مخاطر عنف النخب القبلية الاسلاموية على مستقبل التغيير

نجيب غلاب
2011 / 7 / 19

لم تكن الاحتجاجات السلمية الباحثة عن التغيير تتخيل إن نضالها قد يقودها إلى المسار المناهض لطموحها، وأن المطالبة بالتغيير قد ينتج عنف أصولي قبلي باسم التغيير، فالحراك أنتجته قوى مدنية طموحها أن تتجاوز الماضي وتنقل اليمن إلى مستقبل أكثر أمنا، أرادها الشباب ثورة سلمية للحرية والتسامح حتى يتمكن اليمن من نسج التقدم وبناء دولته المدنية، أرادوها ثورة إنسانية متحيزة للتمدن والسلام، فحولتها القوى الانقلابية إلى حراك الجماهيري مرتبك وقوده التخلف والدمار.
من يراقب الأوضاع وتطوراتها يلاحظ ان قوى المصالح وحتى صانعي الفعل الثوري اللاعنفي لم يستوعبوا طبيعة الثورات في القرن الواحد والعشرين، فالحاكم مثلا أراد محاصرتها فكانت أفعاله القلقة والمشتتة لإجهاض الانتفاضة هي مصدر قوة الاحتجاجات بل أنها شكلت المدخل الأكثر خدمة للحركة الجماهيرية للتحويل إلى ثورة شعبية، فالحراك في مراحله الأولى كان متحيزا للشعب وهذا كان سر تفاعل جزء لا يستهان فيه من الناس مع مطالبه، ورأوا فيه النور الذي طال انتظاره، وبدت معالم النصر في الأفق، ووجد الحاكم نفسه مجبرا على طرح مبادرات كانت كفيلة بتحقيق التغيير الجذري والشامل لو تم التفاعل معه ببراغماتية وقتئذ.
تخوفت القوى الحزبية من التغيير الذي يمكن ان يصنع ثورة إعادة بناء بالتوافق مع الحاكم، فرفضت كل المبادرات واستغلت الاندفاع الحيوي والحماسي للشباب، ووضعت خطة سلطوية انتهازية للهيمنة علي ساحات الاعتصام وتحويل الحراك الشعبي إلى بوابة لاقتناص السلطة، هذه الهيمنة مكنتها من إعادة صياغة وعي القوى المتحركة في وسط الاحتجاجات لصالح مشروعها، ولأن القوى الصانعة للقرار في بنية القوى الفاعلة الباحثة عن العرش تجهل معاني السلم فقد عسكرته وتعاملت بنزعة أمنية شمولية مع الحراك الجماهيري، ودفعت بكل قوتها وفق مخططات متشعبة لتحويل الانتفاضة إلى انقلاب ناعم، وعندئذ تاهت الاحتجاجات في دهاليز الثورة المضادة وفقد الفعل الثوري الحالم بالثورة التي كان من المؤمل ولادتها وهجه وأدى دخول وجه النظام الحاكم المتمرد إلى انقسام شعبي حاد، ولأن الحاكم ومنظومته أبدت تماسكا قويا وقدرة على امتصاص الصدمات، تغيرت الإستراتيجية السلمية بالتدريج وأصبح العنف ضرورة لإتمام الانقلاب الذي يقوده وجه النظام الأكثر تخلفا وبشاعة، والذي يبحث عن شرعية ثورية لفرض سيطرته وشرعنت تقليديته القبلية والاصولية ونزعته التوتاليتارية بثورة القوى الجديدة التي سيتم ابتلاعها ومحاصرتها لاحقا، وقد تمكن في الراهن من وضعها في زوايا ضيقة وحولها بذكاء شديد إلى فعل خائف مضطر أن يستمر في نضاله رغم يقين صانعيه أنهم أصبحوا بين فكيه.
سنركز في هذه المقالة المطولة على دور النخب القبلية في خنق مشروع التغيير وربما إفشاله ان لم يتم تعديل إستراتيجية النضال لدى القوى المدنية وأيضا لدى القوى التي تمثل نظام الحكم، لنتناول في مقالات لاحقة دور الأحزاب الأصولية والمؤسسة العسكرية والأمنية المنشقة في الصراع ومخاطر مناوراتها على مستقبل التحول.
بادي ذي بدء لم يكن دخول القبيلة عبر نخبها وبعض مرافقيهم القبليين عفويا أو نتاج قناعة بالوعي الجديد الذي يحرك القوى الشابة والقوى المثقفة والفكرية التي قادت معاركها من أجل التنوير وكان التحرك الشبابي نتاج طبيعي لنضالها الطويل، لقد كان تحرك النخبة القبلية من الصف الثاني موجها ولتدعيم حسابات اللاعبين الكبار من أصوليين وقبليين وتجار كبار وعسكر مسيسين وغارقين في ايدولوجيا الإسلام السياسي.
تمكنت تلك الأطراف بخبرتها التنظيمية ومخططات أجهزتها الأمنية من اخترق الساحات ودفعت بالقبائل عبر مجاميع متنوعة طالما مارست العنف إلى الساحات بلا سلاح، وشكلت رموز النخب القبلية التي تحولت إلى المعارضة نتيجة خسائرها المتلاحقة في صراعات النفوذ المحور الجامع للنخبة القبلية وارتبط الجميع بالإستراتيجية التي وضعت للسيطرة على الساحة ومن ثم الحكم، وبالآلة الإعلامية الضخمة واستغلال رغبة النقاء والطهارة الثورية تم إعادة رسم ملامح القوى القبلية شكلت عصى غليظة في دولاب التغيير بأن التحاقها بالساحات نتيجة طبيعية للتغيير الذي حدث في البنية القبلية.
لم تنتبه القوى الشابة بعد تم صياغة وعي جمعي عاطفي متهور منفعل بالخطاب الديني للإسلام السياسي من استيعاب واقع تلك القوى وطموحاتها والوعي المؤسس لفاعليتها السياسية، ولم تتمكن القوى المنتجة للأفكار والأكثر وعي من لفت انتباه الحركة الجماهيرية، بل أن التنبيهات الفكرية التي حاولت تقديم تفسيرات وتقويم مسار الفعل الثوري وعقلنته تم فرض حصار شامل عليها وعملوا منتجو الأفكار كقوى مناهضة للثورة يحركها الجهاز الأمني داخل منظومة الحكم.
ونشير هنا إلى مسألة مهمة: المتفحص الحصيف سيجد أن النخبة القبلية الأكثر تماهيا مع الإسلام السياسي هي الأكثر بروزا وتواجدا والأكثر تناغما مع الساحات، وهذا جعل حركتها مضبوطة بالفاعل التنظيمي للإخوان المسلمين، وهذا لا يعني أن النخب القبلية ومجاميعها التي لها انتماءات أخرى أو الباحثة عن دور او المتحالفة مع القوى العسكرية المنشقة لا تلعب دور فاعل في الساحات، وما يجعلها جزء من التركيبة المرتبطة بالتحالف المعقد للإخوان المسلمين أن أغلبها تم توجيهها إلى الساحات بعد وعود كبيرة بالغنائم ومنحها هبات لتفعيل دورها من قبل المرتكزات الموجهة والمسيطرة للتحالف الاخواني، كما أنها من ناحية فعلية محكومة بالوعي التقليدي للتيار الديني القبلي رغم الملامح الحديثة التي تظهر على بعض رموزها.
وما يزيد من مخاطر الوجود القبلي ووعيه على الحركة الجماهيرية أن القوى المدنية لم تتمكن حتى اللحظة رغم بروز تيار ثوري متمرد في الوسط المدني من فحص واقع تلك النخب ودوافع التحاقها والقوى التي فعّلت من وجودها، وبدل من ذلك صنعت حجاب سميك على عقلها وخلقت بناءات فكرية دعائية للنخب القبلية ومرافقيهم متأثرة بالسيل الدعائي الجارف الذي تتحكم فيه التحالف المعقد للحركة الاخوانية، وقد لعبت أطراف حزبية ذات نزوع مدني ومرتهنة للاعبين الكبار وطريقة النضال التي ركزت على صناعة الحلم وحجب كل خطاء على تدعيم الوجود القبلي، وما يزيد من تغطية الفساد الذي يحاصر التغيير أن بعض القوى المتآمرة يسارية مناطقية وتقليدية مذهبية تتحرك وفق استراتيجيات تعتقد أنها من خلالها ستنتج معركة كبرى تأكل طرفي نظام صالح دون إدراك أن القوى التي تساندها أكثر ذكاء وإنها تدير صراعها وهي مدركة لأهدافها وللقوى التي تشتغل معها، وما يجري في الراهن يؤكد أن التحاق النخب القبلية تحركها الإستراتيجية التي يصنعها قلب التيار الديني القبلي وأن تعقيد الصراع يتحول كل يوم إلى مشنقة لفكرة التغيير وقوة مدمرة للسلم وللحلم المدني، وأن الحرب التي قد تنتجها تعقد الصراع سيكون المدخل لانتصار التيار الديني القبلي، فالحرب عبر تاريخ الجمهورية كانت هي طوق نجاته وسم لقوى التنوير.
ومع تعقد الصراع لم تعدّ الاحتجاجات مرتبطة بالمشروع الذي يؤسس للمدنية رغم الضجيج الإعلامي ولانفعالات المخطط لها خداعا وتمويها من المتحكمين بالساحات والذين يتحركون بأجندة متعددة متحكم فيها لتحقيق الهدف، فالنضال السلمي يتحرك بعد أن تم فرض منطق القبيلة ونطقت عصبيتها بالعنف لضرب مرتكزات الحكم وهي مدعومة بالميليشيات المتأسلمة وبالسلاح والريع، ورغم ان الساحات تتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه إلا ان الفاعل المدني الذي هو جزء من التركيبة المعقدة للاخوان هو الأكثر بروزا وأصبح فعله جزء من إستراتيجية يتم أدارتها من مراكز السيطرة والتوجيه لتدعيم غلبتهم.
والخلاصة مهما حاول البعض التغطية عن الواقع أن الساحات ففقدت هيبتها وأصبحت ملحقة بحاملي البنادق ومسار يتحرك لمساندة عملية انقلابية تنتج عنف مدمر يتم تغطيته بدعاية سوداء، ومسألة تصدر القبيلة في الراهن وخفوت صوت القوى المدنية ناتج عن هيمنة فكرة الانقلاب على مالكي القوة المتحدين لنظام صالح ونتيجة طبيعية لقناعتهم أن وعي القبيلة مازال هو العامل الأكثر فاعلية وتأثيرا في واقع اليمن.
ومن يتابع واقع الصراع سيجد أن القبيلة في اليمن مازالت هي القوة السياسية الأكثر فاعلية فهي القوة المهيمنة على الفعل السياسي بتجلياته المختلفة لذا فإن تأثيرها على صناعة القرار مازال قويا سواء داخل المؤسسات الرسمية المدنية والعسكرية أو من خارجها عبر الأحزاب أو التنظيمات المختلفة التي شكلتها النخب القبلية في المجتمع المدني ومن خلال قدرتها على تعبئة وتحشيد أعضاء القبيلة، وعادة ما يتم تفعيل دور القبيلة من قبل الساسة لصالح الشيخ الذي يتحول إلى زبون للسياسي يقوم بحكم القبيلة ويعمل على الحدّ من نمو المطالب وضمان ولاء رعيته للنخبة المسيطرة، ويملك قدرة على تحويل العصبية الى قوة مقاتلة تخدم قوة الشيخ وتدعم السياسي الباحث عن السلطة والثروة.
والعصبية القبلية تبدو أكثر وضوحا وبروزا في المناطق الجبلية التي كانت تشكل تاريخيا القوة المساندة للإمام الزيدي في شمال اليمن، وكان يطلق على حاشد وبكيل وتحالفاتهما جناحي الحكم الأمامي، وأيضا في المناطق الشرقية البدوية في محافظة مأرب والجوف وشبوة وحضرموت، أما القبائل في المناطق الأخرى في اليمن فهي ضعيفة إلا أن تخليق المشايخ ودعمهم مازالت هي السياسة المتبعة ففي ابين مثلا فإن القبيلة بدأت تسترجع مكانتها بعد أن دخلت حالة كمون في عهد الحكم اليساري لجنوب اليمن.
الاشكالية العويصة بفعل هيمنة التيار الديني القبلي على الفعل الثوري ان القوى التقليدية في التكوينات الجغرافية التي تحررت من ماضي القبيلة البالي مع الاحتجاجات وقعت في فخ القبيلة من جديد وأصبح فعل العنف الذي ينتجه المجتمع باسم القبيلة ممجد وضرورة لحماية الساحات كما ترى بعض القوى المدنية، بمعنى ان الفعل السلمي المطالب بالتغيير بحاجة الى عنف مضاد، ورغم منطقية العنف المنتج من المجتمع إلا انه عنف في نهاية الأمر يفقد التغيير حيويته ويعيد انتاج الماضي باسم التغيير، كما انه يتحرك وفق مخطط يشرعن للماضي باسم الثورة، ان الفعل التغييري الذي تنتجه القبيلة أصبح قوة مضادة معيقة للتغيير، وهذا العنف سوف يقود الى تخليق مراكز قوى تقليدية مستقبلا محاصرة للحرية ومتحدية للعدالة، وفاعل منتهك لكرامة الافراد بوعي عصبوي متسلح بالعقائد الاسلاموية ومتحدي ومشوه لانسانية الانسان، والاهم في الراهن انه قوة دافعة لاتمام الانقلاب الناعم لحركة الاخوان المسلمين.
من ناحية تاريخية عندما انتصرت الجمهورية في شمال اليمن في ستينيات القرن الماضي تمكنت النخب القبلية من أن تصبح شريكا أساسيا للاتجاه المدني في الحركة الوطنية وفرضت وجودها داخل النظام السياسي وتمكنت من الحصول على صلاحيات واسعة في حكم مناطقها، وقام النظام الجديد بعسكرتها بهدف تثبيت أركان النظام وتحويل قوتها المقاتلة إلى قوة مساندة للمؤسسة العسكرية التي اعتمد تكوينها لاحقا على القبيلة، وتم عزل القبيلة عن التحولات بفعل سياسات النخب القبلية التي عملت على تعميق وعي القبيلة التاريخي ونتيجة لانتهازية السياسي في المركز وتخلي الدولة عن وظائفها، وقد أدت العزلة إلى تعميق تخلف القبيلة وأصبحت قوة مساندة لدعاة تجميد التغيير السياسي والاجتماعي، فهل يعيد التاريخ نفسه وأن بطريقة أخرى.
وعلينا أن ندرك أنه رغم مرور خمسة عقود على النظام الجمهوري إلا أن التحديث مازال بطيئا في اليمن أما المجتمعات القبيلة فقد حولتها نخبتها إلى معسكرات مغلقة يأكلها الفقر والجهل وفُرض عليها صراعات بين تكويناتها بهدف استمرار عاداتها وتقاليدها وتعميق عصبيتها وتشتيتها في الوقت نفسه لصالح الشيخ والسياسي المهموم بمراكمة قوته، ومع الصراعات السياسية المتلاحقة وتناقضات النخب تغلب الفعل المناهض لقانون الدولة، وتحولت القبيلة إلى عصا بيد النخب القبلية ترفعها في وجه الدولة ترهيبا وترغيبا بهدف زيادة نصيبها من الغنائم وقد أدى إشباع نهم المشايخ إلى إسناد قوة النخبة السياسية المهيمنة، وسهل للقوى المعارضة للتحديث إعاقة نمو أي حركات اجتماعية ذات نزوع مدني.
وحتى اللحظة مازالت القبيلة هي سر قوة القوى الفاعلة في الحكم والمعارضة، إلا أن المتابع لابد أن يلاحظ أن التحولات المتلاحقة التي فرضتها المتغيرات الاقتصادية والسياسية والثقافية بدأت تضع القبيلة والسياسات الداعمة لاستمرارها على المحك، فالمجتمع المدني بدا يفرض ثقافة جديدة معارضة للنخبة القبلية ومنظومة الفساد ويطالب بدولة القانون وبتحرير القبيلة وإخراجها من وضعها المزري، هذا التحول يتم إعاقته في اللحظة التاريخية الراهنة صراع النفوذ بين القوى المتقاتلة على حكم البلاد فالقوى الانقلابية بعد ان عجزت من إتمام سيطرتها على الحكم من خلال الفعل السلمي للاحتجاجات بدأت تفجير البؤر القبلية لمواجهة النظام الحاكم بتبني إستراتيجية انهيار الدولة وقد وجدت النخبة القبلية فرصتها لفرض وجودها وهيبتها من خلال ممارسة العنف، ونشير هنا إلى نقطة محورية وجوهرية ان الحاكم حتى اللحظة مازال ملتزما بإدارة صراعه خارج إطار تفعيل المراكز القبلية المؤيدة والمناصرة له، وقد يضطر في حالة استمر ضغط النخبة القبلية المتأسلمة والمتحكمين في حركتها إلى تفعيل قوة القبائل المؤيدة ولأنها غير منضبطة فإن انفلاتها قد يقودنا إلى صراع عبثي يأمل الأخضر واليابس، ويجعل التحالف المعقد للحركة الاخوانية في حيص بيص للخروج من صراع قد يكون هو ضحيته الأولى، أما اليمن فقد تعيد صياغة تحالفاتها باشراف اقليمي ودولي للخروج من الفوضى ربما بنظام متطرف مهووس بالمسألة الامنية تسنده قوى تقليدية مرتهنة لمصالحها.
من جهة أخرى نؤكد أن عنف القبيلة في مواجهة الدولة حتى وان كانت مساندة للفعل الاحتجاجي ذا مخاطر كبرى على مستقبل اليمن فالقبائل اليمنية منقسمة على نفسها وولاءاتها مشتتة، وقد يؤدي إضعاف الدولة إلى انفلات الصراع بين القوى القبلية، ولأن الإرهاب وحركات التمرد ارتبطت بالبنية القبلية فإن القبيلة قد تتحول إلى مأوى لنقائض الدولة، فتنظيم القاعدة وجد في القبيلة البيئة الحاضنة والحامية لأنشطته، كما أن الحوثية وجدت في القبيلة مدخل أساسي لفرض عقائدها وسياساتها فهي توظف وعي القبيلة لإعادة تعبئة المجال الهاشمي وتوظف العقائد لتحريك المجال القبلي، وقد وجدت فيها بعض القبائل قوة محفزة وتعبوية للتعبير عن نفسها، أما الحراك الجنوبي فقد وجد أن تحركه في مسارات متحدية لصنعاء بحاجة إعادة توظيف وعي القبيلة بنزوع مناطقي وأحيانا طائفي، وهذا افقده الكثير من حيويته ولم يتمكن من تخليق مشروع متماسك، بما يعني ان دخول القبيلة في الصراع يفعل وعيها وينمي من روح التمرد في المجتمع في مواجهة الدولة، وسيولد انقسامات بين التكوينات الجغرافية قد تفكك وحدة الوطن وتؤسس لصراعات داخل كل تكوين جغرافي بين قواه المتنازعة.
والنخب القبلية التي تقود التمرد أو ستقود تمرد مضاد من ناحية فعلية لا تحمل مشروع واضح ودخولها على خط صراعات اللحظة الراهنة مرتهن لمصالحها اولا واخيرا حتى ذات النزوع العقائدي لأن الغنيمة هي المحرك الأساسي لنشاطها، وهي في أغلبها عملت ومازالت على عزل القبيلة عن مسار التحولات الايجابية، ولتوضيح مخاطر استمرار عزل القبيلة وتنمية التخلف بين أعضائها، والارتكاز على النخب القبلية دون مراعاة مصالح أبناء القبائل لابد من فحص الحراك الاجتماعي الذي أنتجته الحركة الحوثية فهذه الحركة ليست في أحدى أبعادها إلا نتاج طبيعي لتخلف القبيلة فقد تمكن رجل الدين الأصولي من إعادة تحفيز هذه الكتلة المنغلقة على نفسها والمعزولة عن العصر من خلال شعارات دينية بالية قادمة من القرون الوسطى، وتمكن من تحويلها إلى حركة متمردة، تواجه الدولة والمشايخ بالفعل المسلح والفكر المؤدلج، وعلى الرغم ان تجربتها الماضية والاحتجاجات الحالية فتحت لها آفاق كثيرة إلا انها لم تتمكن من تحرير نفسها من البنية العقائدية التي أسست لها وبناء إستراتيجية جديدة في صراع السياسة لم تمكن المراقب من ملاحظة التغير في بنيتها الفكرية ومسارات نضالها..
ونشير أن القوة القبلية المقاتلة التي تحركها الإستراتيجية الانقلابية التي يقودها قلب التيار القبلي الديني من جانب آخر تتحكم بهم رؤى دينية ذات نزوع طائفي وهذا سوف يجعل من أفعالهم تخلق نقيضها في المجال القبلي المتحركين فيه خصوصا في المناطق التاريخية للزيدية وليس صراع الجوف إلا عينة معملية لضعف الدولة وغيابها في الجوف، ومهما حاول كل طرف أن يموه ويغطي عن هذا الصراع حتى لا يؤثر على المعركة مع النظام إلا أن المستقبل الذي تضخه الآلة الاعلامية للمعارضة يتحرك خارج نطاق واقع الحال وهو اشبه بعملية تزوير لحجب مخاطر التحولات التي ستقودنا إلى قعر الجحيم.
فيما يخص السلام في صعدة فهو تعبير عن هيمنة حوثية وتبعية الآخرين وتأجيل لمعركة ستكون أشد وطأة أن استمرت عملية الخداع، وعلينا أن ندرك الانقسام القادم في المجال الزيدي تاريخيا سوف يؤسس لصراع طويل وسنلاحظ أن جزء لا يستهان فيه من النخب القبلية تتحرك في صفوف الحركة الحوثية أما نتيجة ولاء غرسته الايدولوجيا الدينية للفقيه الهاشمي وإما نتيجة حاجة للغنائم التي تأتي من سلة الملالي المتخمة بزكاة الخمس، وأما نتيجة لتعصب قبلي باعتبار الحركة الحوثية تتحرك في مجال قبلي بكيلي، قد تعيد ترتيب مصالحها وتحالفاتها في حالة ضعف الدولة أو انهيار مؤسساتها لمناهضة التحالف المعقد للإخوان المسلمين، وفي حالة تم الإصرار على تصفية النظام فإن القوى الخاسرة قد تجد في التحالف الديني القبلي ذات النزوع الزيدي مدخل في المواجهة وقد يتحول في حالة بقاء اليمن موحد إلى قوة معسكرة متحالف مع اليسار الذي يبحث عن قوة في شمال مساندة لقوته في بقية اليمن لتحقيق مشروعه المدني من خلال السيطرة الكلية على الدولة، وهذا سيعيد انتاج صراعات عبثية تشتت مشاريع انقاذ اليمن.
ونشير هنا أن النخب المشائخية في بكيل وحاشد التي مازالت خارج نفوذ الحركة الحوثية أو التي أخرجتها الحوثية من مناطقها تخاف من التحولات التي قد تحدث بفعل التحولات الحالية، فالتغيير الذي قد ينتج عن الصراع الحالي قد يقود الى تفكيك الدولة وهذا قد يعيد ترتيب البنية القبلية لصالح الحوثية ، وفي السابق لم تجد النخب القبلية في فترة الصراع مع الحوثية من خيار أمامها إلا بناء تحالفات لحماية نفسها وقد وجد السياسي اليمني المتخوف من الحوثية في الحكم والمعارضة والقوى الخارجية التي ترى في الحوثية واجهة للتدخل الإيراني فرصتهم في هذه التكتلات القبلية باعتبارها قوة قادرة على صدّ الزحف الحوثي وربما السعي للقضاء عليه.
المشكلة أن الاحتجاجات الحالية وتطور الصراع بالاتجاهات التي تخطط لها القوى الانقلابية ستحول التحالفات القبلية التي تم صياغتها في الصراع الماضي إلى قوة مرتبكة وظيفتها الفعلية مهما كانت ادعاء المبررين لها في الساحات تعيد إنتاج القبيلة وتعمل على عسكرتها وربما تدخلنا في صراعات مذهبية نحن في غنى عنها ومن جهة أخرى فإن هكذا تحالفات لن يساعد كثيرا على مواجهة المشاكل الحقيقية التي تواجه اليمن ولن يخدم المناطق القبلية ومشاكلها المتراكمة بل قد يزيدها استفحالا وربما تنمو مع الوقت صراعات في البنية القبلية ستقود حتما أبناء القبائل في نهاية الأمر في ظل الفقر والجهل إلى تبني الايديولوجيات الاصولية المتبنية للعنف، كما أنها حتما قد تورط الاخوان المسلمين في صراعات طويلة وتحولها إلى حركات عنيفة وعندئذ قد تتمرد على حركة الاخوان لتقترب من القاعدة، فالبؤر القبلية الاخوانية اليوم تمارس العنف باسم الاسلام والثورة لتدمير الدولة وتفكيك المجتمع، ولا أدري هل هي مستوعبة لفعلها، أما انها مخترقة من قوى قاعدية دون علمها.
ولابد من لفت الانتباه رغم الاشارات السابقة للفكرة أن الحركة الحوثية في حالة تعاظم دور البعد الديني في البنية القبلية القريبة من المشروع الاخواني قد يدفعها إلى إعادة بناء إستراتيجيتها السابقة لتوسيع نفوذها وسيطرتها، فتطور الصراع وتراكم التعقيد في مساراته الحالية سيجعلها بحاجة إلى توسيع نطاق عملها التعبوي، مع ملاحظة أن لديها قدرة على مخاطبة أبناء القبائل، وقد أثبتت في مراحل الصراع أنها أكثر قربا من القبيلي العادي لأنها تخاطب عاطفته وتمنحه أمل من خلال خطاب تعبوي مشحون بالشعار الديني والقيم القبلية، بعكس النخب القبلية التي يتركز اهتمامها على تحصيل الغنائم من خلال تحويل القبيلي العادي الى مقاتل يقاتل من أجل حماية مصالح شيخه، من جانب آخر فأن تعبئة القبائل من خلال العصبية خارج سياق المشروع الوطني حول بعضهم إلى مرتزقة فاقدو للمعنوية، فالتجربة الماضية قد ولدّت لدي الكثير من أبناء القبائل قناعات أنهم ليسوا إلا بيادق في معارك نخب مشائخية مهمومة بتراكم مصالحها.
مسألة الاعتماد على القبيلة من ناحية عملية في الراهن أصبح مقبولا لدى القوى المتنازعة في الداخل بل أن الشيخ المؤدلج يقود معاركه باسم القيم الكبرى، وحتى الفاعل الغربي والعربي المهتم بالشئون اليمنية وجد نفسه يتعامل مع المراكز القبلية بسبب طبيعة الصراع السياسي في اليمن وهشاشة الدولة وانتهازية السياسي وقوة المشايخ، وأصبح دعم التحالفات القبلية لدى الجميع مهما لتعظيم القوة في ظل النزاع على النفوذ، والصراع على السلطة والثروة وعلى العقائد.
وأخيرا يمكن القول أن الأطروحات التي تطالب بسياسات لتحرير القبيلة وبناء الدولة رغم الشعارات المرفوعة والتنظير الذي أفرزتها الأحلام في الساحات لن يكتب لها النجاح على الأقل في المستقبل المنظور لأنها مازالت مرفوضة من قبل شبكات المصالح والتي تمكنت من مراكمة ثروات طائلة بفعل الدولة الهشة. كما أن بناء دولة التنمية وفرض القانون والنظام عنوان عريض لا يتوافق ومصالح النخبة القبلية لأنه سوف يحاصر نفوذهم ويقلل من مصالحهم ويحدّ من سيطرتهم على أبناء القبيلة، فالتنمية في الوسط القبلي كما أثبتت التجربة في بعض مناطق اليمن هي القوة المهددة لهيمنة الشيخ والسياسي الفاسد، فالتعليم وتوسيع الخدمات سوف يحرر الفرد من عصبيته وجهله ويساعد الجماعة القبلية على بناء مصالحها وفق القيم المدنية.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير