اليمن ..البحث عن ثورة في صراعات الافتراس

نجيب غلاب
2011 / 7 / 9


لم يتفق أبناء اليمن على مسألة مثل اتفاقهم على حتمية التغيير، فالوضع اليمني بشكل عام أصابه الجمود ولم تتمكن القوى المتنازعة من بناء توافق لإحداث التغيير، فالتناقض في فهم الواقع وطبيعة المشاكل والحلول المطروحة أوصل القوى المختلفة إلى حالة من الصراع العنيف وتبني استراتيجيات تقوم على المواجهة والإلغاء، كانت الاحتجاجات الشعبية مسألة طبيعية وقد بلغ الطموح منتهاه لدى الأحرار من أبناء اليمن بأنها المقدمة الأولى لتخليق ثورة لحسم الصراع وتبني تغييرات جذرية وشاملة.
فقد حاولت القوى التي تتحرك خارج سياق صراعات الوحوش التي شكلت وجه النظام الآخر إسقاط النظام ان تعمر إرادة جمعية من قواها المتناقضة ولكنها فشلت وأصبح الصراع مع النظام ضرورة لا لأحداث التغيير الجذري بل لتظل متماسك أمام خصمها الذي يتربص بها الدوائر، أما القوى الشابة والتي حسم أمرها لبناء ثورة فقد رأت أن الثورة هي الخيار الأكثر جدوى للانتقال باليمن إلى مرحلة جديدة ومختلفة، ولكنها وقعت في حلمها وأدخلتها مراكز القوى والأحزاب في فخ لا مخرج منه، وأوصلتها الوحوش إلى حل وحيد أن التسوية السياسية بين اللاعبين الكبار صارت هي الحل أو حرب لا تبقي ولا تذر، فعندما تتقاتل الوحوش لا تقود حرب فناء متبادلة بل حرب لاقتسام الغنائم.
ولتوضيح الفكري سنلاحظ أن الكثير من أبناء اليمن تفاعل مع الأمل الذي أسست له الاحتجاجات إلا ان تركيبة القوى المشكلة للساحات والمدخلات عليها التي فرضتها التحولات في صراع مراكز القوى والأحزاب جعل القوى الشابة والتي هي الطاقة الحيوية والأكثر حماسا في ساحات الاعتصام تبدو للمراقب كبيادق في رقعة شطرنج صراع القوى الفاعلة والمؤثرة في اليمن، فالساحات لم تخلق إرادة جمعية لأبناء اليمن لانها تورطت في تحالفات مع أعدائها الحقيقيين، ومع الوقت تخلق في الواقع انقسامات حادة داخل الساحات وفي المجتمع اليمني، وأصبح التغيير المجمع عليه يتمظهر بصور متعددة، هذا الانقسام في ظل تمسك وتطرف كل طرف مدخلا للعنف، وبدل أن يتم فهم الواقع كما هو من قبل القوى المتنازعة حتى يتم استغلال الانقسام وتحويله إلى مدخل إيجابي للتغيير عمل كل طرف على إعادة تفسير الواقع وفق الطموحات والأحلام والمصالح الذاتية وأصبح الانقسام كارثة على اليمن وعلى التغيير الايجابي وربما يتحول مع الوقت إلى بوابة لحرب أهلية قد تفجر اليمن وتقوده الى حتفه.
تعمل الدول الإقليمية والدولية باعتبارها مراقب محايد ولها مصالح حيوية بأن يكون اليمن مستقرا وآمنا على مساعدة القوى المختلفة على تحويل الانقسام الحاد وتناقض الإرادات إلى طاقة إيجابية لعملية التغيير، فالتحول الذي يحدث في ظل الفاعلين في الواقع اليمني قلق ومرتبك وفاقد للاتجاه، فالتركيبة المعقدة للواقع بأبعاده المختلفة جعل من السياسة مسار مراوغ تتحكم فيه القوى المنتجة للقوة، فالقدرة على التأثير في مسار الفعل السياسي تمتلكه الأطراف التي شكلت النظام المراد تغييره، وعلى الرغم أن الساحات تحاول ان تنتج فعل ثوري خارج سياق صراعات مراكز القوى العائلية والقبلية والحزبية والمالية، إلا أنها أصيبت بعائق التوظيف لصالح المراكز الفاعلة والمتنازعة، فالقوى المنتجة للقوة والباحثة عن دور انتقلت إلى الساحة وتحكمت بالفعل وأصبح الفعل الثوري المخلق في الانتفاضة محكوم بالنزاع الذي أنتجته الصراعات السابقة داخل الحكم وخارجه، وفي ظل تعنت كل طرف وغلبت سياسة الإقصاء والتمسك بالمواقف الحدية لكيفية التغيير، كان من الضروري ان يكون للمحكم الخارجي دورا في حسم الصراع.
وما يعقد المسألة أن القوى الخارجية لديها قناعة مسنودة بالخبرة وواقع الحال أن التوافق بين القوى المختلفة لم يعدّ خيار يمكن مناقشته، بل ضرورة لإنقاذ اليمن وإخراجه من ورطته الراهنة التي هي نتاج لتراكمات تاريخية وليست وليدة الاحتجاجات الحالية، فالاحتجاجات أوضحت أن اليمن بحاجة إلى نقلة نوعية حتى يتمكن من تجاوز أزماته المتراكمة، والواقع كما هو لا كما يتم تخيله بحاجة إلى صفقة تاريخية بين مختلف القوى مؤسسة على التسامح وتجاوز الماضي صفقة تؤسس لقواعد متفق عليها لإدارة الصراع وبما يسهل بناء دولة النظام والقانون.
وفكرة الاستناد على شرعية ثورية كما يتم توصيفها لدى القوى الشابة أو الغارقة بفكرة التغيير الثوري من القوى المؤدلجة من خلال تخليق سلطات بديلة وإنهاك الحكم في صراعات متعددة يمثل ذلك نوع من الحلم في واقعنا اليمني والإشكالية الكبرى أنه مؤسس على نزوع ثوري استبدادي نافي للآخر ومطالب بإقصائه وربما إلغائه أن أمكن لأنه يمثل صورة الشر المتحدي للخير!!! وهذا التفكير مهم بالنسبة للقوى المتحفزة التي تشتغل باسم الثورة حتى تتمكن من تحويل هذا التطرف إلى فعل ساند لمخططها في القضاء على الحكم وحلفائه وابتلاع قوته لصالحها حتى تتمكن من التفرد في تحديد مسارات التغيير بما يجعلها قادرة على السيطرة الكلية ليس للحكم بل وتحويل الثورة إلى طاقة لتبرير هيمنتها وشرعنت وجودها.
ونلفت الانتباه أن القوى الفكرية المستقلة أو المتحزبة لم تتمكن من تأصيل التغيير والتنظير للفعل الثوري بعقلانية لذا فإن الحراك الجماهيري حتى اللحظة لم يمتلك مشروعا متماسكا مفتوحا وقابلا للبناء، ولم يتم بناء رؤية مثالية (طوبى) مستندة على فلسفة واضحة متوائمة مع واقع البيئة اليمنية وحاجاتها، هذا التنظير كان مهما وضروريا حتى تكون مسارات الحركة والفعل مرتبطة بالفكرة المراد موضعتها في الواقع، وبحيث تكون الثورة متحيزة لمشروعها وغير موظفة في صراعات القوى الانتهازية بل مسار منتج لوعي جديد يؤسس لتغيير جذري ليس للبنية السياسية فحسب بل وهو الأكثر أهمية لمنهجية التفكير في فهم الواقع بما يساعد على تجاوز النزعة الشمولية للقوى المختلفة ويكبح جماح الانتهازية الباحثة عن دور لتعظيم قوتها على حساب طموحات الفعل الثوري.
منذ بداية الاحتجاجات الثورية وهي تتحرك في فراغ سيطرت عليه القوى الحزبية ورتبطة بوعي وبدون وعي بصراعات مراكز القوى القبلية والمالية، وكانت المواجهات العنيفة ضد الفعل السلمي من قبل الحاكم وتحالفاته هي الوقود التي كانت تمدّ المحاولات الجادة لتخليق الثورة، وكان النظام بكافة تكويناته في بداية الأمر محاصر بحراك سلمي ينمو باستمرار وكان العنف هو من يمنحه الحيوية والاستمرارية، فإستراتيجية اللاعنف تنتصر بالتضحية وتحاكم ضمير الآخر وتراهن على إنسانيته، فالقمع المستمر والمتواصل يجعل الممارس له ضحية أمام ضميره وأمام ضغوط الإرادة الشعبية، كما أن وضوح الهدف وبراءة المقصد يحول الحراك السلمي إلى انتفاضة وطنية شاملة، بمعنى أن الساحات تصبح الوجه المتمرد لإرادة شعبية مؤيدة حتى وأن لم تشارك في الاعتصام.
ونشير هنا إلى أن الصراع بين القوى الفاعلة داخل النظام وخارجه تم أنتاجه في اتجاهات متعددة من قبل الرابحين الكبار، وكل طرف كان يسعى جادا لصرع وجهه الآخر، والمشكلة الكبرى والغير مفهومة أن النظام السياسي كان يتآكل في تلك الصراعات العبثية ليحمي بقائه الهش، ويمكن تفسير هذا السلوك المحبذ للصراع جزئيا أن الصراع لم يكن مضرا بالقوى التي تنتجه وإنما بالمجتمع وبالدولة، فالصراعات ولدت ريع داخلي وخارجي للمراكز المؤثرة سوى كانت في الحكم او المعارضة، وهذا جعل من ممارسة الصراع مقبولا رغم نتائجه السلبية على مستقبل البلد فقد أصبح بابا للفساد والنهب الخفي ومساهما في تراكم القوة لدى اللاعبين الكبار، وكان الجميع يديرون صراعاتهم وكل طرف ينتظر القفزة الكبرى والكل يعيد ترتيب أوراقه للحظة الحسم التي قد تأتي وقد لا تأتي، ومع الوقت أصبح الصراع على غنائم الدولة والمجتمع والريع القادم من الخارج لعبة مهمة للأطراف المؤثرة والفاعلة والمستفيدة لأنها عظمت من أرباحهم على حساب الدولة والمجتمع.
لم يكن الإخوان المسلمين في النظام وخارجه كالمراكز القبلية والقوى العسكرية والأمنية والغارقة في نزوع اسلاموي انتهازي خارج لعبة الافتراس بل كانوا في القلب، فالريع الداخلي والخارج والإرباح المحصلة من التجارة المؤسسة على النفوذ، قد أحدث تراكم في ثروتهم وعظم من نفوذ تلك القوى، ونتيجة المنافسة بينهم وبين القوى الأخرى في الحكم وحلفائه، كان الاخوان المسلمين بكافة تكويناتهم على قناعة بفعل مؤشرات عديدة أن إزاحتها مسألة وقت، ونتيجة لذلك وجدت نفسها تقود معارك كثيرة وخلقت ستر ضبابية لإخفاء طبيعة الصراع وملامحه المتعددة، وقادوا معركتهم بقوة وحسم مع قوى متعددة متحالفة مع النظام ومعادية له لكنها عائق أمام مشروعهم، وهكذا تولدت من رحم نظام الرئيس صالح حروب قاسية مارست الافتراس بالعنف والنهب والتدمير.
شكل الرئيس صالح مركز الالتقاء والفراق بين القوى المختلفة التي شرعنت لحكمه، لذا فإن أي خاسر أو لديه خوف من الخسارة نتيجة الصراع المحموم على الموارد في بلد فقير ركز غضبه على الرئيس وهذا ساعد مراكز نظام الحكم الفاعلة والحالمة بالحلول محل صالح على تكتيل قوتها سرا وعلانية لإضعافه وتفكيك مصادر قوته، ومع تصاعد وتيرة الصراع اقتنعت قوى النظام المؤدلجة بالاسلاموية نتيجة تناقض في بنيتها على مستوى المصالح أن إلغاء فكرة المركز المهيمن يشكل حلا مهما لأنه سيمكن القوة السياسية الأكثر تنظيما من إدارة صراعها مع مختلف القوى ومحاصرتها لاحقا وتخليق مراكز متعددة لاحتواء الطامحين وبما يجعل المركز نخبة واسعة تربطها الفكرة والمصلحة، وأصبح الإخوان بأجنحتهم المتعددة لأنهم يمتلكون القوة القبلية المتزينة بخطاب ديني وبقوة معسكرة مساندة إن احتلالها لمؤسسات الدولة خصوصا المحتكرة لأدوات القهر والعنف لاحقا ستكون مسألة وقت، واستمرار حكمهم يعتمد على تخليق مراكز متعددة تفرقهم المصالح ويوحدهم المحفل التنظيمي.
قبل الربيع العربي وامتداده الى اليمن نتج عن الصراع حالة من السكون والجمود لصالح الرئيس صالح، كانت الاحتجاجات هي طوق النجاة بالنسبة لخصوم صالح من حلفائه التقليديين، وتمكن وجه نظامه الآخر من تحويل القيمة الأخلاقية للثورة إلى قوة مضافة في رقعة شطرنج الصراع السابق، التحق وجه النظام الآخر بالفعل الاحتجاجي وتحكم بمساراته وحاصره في مصالحه، بمعنى أن الفعل الثوري أخترق بمنتهى الذكاء والدقة، فالقناعة التي تولدت لدى الوجه الآخر للنظام مع الاحتجاجات بأن سقوط صالح وحلفائه أصبح حتميا، وهذا جعله يبالغ في تهوره واندفع بقوة وحسم لصالح الفعل الثوري، وكان التحكم فيه عن بعد غير كافي لانه قد يفلت من بين يدي سيطرتها، فالحراك يبدو كعاصفة منفلتة مخيفة لذا فضبط جماحها بحاجة الى ركوب الموجة بلغتها ثم محاصرتها في مسار الصراع الكفيل باقتلاع الآخر أو استسلامه للشروط المفروضة.
وهنا لابد من ملاحظة مهمة ففرق كبير بين أن يشرعن لفكرة الثورة الدكتور ياسين سعيد نعمان أو حتى أي أخواني ذات نزوع ليبرالي ومتحرك خارج لعبة المصالح الانانية وبين أن يأتي الزنداني ليبرر الفعل بطوبى الخلافة وايضا فرق بين أن تشرعن للفعل الثوري بلغة سلفية تقليدية وبين شرعنتها كفعل تاريخي حتمي بالعقل والحاجة والضرورة، وفرق بين أن يتحرك الفعل لانجاز التغيير بأيدي القوى الجديدة صاحبة المصلحة الحقيقية، وبين أن يتحول التغيير الى قوة متحركة لانتصار ما هو مفترض ان تكون الثورة حراك مناهض له.
كانت اللعبة الأكثر احترافا أن محترفي السياسة حولوا الثورة إلى مأوى لغوغائية دينية مكبوتة، فغرقت الاحتجاجات في خطاب منفعل من السهولة إنهاكه بعد حين، ومع دخول جناح الأمن السياسي المتحيز للفكر الاخواني إلى قلب الفعل الثوري اختنقت الحرية وحوصر التمرد المندفع لقوى شابة متكتلة في حيز جغرافي يبحث عن تمدد يشمل الوطن كله، إلى قوة محاصرة ومخنوقة وقوة يتم التلاعب بها من قوى الشر الثورية التي نبذها النظام، وكانت القاصمة في عسكرة الثورة، فقد مثل دخول علي محسن كارثة أفقدت النضال السلمي رونقه ونقائه وطهارته وبراءته، وأصبح الجيش المنشق كخلية أو جناح حزبي لحركة دينية مهيمنة على الساحة، ورغم قناعة المنشقين أن فعلهم الانقلابي بوابة النصر، إلا أن الأحداث أثبتت ان الانقسام الذي أحدثه محسن في البنية العسكرية والأمنية جعل الدولة في مهب الرياح وأسس لحرب أهلية ستؤدي ان حدثت الى تدمير المؤسسة العسكرية والأمنية وتفجر اليمن إلى أشلاء، وهذا ما يجعلني أرى ان محسن قتل الثورة ويمكن تصنيف فعله كخيانة كبرى للدستور والقانون ولتاريخ اليمن، وان لم يخرج اليمن من ورطته الراهنة فان عمله مهما حاول البعض تبريره الآن سيحكم التاريخ عليه حكما قاسيا ومؤلما ليصبح محسن لعنة تاريخية أجهضت الثورة ودمرت اليمن وقادته إلى حتفه النهائي.
يمكنني القول أن الثورة حوصرت مع سبق الإصرار والترصد فقد اندفعت مراكز القوى الرابحة والخاسرة في الصراعات السابقة إلى وسط الاحتجاجات ورهنت الفعل الثوري لإرادتها بالتناغم مع مطالبه والدفع بالقوى الشابة والتكوينات لممارسة تطرف بطبيعته وطريقة نضاله الغائبة في عاطفة متهورة سينتج العنف والدمار، كما أن التحريض على التضحية بالذات وتحويل الضحية إلى قوة مضافة في مغالبة الحاكم قمة الانتهازية وبلادة منتحرة تحتقر الانسان، وهنا نشير ان المبالغة في التطرف لدى المراكز المتحكمة في النظام والتي اصبحت معارضة خداعا وتزويرا تهدف إلى تكوين شرعية جديدة تجلله الثورية حتى تتمكن من فرض تسمح مصالحها مستقبلا بلا مقاومة من القوى صاحبة المصلحة في التغيير، وقد تحكمت تلك المراكز قبلية كانت او تجارية او حزبية او عسكرية بتصنيع القيادات الشابة الموالية لها والمرتبطة بها فكريا وامنيا وتنظيميا بدقة متناهية، وتم قمع كل صوت صادق أو باحث عن دور ما لم يكن متحكم بمسار فعله لصالح اللاعبين الكبار.
نتيجة لكل ذلك لم تخلق الحركة الاحتجاجية قيادة كارزمية، وتشتت تكويناتها دون أن يكون لها مشروع جامع يتغلب على تغلغل مراكز القوى في عروقها، وتسربت من وسط الساحات القوى الفكرية الناضجة بعد ان وجدت نفسها منبوذة ومحاصرة ومشكوك في ثوريتها، وبعد ان تغلب خطاب انفعالي غوغائي فاقد للحس الأخلاقي في إدارة الصراع، وأصبحت الثورة وكأنها تسعى لتخليق دكتاتورية انتهازية هي أكثر بشاعة بمراحل عن الحاكم المراد إسقاطه، ونؤكد هنا أن بعض القوى الشابة المفتقدة للخبرة مازالت تدافع عن فكرة الثورة بإخلاص ونقاء ووطنية صادقة، وتقول لها أن لم تحرر نفسها من البلاء أن هذه الحيوية والحماس في ظل هيمنة مراكز القوى يجعل الفعل الثوري كعمل ساذج يمارسه أحرار لتقييد المستقبل بالأغلال المقيتة المفترض تحطيمها حتى تتحقق الثورة.
والنتيجة الظاهرة للعيان أن المخرج لن تنجزه الحركة الاحتجاجية لأنها في محصلتها أصبحت عبئ على التحول بين القوى المتقاتلة، لذا فمحاصرتها والقضاء عليها لم تعدّ مطلب المهدد بالسقوط والذي اقتنع ان التغيير حتمية لبقائه بل مطلب المنادي بالسقوط من المراكز الفاعلة الذي صار يرى بالقسمة طريق للنصر.
لقد أثبتت التحولات التي أفرزتها الاحتجاجات التسوية السياسية للملعب في ظل توازن الرعب وانقسام النخبة والفناء المتبادل لوجهي النظام وربما للدولة اليمنية، هما من سيحسما التحول أما بمسار يعيد القسمة بين الوحوش الكبار وهذا خيار القوى الفاعلة في الداخل أو التوافق على الآلية الديمقراطية وبناء القواعد السياسية المحايدة بحيث يصبح الصندوق ودولة القانون هما المتحكم بتوزيع الغنائم كخيار للخارج، ومهما كانت الاتهامات التي تنتجها الساحات وخطابها الإعلامي ضد القوى الخارجية إلا ان رهانها هو أكثر واقعية ومنفعة لمستقبل التحولات، فالحل الأخير سوف يساعد النخب على إعادة توزيع الموارد فيما بينها بصورة قانونية ودون خسائر فادحه، وسيمنحهما مستقبلا شرعية شعبية طالما تمكنا من الاستجابة لمصالح الناس والتزم بقواعد الديمقراطية.
والخلاصة الواقعية أن أي صفقة قادمة قد تحدث تحولات إيجابية إلا ان أي توافق قادم ستحوله النخب الرابحة مع الوقت إلى ثوابت راسخة وإلى عامل إعاقة لأي فعل ثوري يهدد مصالح المفترسين الكبار، والأمر ليس مرتبط بأنانية النخب والقوى الفاعلة فحسب بل بواقع اليمن كدولة ريعية مواردها محدودة ولأن فعل الثورة كان فوقيا وركز جهده بالكامل في السياسي ولعوامل أخرى داخلية كتركيبة المجتمع وجغرافيا الهيمنة وخارجية فالموقع القصي لليمن في الجنوب الغربي وإطلالتها على المحيط حولها إلى هاجس أمني للإقليم والمنظومة الدولية في ظل عجز داخلي عن تحويل الموقع إلى مصدر منتج للقوة والسلام.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير