في عهدهم تتوفر على المسؤولية في حكم الدولة المرابطية المشهورة في التاريخ بفضائلها الكبرى على نشر الاسلام و انقاد الاندلس من السقوط في الفشل المهين بعد انشغال ملوك الطوائف في شهواتهم المعروفة حيث وجدت في كتاب الدولة و المجتمع في العصر الموحدي معلومات مهمة حول مكانة المراة في العصر المرابطي حيث يقول الاستاذ الحسين اسكان مؤلف الكتاب يبدو ان افضل مدخل للاحاطة ببعض مميزات الاسرة و نظام القرابة لدى صنهاجة الصحراء و للتعرف الى المكانة الاجتماعية للمراة عند تلك القبائل و المقصود هنا هي قبائل صنهاجة الامازيغية و هي النواة الاولى لقيام دولة عبد الله بن ياسين في المغرب .
و يقول المؤلف و هو يتحدث عن شهادة متاخرة لكنها ذات قيمة تاريخية كبرى على اكثر من مستوى فهي شهادة رجل مطلع على احوال مجتمعات عديدة في اسيا و خبر كذلك المجتمع الصنهاجي لانه مكث بين ظهرانيهم المدة الكافية للاطلاع على اهم احوالهم و اوضاعهم بحكم علاقاته الشخصية ببعض افراد هذا المجتمع كالقضاة و التجار .
و هذه الشهادة المثيرة بالنسبة لي هي للرحالة المغربي ابن بطوطة حيث قام بزيارة لمضارب قبائل صنهاجة سنة 753 للهجرة الموافق لسنة 1353 م و استقر في مدينة ولاتة و لاحظ ان اغلب سكانها ينتمون الى قبيلة مسوفة احدى اهم القبائل الصنهاجية الكبرى و المشهورة في الصحراء قبل العصر المرابطي و لمس عن قرب عاداتهم الاجتماعية و تقاليدهم خلال المدة التي قضاها بالمدينة و مما اثار استغرابه و اندهاشه هو المكانة التي تتمتع بها المراة هناك حيث هن اعظم شانا من الرجال حسب تعبير ابن بطوطة حيث قال تتجلى مظاهر هذه المكانة و الحرية التي تتمتع بها المراة المسوفية في اربع عادات اساسية هي سفور النساء و عدم الاحتجاب و عدم الاحتشام من الرجال مع مواظبتهن على الصلوات .
و قد بالغ ابن بطوطة كثيرا و الى ابعد الحدود حيث قال بالحرف ان العادة الثانية هي الاختلاط بين الجنسين اذ تربط النساء علاقات صداقة مع الرجال خارج دائرة ذوي المحارم و يفعل الرجال نفس الشيء مع نساء المدينة الخ من هذه الامور التي بالغ فيها ابن بطوطة كثيرا حسب اعتقادي المتواضع .
و يقول الاستاذ الحسين اسكان قد يتساءل سائل عن مدى صحة هذه المعلومات و مما يدفعه الى التشكيك في جديتها و مصداقيتها.
و بالاضافة الى توفر عدد من المعطيات التاريخية التي لا تسمح نظريا بتواجد مثل هذه العادات في هذه المدينة الاسلامية في القرن الثامن للهجرة و الرابع عشر للميلاد و في مقدمتها ان بلاد صنهاجة عرفت الاسلام منذ ازيد من خمس قرون على الاقل أي منذ بداية القرن الثالث للهجرة حسب رواية ابن خلدون و هي مدة كافية لترسيخ الاحكام الفقهية في الارث و النسب على الاقل الخ من هذه الاعتراضات.
و بالرغم من وجاهة هذه الاعتراضات التاريخية فان جل المعلومات الواردة في شهادة ابن بطوطة عن العادات الاجتماعية لسكان مدينة ولاتة و غيرهم من الصنهاجيين تؤكد المصادر التاريخية صحتها و كما تؤكد الدراسات الانثروبولجية وجودها و استمرارها لدى قبائل التوارك الى القرن الماضي فاذا اخدنا عادة الاختلاط بين الجنسين لدى قبائل صنهاجة سنجد حسب المصادر الوسيطية انها أي هذه العادة كانت مستمرة منذ القرن الخامس الى القرن العاشر للهجرة على الاقل فالبكري بصفته مؤرخ يتحدث عنها سنة 460 للهجرة و سنة 1068 للميلاد حيث يقول بمركز تجاري صحراوي هو مدينة تادمكا حيث كانت النساء يقومن باستضافة التجار الواردين على المدينة في منازلهن لعدم وجود فنادق خاصة لايوائهم كما هو الشان ببعض مدن الشمال و يقول و اهلها بربر مسلمون الخ من هذا الكلام .
و في سنة 918 للهجرة زار الحسن الوزان مضارب بعض قبائل صنهاجة فاكد استمرار هذه العادة الى التاريخ المذكور.
و يقول الاستاذ الحسين اسكان حول مكان المراة في المجتمع الصنهاجي من الظواهر الناتجة عن الاقامة الخؤولية أي ان المراة عندما تتزوج تقيم عند اهلها هي تفوق مكانة المراة الاجتماعية على مكانة الرجل كما لاحظ ابن بطوطة عن نساء مسوفة بقوله هن اعظم شانا من الرجال و تجلى هذا التفوق في جل المجالات مثل تتمتع المراة بحرية واسعة في مجتمعها و تشكل ظاهرة السفور و الاختلاط بين الجنسين و بالاضافة الى مساهمتها في الانشطة الاقتصادية و قال الاستاذ قد تصل هذه الحرية الى درجة تساهل المجتمع في ظروف محددة مع المراة الغير متزوجة الخ بدون الدخول في التفاصيل لان البعض سيفهم اشياء اخرى غير صحيحة .
و تتجلى حرية المراة كذلك في العادات المنظمة للاحوال الشخصية مثل امتلاكها لحق الطلاق و فرض الزواج الاحادي على الرجال اذ لم تعرف الاسرة ذات النسب الامومي بمعنى ان الابناء كانوا يحملون نسب امهم في العهد المرابطي مثل ابن عائشة .
اذن هناك الكثير من المعلومات حول مكانة المراة في العهد المرابطي أي في عز الحضارة الامازيغية الاسلامية كمصطلح جديد من اختراعي المتواضع لانني منذ سنوات مراهقتي الحساسة كنت اسمع مصطلح الحضارة العربية الاسلامية في وسائل الاعلام الوطنية كالاذاعة و التلفزة غير ان ابي كان واعيا و كان يجبرني على قراءة الكتب من اجل التقدم نحو الامام و معرفة تاريخ بلادنا الحقيقي عوض الخضوع لايديولوجية التخلف القروي التي كانت تريد ان ابقى مجرد معاقا جاهلا لا يفهم شيئا او لا يقدم شيئا لمجتمعه و لمستقبله كانسان معاق يمكنه ان يصنع المعجزات و يمكنه ان ينتج افكارا في المستقبل .
و ها انا اليوم وصلت الى هذا المستوى المتواضع من الفكر و الاعتقاد الراسخ بمجموعة من القناعات الشخصية و من بينها ان الهوية الامازيغية لم تكن تعادي الاسلام ابدا بل انها كانت و مازالت تحمي الاسلام و تسعى الى جعله دينا يساير الاجتهاد و العصر و طبيعة المغاربة الاجتماعية .
و للحديث بقية
المهدي مالك

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير