التيار الديني القبلي قد يبتلع مستقبل اليمن باسم ثورة الشباب

نجيب غلاب
2011 / 7 / 7

ما يدور في اليمن ليس إلا صراعا بين مشروعين، مشروع يتطلع إلى المستقبل وأغلب قواه مشتتة وموزعة في كل اتجاه تم استبعادها من قبل مراكز النفوذ السياسي والتأثير الاجتماعي ومن تبقى من مشروع المستقبل تنظيمات شكلية وأفراد خائفين يخدمون المتصارعين على الغنيمة، ومؤيدي هذا التيار وأنصاره الفاعلين لا يمتلكون أي قوة اقتصادية وليس لديهم قوة عسكرية ولا يمكنهم بفعل مشروعهم المدني أن يلجئوا إلى القبيلة أو الطائفة أو العرق لأن همهم الإنسان وقيمه ومبادئه والتي لا يمكن فرضها بالقوة بل بالعقل والروح المتصوفة في حب الحياة وخدمة كل إنسان.
أما بعض ملامح مشروع المستقبل فهو إعادة تخليق الوطن ليصبح وطناً للجميع من خلال صناعة التقدم والمجد بالحرية والعدالة والمساواة والأخوة ومنح كل فرد في المجتمع حقوقه الإنسانية كاملة، وهذا التيار على قناعة تامة أنه لا يمكن صناعة التقدم بدون فرد حر، كما أن مجموع الأفراد الأحرار هم القادرون على بناء الدولة المدنية الخادمة للفرد والمجتمع والقادرة على أن تتبنى سياسات لتحفيز النمو وخدمة المشروع الاقتصادي الحر بما لا يتناقض مع العدالة الاجتماعية.
مشكلة مشروع المستقبل أن الجزء الأقوى فيه يواجه مشكلة كبيرة بسبب الحراك السياسي الذي تتحكم فيه قوى تقليدية قبلية ودينية وهي تقود عملية انقلابية ناعمة من خلال ثورة الشباب، وهذا الجزء رغم واقعه السيئ إلا أن طموحاته على مستوى الخطاب لا تختلف عن القوى الوطنية الصادقة، وميزاته أنه يمتلك القوة الفاعلة التي يمكنها مساندة القوى المدنية، ومشكلته أنه لم يحسم أمره فيما يخص دعم ومساندة القوى المدنية إلا مؤخرا لذا فإنه يحاول إعادة ترتيب صفوفه لحماية مصالحه مع قوى تقليدية، إلا أن قوة المشروع الديني الأصولي وتمكنه من الهيمنة على واقع الصراع والتحكم فيه ونمو اتجاهات واضحة لديه في ظل الأحداث الراهنة لتحقيق الهيمنة على الدولة والتجارة والثقافة، وهنا أشير بواقعية قد تبدو مرة ومتناقضة إن واقع القوى المدنية يتطلب منها مرحليا أن تستوعب لغة البراجماتية السياسية حتى تتمكن من مواجهة واقعها وهذا قد يتطلب بعض التنازلات في معركتها الكبرى من أجل يمن حر ومعاصر.
أما الأخطر فأن بعض قوى مشروع المستقبل تحولت إلى أداة بيد المشروع المناقض لأهدافها وطموحاتها بعضها بوعي لأن مصالحة تقتضي ذلك كالبيوت التجارية الكبيرة القديمة والناشئة والبعض الآخر بدون وعي كالقوى المدنية التي فقدت مشاريعها في صراعها مع التيار الديني القبلي فأصبحت تابعة له وهي تمني نفسها بأوهام ما أنزل الله بها من سلطان، وهؤلاء يديرون معارك وطنية وفق وعي مضاد لحاجات الواقع وطموحاتهم المستقبلية، ونتائج أفعالهم تنتهي في حصيلتها النهائية لصالح المشروع النقيض، أما القوى الشابة الجديدة فهي تائهة في وعي اصولي يتم تخليقه كل يوم في ساحات الاعتصامات.
الاشكالية الكبيرة أن المشروع الديني القبلي يقود معركة بذكاء حيث يرفع الشعارات المدنية ويدير مؤامرة كبرى على القوى الداخلية والخارجية لتمكينه من نيل عرش اليمن، ومشكلة هذا المشروع أنه مشروع ماضوي ويهيمن علية تيار قوي وجبار يوحي خطابه أنه يتطلع إلى المستقبل إلا أن الماضي القبلي والديني هما جوهر فاعليته وحركته، وهذا المشروع يتحكم فيه تيار منظم ومنتشر في المجتمع وهو متستر خلف مقولات أصولية وعصرية، وتمثل العقيدة والقوة بمفهومها المادي والفكري والدعاية وتقاليد القبيلة ووعيها العصبوي الباحث عن الغنيمة أهم أدواته للهيمنة على الدولة والمجتمع كهدف مهم لتحقيق غاياته التي مظهرها المبادئ والقيم وجوهرها تحصيل الغنائم.
جزء من هذا التيارات جماعات دينية لا تفقه السياسة ولا لعبها ولا خلفياتها، لذا فهي أداة طيعة بيد من يغازلها بخطابها، وهي سند قوي للفاعلين في هذا التيار، أو تيارات دينية مسيّسة احترفت السياسة والجهاد وتلعبها بلغة ميكيافلية متزينة بالفضيلة، وتحول الدين لديها إلى قوة في الصراع تستخدمه باحتراف لتدمير أعدائها وخداع الجماهير الطيبة، وهذا التيار رغم شعاراته الثورية المعارضة إلا أنه جزء من المعركة التي كانت تدار باحتراف من داخل النظام وخارجه، ولكنه في الأحداث الأخيرة حدد موقفه وأصبح يتحرك باسم الثورة لابتلاع كل شيء.
أطراف هذا المشروع خليط غريب من قوى اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية فكرية بعضها له نكهة معاصرة، وحركته الراهنة تتجلى في اولا: مافيا الفساد المنظمة والتي تزين نفسها بالشعارات السياسية الكبرى أو من خلال الجمعيات الخيرية أو من خلال دعم بعض المظلومين في المجتمع بالقول الحسن لا بالفعل المنتج للحق، وثانيا: الأصولية المسيسة وهي تعمل بنشاط محموم في المعارضة وفي المجتمع وداخل الدولة ولها أذرع تجارية وعسكرية وأمنية مرهوبة، وقوتها الفعلية في المليشيات التنظيمية والقبلية التي يمكن تعبئتها في أي لحظة، وثالثا: القبلية الانتهازية وهي العمود الثالث وهذه الفئة هي نخبوية ولا علاقة لها بأبناء القبيلة لأنهم ضحية طموحات النخب، ويتم تعبئة أبن القبيلة بالعصبية وتقاليد القبيلة المطعمة بقيم أصولية، وهذا الأعمدة الثلاثة متداخلة مع بعضها وأحيانا يصعب الفصل بينها.
مع ملاحظة أن هناك طفيليات عصرية تتغذى من هذا التيار وتعيد تزيين صورته، وقد تمكن التيار الديني القبلي من محاصرة مشروع المستقبل وتم إغراقه في صراعات عبثية مع الواقع ومع نفسه وحولت جزءاً من تكويناته في مراحل سابقة إلى أداة إضعاف للتكوينات العصرية وفي الوقت نفسه اختراقه وتحويله إلى قوة لتدمير نفسه ذاتيا من خلال جره لتبني استراتيجيات صراعية محصلتها النهائية تخدم أهداف التيار الديني القبلي وليس الحراك إلا أبرزها.
الحرب هي الأداة المفضلة لدى هذا التيار لتحقيق غاياته فقد ظلت القوى القبلية والتقليدية في تاريخ الجمهورية تحارب القوى العصرية المدنية بكل قوتها وكلما تمكنت القوى المدنية من الاقتراب من تحقيق رؤيتها ولو بالحد الأدنى اتخذت القوى القبلية الأصولية ومافيا الفساد الحرب كآلية لتدمير نقيضها، فالحروب هي مصدر قوته والأزمات هي من تمكنه من هزيمة أعدائه، ولدى تكويناته احتراف في أدارة الصراعات الداخلية في المعارضة وفي بنية السلطة وفي المجتمع وبوعي عشائري ذكي، كما أنها تمتلك القوة لحسم معاركها فالقبيلة وإعادة بعث وعيها العصبي بشكل دائم مهم، لأن القبيلة مع العصبية تتحول إلى معسكرات جاهزة للحرب من أجل الغنيمة، وتدعمها مليشيات منظمة يتم تفعيل دورها في كل دورات الصراع، وفي اللحظة الراهنة تعتقد القوى الأصولية وجناحها القبلي والعسكري أنه قاب قوسين أو أدنى من الإمساك بالحكم، ولم يبق أمامها سوى النظام الحاكم، فإسقاطه بشكل سريع قد يقود إلى انهيار شامل وهذا سيقود القوى المختلفة التي يستند عليها الحكم إلى أحضانها، وهذا سيلغي التوازن ويضعف القوى المدنية ومشروع المستقبل خصوصا اذا تم الاستيلاء على المؤسسة العسكرية والأمنية.
تعاظمت قوة التيار الديني القبلي بشكل مذهل ومرعب في عهد الرئيس صالح، إلا أن الرئيس حس بخطرهم مبكرا وكانت الوحدة مخرج لتغيير اللعبة إلا ان الصراع الذي دشنه التيار الديني القبلي قبيل تحقيق الوحدة وبعد تحقيقها خلط الأوراق كلها وأصبح التيار الديني القبلي هو واجهة الصراع وظل الرئيس يخافهم ويناورهم حتى عام 1997م، حيث تمكنت بعض القوى الحديثة من أعادت ترتيب صفوفها ووجهت ضربة قاصمة لجزء من التيار، إلا أن قوة التيار المتنفذة التي اعلنت انشقاقها مؤخرا من النظام تمكنت من تحويل تجمع الإصلاح إلى حربة في المعارضة وتحييد جميع القوى لصالح أهداف التيار داخل المنظومة الحاكمة.
في المحافظات الجنوبية كان وعي القبيلة العصبوي يعمل ولكن بطريقة مختلفة، فالقيم المثالية المتعالية هي أدوات الصراع أما الفاعل في التحالفات فهو وعي القبيلة الذي أنفجر في عام 1986م، وكانت الوحدة هي الفكرة المحورية التي كانت جميع القوى مقتنعة أنها من ستمكن الجميع من الخروج من واقع الصراعات العصبوية للمناطق، لذا كلما كانت الأزمات السياسية التي ينتجها وعي القبيلة تقترب من الانفجار كانت الوحدة هي الحل، والحروب من أجل الوحدة يمكن إرجاع جزء من أسبابها إلى رغبة جامحة لدى النخبة في الجنوب لتجاوز مأزقها الداخلي والصراعات المتناقضة مع فكرة الدولة التي يدار من داخلها صراع اجتماعي بوعي قبلي فكان يتم البحث عن الدولة الوحدوية لتجميع الصفوف وتجاوز الوعي القبلي الذي كانت تفرزه الصراعات الداخلية.
ومثال على تدمير القوى الحاملة لمشروع التحديث قادت الأصولية وتحالفاتها حرب شرسة ضد الحزب الاشتركي، وبمجرد تحقيق الوحدة أتخذ التيار الديني قرارا بالتخلص من الحزب الاشتراكي وتدمير القوة التي يستند عليها، وتمكنت وباحتراف من الدفع بالجميع نحو الحرب وقد حركت كل قوتها السلطوية والشعبية في معركتها، وتحالفت مع التيار الجنوبي وفعلت وعيه القبلي، وأصبحت المعركة معركة ثأرية يحركها وعي قبلي أصولي والشعار تثبيت الوحدة، ولأن التيار الديني القبلي يتعامل مع الحروب بعقلية دينية قبلية فقد تم التعامل مع الجنوب كغنيمة حرب.
كانت الخطة المتبعة رغم التقارير المرفوعة والآراء السديدة التي طرحت لمنع أي تعديات وأصدر قرار من الرئيس بمنع أي عملية نهب إلا أن القرار تم رفضه وتحرك التيار الديني القبلي لممارسة النهب العلني، كان التيار الديني لديه خطة واضحة أن عليه أن يكون طبقة غنية لا يمكن مواجهتها مستقبلا من خلال نهب الثروة كالأرض والنفط، ومع الوقت تضخمت القوة الاقتصادية للتيار الديني القبلي ونمت قوى اجتماعية جديدة ملحقة به في الجنوب، وعندما شعرت الأطراف الأخرى في منظومة السلطة بالخطر بدأت تمارس نفس الأسلوب، ولأن الغي بلغ مداه انتفض أحرار الجنوب وبالغوا في نضالهم نتيجة للواقع السيئ فطالبوا بالانفصال، والتيار الديني القبلي في ظل التحولات التي أحدثتها الثورات العربية يقود معركته لتصفية الحاكم وحزبه والقوة التي يستند عليها، لأن لديه خوف من تحولات إيجابية لصالح الدولة المدنية، ومن حركة الشارع العفوي، فالتغيير القادم ان لم يتحكموا فيه فإنه سينتهي لصالح مشروع المستقبل، فالحراك قد يدفع القوى المختلفة داخل النظام وخارجة من إلى إعادة ترتيب تحالفاتها بطريقة قد تهدد هيمنته الكاملة على الدولة والمجتمع.
لعب التيار الديني القبلي لعبته باحتراف وخلق ضباب قوي يعمي الإبصار وتم أخراج الصراع من دائرته من خلال تركيزه على العائق الأكبر أمام أهدافهم وهو الرئيس صالح وتم تحميله كل المشاكل التي أنتجتها الصراعات وأصبح هو حجر العثرة أمام كل إصلاحات وهو السبب الأول والوحيد وجذر كل أزمات البلاد. وكان الهدف من ذلك أعاقت الرئيس من إعادة بناء التحالفات وتأليب الواقع عليه وجره في صراعات تدمر تاريخية وتضعف الدولة والخطة القادمة هو تدميرها ثم تبني حرب شعبية بعد تفكك أجهزة الدولة ستقودها المليشيات الدينية والقبائل لإعادة بناء دولة يكون التيار الديني القبلي هو صاحب القول الفصل فيها.
الرئيس صالح وتحالفاته المتشعبة والمتناقضة هي العقدة الكبرى لدى النواة التي تدير التيار الديني القبلي، لأن التداخل في بنية التحالفات التي تستند عليها السلطة جعلت الرئيس في القلب، ومكنته من التحكم بالكثير من مراكز القوى التي هي الحامل الفعلي لمشروع التيار الديني القبلي، والخطر الذي يواجه التيار أن الرئيس يعمل على تفكيكها بعد أن أصبح بين فكيها، وهذه الوضعية قد تحتاج إلى فترة انتقالية يكون صالح متواجد فيها بحيث تعقد صفقة تاريخية بين جميع الاطراف من خلال التوافق لصالح دولة القانون، ومن الضروري الحفاظ على كيانات المؤسسة الامنية والعسكرية حتى لا تستولي عليها الاصولية.
ولمحاصرة الرئيس في الفترة السابقة وإلقاء القبضة النهائية عليه، تم توريطه في صراعات كثيرة ليس "الحوثية" و"الحراك" و"المشترك" و"القاعدة" إلا ملامحها الرئيسية، وعملوا بشكل دقيق على تحويل القوى المحيطة بالرئيس والتي تم استبعاد بعضها لضرورات تخدم قوة الرئيس إلى قوة مشاغبة وظيفتها تأليب مراكز قبلية لنشر الفوضى والاضطراب وتحدي إرادة الدولة، وتحويلها إلى أدوات لإثارة غضب المجتمع وتحفيزه وتهيئته لقفزتهم الكبرى، فالفوضى وانعدام الأمن وبث صراعات لا حصر لها في بنية المجتمع سيجعله مستقبلا مهيئا لحكم التيار الديني القبلي الذي ستكون ملامحه دكتاتورية دينية بواجهة ديمقراطية، وهم الآن يعتقدون أنهم قد حققوا جزء من أهدافهم وان رحيل صالح الفوري واخراج عائلته من المؤسسة العسكرية والامنية سيحقق لهم القفزة الكبرى أما ما سيأتي بعد ذلك فاجراءات لشرعنت واقع السيطرة.
وما يعظم من خوف التيار الديني القبلي وربما لجوئه للعنف مستقبلا هو القوى الجديدة التي تنمو داخل السلطة وخارجها وفق مسارات مغايرة لمصالح التيار الديني القبلي ومشروعه الفكري والسياسي، ولأنهم عاجزون عن الحسم بدون أنهاك الدولة وأضعاف القوى المحتملة التي يمكن أن تواجهها، فإن الحل هو تبني خطاب قوي وحاسم لصالح الدولة وشرعية النظام وإدخاله في صراعات عبثية تنهك الجميع ثم سقوط الثمرة تلقائيا في أحضان التيار الديني القبلي.
كان هدف التيار الديني السابق هو الحكم من خلال الرئيس كواجهة وتحميله أخطاء المراحل كلها ثم أحداث انتقال للحكم بسلاسة وبطريقة سلمية لصالح التيار إلا أن التعقيد في تركيبة السلطة بعد 1995م وتطوراتها اللاحقة أوصلت التيار إلى قناعة أن الرئيس أصبح قويا ويسعى في اتجاهات محاصرة التيار وعزله وتفكيكه، لذا فإن رحيله أصبح خيار واضح ولأن التحالفات متداخلة ومعقدة فإن أنهاك الجميع هو الطريق للنصر.
أما أهم الآليات فهي تأليب الرأي العام على الرئيس والقوى التي تعمل معه وبالذات مراكز القوى الجديدة التي تكونت بفعل الصراع، وأيضا إدخال النظام السياسي في صراع مع كل قوى المجتمع حتى يصبح منبوذا ومكروها من الجميع ويصبح الدفاع عنه أشبه بمعاونة الفساد على تدمير الوطن، ثم توريط النظام في صراعات مع المجتمع وحركاته السياسية الفاعلة حتى يتم إنهاكه وتضعف الدولة ويصبح استبعاد بعض مراكز القوى المرتبطة بالرئيس والتي تحميه في الراهن مسألة سهلة، ثم بناء تحالف واسع مع جميع القوى في المجتمع بعد أضعافها ومن ثم تشكيل وتفعيل المليشيات الحزبية لإعادة النظام ثم بناء الدولة الأصولية القبلية للتيار الديني القبلي.
يشكل الحراك قوة جبارة في إضعاف هذا التيار لذلك فقد تم توريطه في شعارات مناقضة لدولة الوحدة والهدف تدميره ذاتيا، وتحويل الدولة إلى قوة للقضاء عليه، ومن أهم الآليات اختراقه عبر قوى أصولية وستكون هي امتداد التيار الطبيعي والفاعل والعنيف في الجنوب لإسكات كل صوت معارض، ويعتقد التيار أن أخراج الرئيس وضرب القوى المدنية في الشمال وتحويل المقربين من الرئيس من خارج أسرته إلى كبش فداء كفيل بتهدئة الخواطر وإعلان التأييد للتيار الديني القبلي ودولته الأصولية المتزينة بلغة العصر.
واختم:
لا يمكن للثورة اليمنية ان تحقق أهدافها ما لم تحرر نفسها من هيمنة التيار الديني القبلي، وان تركز مطالبها ليس برحيل الرئيس صالح وأعوانه بل عليها ان تطالب برحيل القائد العسكري الأصولي علي محسن وأعوانه وهو من المحاور الكبرى للفساد والداعم الأكبر للنخب القبلية المرتبطة عقديا بالإخوان المسلمين، كما ان له علاقة بالحركات الجهادية، أما الطرف الثالث المطالب بالرحيل لنجاح الثورة فهم أولاد الشيخ عبدالله الاحمر لأنهم استولوا على حاشد ومن خلالها سيطروا وتحكموا بمسار التحولات السياسية وقاوموا بناء مؤسسة عسكرية وأمنية قوية حتى يظل صوت القبيلة هو الأعلى وهم جزء لا يتجزأ من فساد نظام الرئيس صالح بل مثلت نخبة حاشد قوى ناهبة لأموال الشعب وهي قوة قاهرة معادية للتحديث والتقدم وليس وضع قبيلة العصيمات إلا عينة فأبنائها يعانون من الجهل والثأر والفقر وهم أشبه بعبيد أغبياء مقاتلين من اجل الشيخ، أما الطرف الثالث فهو عبد المجيد الزنداني وجامعته الأصولية الطائفية، والزنداني معروف للجميع وقد رأى في الاحتجاجات العربية تبشير بدولة الخلافة ومؤخرا دعى الى بناء دولة إسلامية شوروية واعتبر النضال من اجل الدولة المدنية لا علاقة له بالإسلام.
أم الكوارث في اليمن ان من يقود الاحتجاجات ويهيمن عليها هي القوة المفترض رحيلها، لقد ركزت الثورة على صالح وعائلته ولا خلاف على ذلك فلماذا ركزت على الجزء الأضعف وتحولت إلى قوة دافعة لصالح الطرف الأقوى هذا هو السؤال.. وإجابتي لأنها تحولت بفعل سذاجتها وقلة الخبرة إلى بيدق في صراع مراكز القوى .. من المنقذ؟ السؤال مطروح على الجميع.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير