حول أحداث اعتصام القصبة 3 أو أزمة -الشرعية الوفاقية-

عزالدين بن عثمان الحديدي
2011 / 7 / 21

1. اندلعت أحداث اعتصام القصبة 3 وما تلاها أيام 15 و16 و17 و18 في ظل وضع يتسم بانحسار كبير للحركة الجماهيرية رغم تواصل بعض الاحتجاجات والإضرابات والاعتصامات اكتست في الغالب بطابع محلي أو جهوي ( إضرابات في بعض المؤسسات،إضرابات جهوية عامة بلغت في بعض الأحيان حد العصيان المدني في بعض الجهات وآخرها إضراب عام وإضراب جوع في سيدي بوزيد، "اعتصام المصير"...الخ). هذه التحركات وقع العمل على محاصرتها وإجهاضها حتى لا تأخذ زخما نضاليا كبيرا وحتى تبقى معزولة ولمنع انتشارها لدى أوسع الجماهير وامتدادها جغرافيا الى الجهات الأخرى. واتخذت أساليب المحاصرة والإجهاض أشكالا عدة مثل التعتيم والتشويه الإعلامي والقمع البوليسي الوحشي ودس العناصر المخربة وتنديد البيروقراطية النقابية والتجاهل وغياب المساندة الجدية من طرف الأحزاب والقوى التي تدعي تبني قضايا الجماهير الشعبية وتعمل "على استكمال مهام الثورة".
في الحقيقة ، كان هذا التعامل من قبل أحزاب ما يسمى باليسار مع تلك المحاولات البطولية "اليائسة" للجماهير لمواصلة الانتفاضة خيانة سافرة لها وانضباطا جبانا للتحذير الذي أطلقه رأس الدولة شبه الاستعمارية راعية مصالح الامبريالية والطبقات الرجعية " لن نسمح بالإضرابات والاعتصامات بعد الآن".
هذا الموقف الرجعي ليس بغريب على الأحزاب الانتهازية البرجوازية الصغيرة فقد سبق لها في أوج المد الثوري للجماهير أن أدارت ظهرها للجماهير وتخلت عن مهام تصعيد الانتفاضة حتى تحقيق أهدافها الديمقراطية والوطنية الثورية واستجابت لفزاعات "الانفلات الأمني" و"الفوضى الاقتصادية" ( أنظر مقالنا "خطتان _ تجميل النظام شبه الاستعماري أم القضاء عليه" المنشور في هذا الفضاء)

2. جاء ما يسمى باعتصام القصبة 3 والأحداث التي تلته أيضا في ظل "الأزمة" الحادة التي شهدتها هيأة الالتفاف، والأصح أن نقول الآن بعد انحسار المد الثوري وتحقق جزء كبير من برنامج الالتفاف، هيأة الوفاق الطبقي التي تذكرنا بأحزاب الميثاق الوطني بعيد انقلاب 7 نوفمبر 1987. تفجرت هذه الأزمة اثر انسحاب حركة النهضة وأحزاب أخرى منها على خلفية الخلاف حول " العهد الجمهوري" و قانون الأحزاب وخاصة ما تعلق منه بموضوع "المال السياسي".

فقد ثارت في الأيام التي سبقت انسحاب "النهضة" ثائرة أطراف الهيأة العليا من "اليساريين" الإصلاحيين وتجندوا لمحاربة ما أسموه بالمال السياسي وأعدوا "مرسوما" ليقيهم شرّ المال السياسي.لقد تناسى انتهازيونا أن المال السياسي كان دائما موجودا وهو العنصر الحاسم في جميع الانتخابات بما في ذلك الانتخابات "الديمقراطية جدا" في البلدان الامبريالية، لذلك يعتبر لينين وكل الشيوعيين الثوريين أن الديمقراطية البرجوازية زائفة ومنافقة. فما بالك بالأمر في بلد يعيش اضطهادا شبه استعماريا وتهيمن عليه أشد الطبقات رجعية : البرجوازية المحلية الكمبرادورية والملاكين العقاريين. لن تجدي جميع المراسيم ولا "ثورة" الإصلاحيين ناشري الأوهام حول "الديمقراطية" في ظل الهيمنة الامبريالية والطبقات الرجعية، سيشق المال السياسي طريقه غصبا عن الجميع، هذا قانون من قوانين الرأسمالية الامبريالية.
وقد عبرنا آنذاك عن الموقف الثوري من هذا الموضوع والمتمثل في فضح المهزلة الديمقراطية وفي فضح الأطراف الرجعية التي تتلقى الدعم المالي وغير المالي من الدوائر الامبريالية والخليجية وفضح الإصلاحيين الذين يتلقون ويسعون إلى تلقي الدعم المالي واللوجستيكي من دوائر امبريالية متسترة بالمنظمات الدولية. موقفنا هو فضح المهزلة "الديمقراطية" ودعوة الجماهير لمواصلة النضال الثوري.

3. لا يمكن فهم ما جرى خلال ما يسمى باعتصام القصبة 3 والأحداث التي تلته دون ربطه بالصراع الطبقي الدائر في البلاد والتغيرات التي حصلت خلال الأشهر الأخيرة على ميزان القوى بين الجماهير المنتفضة من جهة والامبريالية وحلفائها من جهة أخرى.
فبعد هبوط المد الثوري وتأكد دخول الحركة الجماهيرية في مرحلة انحسار وقتي وبعد أن خطت الامبريالية وحلفائها البرجوازية الكمبرادورية والملاكين العقاريين خطوات واسعة في اتجاه الالتفاف على انتفاضة الجماهير وخاصة بعد أن ثبت ضعف القوى الثورية وعجزها عن تعبئة الجماهير وقيادتها وبعد أن أثبتت القوى "اليسارية" الانتهازية طابعها الاصلاحي المعادي لمطالب الجماهير واستعدادها "للتعاون" في اطار من الوفاق والسلم مع الامبريالية بما يكرس تواصل وتدعيم النهب و الاستغلال الرأسمالي شبه الاستعماري، آنذاك شعرت الامبريالية وحلفائها بعدم وجود حاجة ملحة وعاجلة إلى اللجوء للحركة الدينية الرجعية فاتجهت نحو تدعيم التوجه الكمبرادوري "الحداثي" القائم على تحالف أحزاب كمبرادورية مكشوفة ( الأحزاب التي فرخها التجمع، الح الد التقدمي، التجديد، الحزب الاشتراكي اليساري... الخ) والأحزاب "اليسارية" الإصلاحية (حركة الوطنيين الديموقراطيين، حزب العمل الو الد،...الخ)
إن سعي حركة النهضة لتنظيم ما يسمى باعتصام القصبة 3 لم يكن كما نادت بذلك العناصر التي حاولت الاعتصام من أجل معاقبة قتلة شهداء الثورة أو من أجل توفير الشغل والتنمية في "الجهات المهمشة"، بل هو محاولة ضغط ورسالة موجهة للامبريالية و للحكومة المؤقتة لتذكيرها بقوتها ودورها في ضمان الاستقرار الذي تنشده الامبريالية والطبقات الرجعية.
لقد كان الوفاق كبيرا بين الاصلاحيين والقوى الكمبرادورية "الحداثية" من جهة، والقوى الكمبرادورية "الظلامية " من جهة أخرى، طالما تعلق الأمر بالالتفاف على انتفاضة الجماهير ومنعها من التطور نحو القضاء على الاضطهاد الامبريالي واستغلال البرجوازية المحلية الكمبرادورية وكبار الملاكين العقاريين. لكن لما حاولت القوى "اليسارية" الإصلاحية المتواجدة في الهيأة العليا بمعية القوى الكمبرادورية "الحداثية" جرّ حركة النهضة للتوقيع على التزامات تتعلق بتوظيف الدين والمؤسسات الدينية وبمسألة المرأة وبتقاليدها "الخيرية" في شراء الأنصار، انفرط عقد الوفاق الرجعي وانسحبت النهضة من هيأة الالتفاف لأنها دخلت من أجل الالتفاف على انتفاضة الجماهير الشعبية وأخذ نصيبها كاملا من "الكعكة" لا من أجل التضحية بخصوصية برنامجها السياسي والثقافي كبديل امبريالي_كمبرادوري يتميز باستخدامه الدين لقمع وترويض الجماهير.

4. قراءة في بعض المواقف السياسية من "اعتصام القصبة 3" وما تلاه من أحداث

1_ بيان حركة الوطنيون الديمقراطيون

ان بيان الحركة الصادر في 18 جويلية 2011 يشكل خطوة جديدة على طريق الاصلاحية ونهج الوفاق الطبقي الذي سارت عليه هذه الحركة منذ 14 جانفي 2011 :
- يتحدث البيان عن" انفجار بؤر العنف في العديد من مناطق البلاد وبشكل خطير استهدف الأرواح والممتلكات" دون أن يحدد صراحة القوى التي تقف وراء ودون بيان أسبابه.
إن ما سكت عنه "البيان" هو أن هذا العنف تقف وراءه أجهزة النظام والثورة المضادة من أجل ارهاب الجماهير ولجم نضالاتها الثورية وقد اتخذ عدة أشكال : - تفجير صراعات عروشية رجعية في أشد المناطق معاناة وتهميشا وتعرضا للاستغلال والنهب الرأسمالي شبه الاستعماري (منطقة الحوض المنجمي، القصرين الخ) بعد أن شهدت تلك المناطق صمودا وإصرارا على مواصلة الانتفاضة لتحقيق مطالب الجماهير(إضرابات وإعتصامات) - تحريك عصابات النهب والحرق وتوقيتها مع اندلاع الاحتجاجات الجماهيرية لتشويه تلك الاحتجاجات وتبرير قمعها الدموي.
ويحاول "البيان" بطريقة غير مباشرة أن ينسب العنف إلى حركة النهضة ولكن بطريقة مجانية ودون أية حجة عدا شقها لصف الوفاق والسلم الطبقيين اللذين تدعو لهما حركة الوطنيون الديمقراطيون. فهم ينسبون لها تهمة العنف "لمعاقبتها" لكونها "عملت على نسف التوافق السياسي الأساس الذي أعتمد لإدارة المرحلة الانتقالية" كما جاء في نص البيان.
- لم يتجرأ بيان الحركة على فضح سياسة الحكومة المؤقتة المواصلة والمعمقة للنهب الامبريالي، لم يشر إلى تزايد بؤس وتفقير الجماهير في الأشهر الأخيرة وتوسيع التهميش والبطالة في مقابل محافظة الامبريالية والبرجوازية المحلية والملاكين العقاريين على أملاكهم وامتيازاتهم وتعميق استغلالهم للعمال والفلاحين. في مقابل ذلك تدعوهم الحركة للهدوء وتبشرهم بـ"تطويق العنف" وبـ"تفعيل الهيأة العليا...إطارا لتنظيم الاختلاف وإدارة الحوار بين مختلف الفرقاء" ؟؟؟
- تميزت حركة الوطنيون الديمقراطيون في هذا البيان بـ"غيرتها" و"استبسالها" في الدفاع عن التوافق فهي "ترفض العنف كصلة تواصل وتعامل بين كل الفرقاء السياسيين مهما كان سببه" وهي تطالب "الحكومة المؤقتة والأحزاب السياسية الأساسية (؟) لاجتماع فوري من أجل تطويق الانفلات الأمني الأخير ومحاصرة نتائجه والتأسيس لتوافق سياسي يؤسس لشراكة في إدارة المرحلة الانتقالية".
وهكذا سرعان ما فضح حركيونا أنفسهم، فبعد توجيه الاتهام بممارسة العنف للنهضة بصفة مجانية وانتهازية، يمدون أيديهم للجميع ويدعونهم للتوافق. ونحن نسأل حركة الوطنيون الديمقراطيون ما هو المحتوى الطبقي لهذا التحالف والتوافق مع الحكومة المؤقتة والأحزاب "التجمعية" والنهضة؟ من تمثل هذه القوى؟ ماذا يمكن أن تكون محصلة التوافق بين الامبريالية والبرجوازية المحلية الكمبرادورية والملاكين العقاريين من جهة وجماهير العمال والمهمشين والفلاحين من جهة أخرى؟ هل يمكن أن تكون غير العمالة وتأبيد النهب والاستغلال الرأسمالي شبه الاستعماري؟

2- بيان حزب العمال الشيوعي التونسي – 15 جويلية 2011

جاء بيان حزب العمال مقتضبا واكتفى بإدانة القمع الذي مارسه البوليس على المعتصمين دون أن يبين الأهداف الحقيقية للنهضة من وراء الدعوة لما يسمى باعتصام القصبة 3. ويعد هذا الموقف موضوعيا مساندة ودعما لحركة النهضة وهو ما يوحي بمغازلة هذا الحزب للحركة الدينية الرجعية واستعداده المتجدد للتحالف معها.
كما لم يفضح البيان سياسة تعميق النهب الامبريالي للبلاد وتزايد التفقير والتهميش والاستغلال الرأسمالي شبه الاستعماري لجماهير العمال والفلاحين وركز كعادته على مسألة الحرية السياسية و"يهيب بكل القوى الديمقراطية أن تكتل صفوفها في وجه عودة دولة البوليس التي تهدد مكاسب الثورة" وطبعا "مكاسب الثورة" لم تتعدى إلى حد الآن مسألة التأشير لنشاط الأحزاب وهامش الحرية الذي انتزعته الجماهير والذي بدأ يضيق فعلا يوما بعد يوم. إن حزب العمال بقي وفيا لنهجه الاصلاحي في الإنتقاص من المسألة الوطنية والمسألة الزراعية في نضال الجماهير ضد الامبريالية والطبقات الرجعية.

3- بيان الوطنيون الديمقراطيون *الوطد*

كان محتوى بيان الوطد بتاريخ 17 جويلية 2011 وطنيا ثوريا ومتمايزا عن مواقف الأطراف الانتهازية والاصلاحية. حيث قام بفضح سياسة الحكومة في تعميق النهب الامبريالي والالتفاف على مطالب الجماهير التي رفعتها في انتفاضتها. كما فضح مهزلة "الانتقال الديمقراطي" التي تديرها الهيأة العليا وأشار بصواب إلى انتقال القوى الرجعية "من سياسة الدفاع أمام المد الثوري في المراحل الأولى من الانتفاضة إلى الهجوم المنظم على الشعب باستعمال مختلف أساليب الاحتواء والدمغجة والتضليل تارة وبانتهاج العنف الرجعي المبرمج والمنظم تارة أخرى."
وفي هذا الإطار نرى أنه قد حان الوقت لأن يقوم الرفاق الوطد بتقييم جدي لأطر مثل "جبهة 14 جانفي" أو "المجلس الوطني لحماية الثورة" من أجل تفعيلها و تحويلها لأطر ثورية حقا تساهم في تعبئة الجماهير للنضال الثوري أو التفكير في أطر جديدة قريبة من جماهير العمال والفلاحين الفقراء والمهمشين تؤطرهم وتدافع عن مصالح وتعمل على تعبئتهم للنضال الثوري ضد الامبريالية والطبقات الرجعية.