التخلف ، الإنسانية المزعومة!

سهيل أحمد بهجت
2011 / 7 / 22

ـ كاليفورنيا
يقول المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري:
يقول المسيري:
"إن ما يؤكده جلال أمين هنا هو انفصال الحداثة العلمانية عن القيمة و الغائية الإنسانية، و هذا ما يؤكده تأكيدا مباشرا في سياقات أخرى، فيبين أن الرؤية المادية تتضح في عالم السياسة إذ يتم فصل السياسة عن الأخلاق، بل و عن الحياة، بل يتم فصل الحياة كلها عن الهدف النهائي منها، فيتم تقديس الكفاءة مع إهمال الهدف منها، فالكفاءة هي إنتاج أكبر قدر بأقل تكلفة ممكنة، و القيام بأكبر عدد من الأعمال في أقل وقت ممكن، دون أدنى اهتمام بالآثار التي لا يمكن تقديرها رقميا، أو بالمضمون الخلقي أو الإنساني لما تمّ إنجازه، طالم تم إنجازه بكفاءة" ـ المصدر السابق ص 112
ترى ما هي القيمة الإنسانية المفقودة التي يتحدث عنها ها هنا؟ هل تكمن القيمة الإنسانية في أن يشعل الإنسان النار بالأساليب القديمة؟ باستخدام حجرين أو قطعة خشب و ينفخ فيها لساعات إلى أن يحصل على شرارة؟ و ربما لا يحصل عليها!! أم أن القيمة الإنسانية المفقودة هنا هي تكمن في التنقل باستعمال الجمال و الحمير و سائر الدواب المستخدمة قديما و حاليا في دول العالم الثالث؟ أم هي تكمن في التواصل عبر البريد القديم الذي "قد" يوصل رسالة في سنوات؟ و هكذا يكون التقييم الخيالي العبثي و الهروب من التطور بحجة السرعة "السلب" نحو الإنسانية = البطء حسب تقييم الكاتبين، و يتنقل المسيري من الاستشهاد بالاقتصاد ـ دون أن يضرب أي مثل واقعي ـ إلى السياسة ليكرر تلك التهمة القديمة التي كان "الوطنيون" في الدول العربية و الإسلامية المعارضون لـ"الغرب الاستعماري" يطلقونها على الغربيين بأن هذه الدول تؤمن بأن "الغاية تبرر الواسطة = الوسيلة"، فمبدأ فصل الأخلاق عن السياسة ليس طعنا و ثلبا في السياسة بقدر ما هو وقف لعقلية التبرير التي يمكن أن تتخذ الأخلاق ـ و هي نسبية و متغيرة و مختلفة من معتقد إلى آخر ـ حجة لتمرير سياسة معينة، بل إن الإسلام فصل الأخلاق عن السياسة قبل ظهور هذا المبدأ في الغرب، فالآية { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} الفتح 29 تؤكد على مصالح الجماعة الضيقة "السياسية" لأن مصالحها لا تتم بدون تخويل السياسة الخــــارجية صلاحيات قد تتجاوز أحيانا الأطر التقليدية للأخلاق، أو الآية { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} الأنفال ـ 72 فالميثاق و العهد ـ الاتفاقيات السياسية في عصرنا الحديث ـ يتجاوز الدين نفسه إذا كان موقف معين مُضرّا بمصلحة الجماعة التي يمكن تقريرها كلٌ حسب الظروف و الوقائع الموضوعية لكل ظرف أو حالة.
إن القيمة الأخلاقية العليا التي تغافل عنها المسيري و جلال أمين ها هنا هي "حفظ الجماعة أو الأمة و الشعب و مصالح الجماعة" فمدار السياسة هو إيصال الدولة و بكل مقوماتها من مواطنين و مؤسسات إلى الحالة الأقضل سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا و تأمين السلامة و الأمان لعناصر هذا الكائن الإنساني الكبير "الدولة"، فكيف يحدثنا هؤلاء الباحثون (التنظيريون) عن لا أخلاقية السياسة في الدولة العلمانية الحديثة؟ و هل من قيمة أخلاقية أعلى من حفظ كيان أمة أو شعب كالأمة الأمريكية أو البريطانية أو الفرنسية أو الأمة العراقية و المصرية ـ المسيري سيرفض التصنيف الأخير لأنه و جلال أمين و غيرهم مؤمنون بالأمة القومية العربية و بالتالي لا معنى للانتماء العراقي أو المصري.
يقول المسيري:
"و يظهر هذا الجانب من العلمانية (أي فصل الحياة عن أية غائية إنسانية أو أخلاقية) في تمجيد السرعة، بصرف النظر عن طبيعة العمل الذي تؤديه بسرعة، و مضاعفة سرعة وسائل المواصلات، بغض النظر عن جدوى الرحلة أصلا، و ما إذا كان المقصود جديرا أو غير جدير بالوصول إليه، و غياب الهدف يظهر في علم الاقتصاد، فالاقتصادي لا يتدخل بتقييم الغايات أو (الحاجات)، و إنما مهمته هي تحقيق أكبر كفاءة ممكنة في توزيع الموارد المحدودة على الحاجات غير المحدودة، و في المجتمع ككل يصبح الهدف هو تعظيم المنفعة، و لتكن هذه المنفعة ما تكون، فالغاية غير مهمة: سعادة أو لذة حسية، أو رضا عن النفس، أو أفلام إباحية، أو حتى مسدسات لقتل الناس، و ينتج عن هذا الموقف نسبية أخلاقية مطلقة." ـ العلمانية تحت المجهـــــــــــر ص 112 ـ 113
بناء على ما سبق يضع المسيري العلمانية في خانة السلب باعتبارها مناقضة للإنسانية (و التي لا تعريف لها عند المسيري)، و لأنه رفض كل المنتج الغربي جملة و تفصيلا فلا غرابة أن تصبح نعمة السفر السريع و الوصول إلى الجانب الاخر من عالمنا الشاسع "نقمة" و نقطة تسجل ضد الغرب "المسيحي ـ اليهودي العلماني الكافر" هذا العالم الذي استغرق من ابن بطوطة أكثر من عشرين عاما ليجوب جزءا منه و استغرق من ماركو بولو ثلاثة أعوام فقط ليقطع طريق الحرير و يصل إلى عمق آسيا، إن السرعة بغيضة و غير إنسانية بنظر المسيري لأنها جعلت الشعوب لأول مرة تطلع على اختلافاتها الفكرية و الدينية و تدرك أن فهمها للتراث الديني قابل للتغير و التحول و التنمية، فالمسيري لا يستطيع تقبل عالم الحركة، و أن كل شيء يتغير إلا قانون التغير نفسه الذي لا يتغير، و لكن القرآن نفسه يعرض مسألة (السرعة) كشيء ذي قيمة و اعتباره تحديا جديرا بالإنسان أن ينظر إليه باحترام و تحدّ في آن واحد، الآية { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} السجدة 6 و قوله { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} المعارج 4 فما معنى تكرار هذه الآيات التي تؤكد على نسبية الزمن و المكان و اختراق الأبعاد الشاسعة في لحظات؟ في الدين التقليدي لا تشكل هذه الآيات أية أبعاد حقيقية على أرض الواقع، فهي مجود كلمات وعظية تنتظر من المؤمنين مجرد "دموع" و "خشوع" لا أكثر، إن للسرعة كما للبطيء جانبين ـ كما هو لكل شيء آخر ـ إيجابي و آخر سلبي، غير أن الإنسان مخير حتى في عصر السرعة أن يستخدم وسائل النقل السريعة أو التنقل البطيء، لاحظ معي كيف أن مواطني دول أوروبية متطورة و في الولايات المتحدة و اليابان من يستخدم الدراجة الهوائية كوسيلة نقل في حياته اليومية، و مرة أخرى ينتقل المسيري من السرعة في الانتقال إلى المسألة الاقتصادية و دوافعها، و كما سبق و رأينا لا يوجد لعلم الاقتصاد الحديث أي جوانب روحية ذات أبعاد دينية، و كل ما يسمى "الاقتصاد الإسلامي" لا يعدو كونه وهما من الأوهام لكي نتصور الوهم القائل بأن "الإسلام دين شامل لكل الحياة" و بالتالي يحق للحاكم و لرجل الدين التدخل في كل صغيرة و كبيرة في حياة المسلم و التحكم بالروحانيات و الطبيعيات في أن واحد.
و ما يسميه المسيري بـ"الإباحية" فهو ليس إلا نوعا من توفر عناصر اللذة و متع الحياة التي كانت في يوم ما حكرا على الملوك، و هي في البلدان العربية و الإسلامية لا تزال كذلك، حيث يتمتع الحكّام بكل ملذات الحياة "حلالها و حرامها" بينما يعاني الشعب كل أنواع الحرمان و الكبت و المآسي، ربّما تكون بعض أوجه الحياة في الغرب "إباحية" كما يبدو، و لكن علينا أن لا ننسى أن قطاعا كبيرا من المجتمع الغربي ملتزم بالدين و القيم الأخلاقية و تماسك الأسرة، و الغرب ها هنا واجه إشكالية الحرية ـ و هي مفهوم غامض غير واضح الملامح ـ بأن استوعبها ضمن سلبياتها، كالذي يتعاطى دواء و هو يعلم أن لهذا الدواء أعراضا جانبية و لكنه يتحمل هذه الأعراض ـ و أرجو أن أكون قد استخدمت المصطلح الطبي بشكل صحيح ـ في سبيل القضاء على مرض أخطر من تلك الأعراض الجانبية، إن اللذة و العلاقات الاجتماعية هي أمر نسبي في كل مجتمع، ففي الوقت الذي نجد فيه الغربي يكون علاقة عاطفية مع امرأة خارج إطار الزواج و نحن الشرقيون نعيب عليه ذلك، يعيب هو علينا ـ و هو ينظر إلينا بمقياس مجتمعه الذي نشأ فيه ـ قيمومية الرجل على المرأة و تعدد الزوجات و زواج الصغيرة من الكبير و ضرب المرأة و ما إلى ذلك، و هكذا نكتشف أن الإنسان يرى في محيطه الاجتماعي في الغالب "مقياسا أخلاقيا" يعتبره هو الأمثل و الأفضل.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول