الجذور الميتافيزيقية للاقتصاد

سهيل أحمد بهجت
2011 / 7 / 4


كاليفورنيا
يقول المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري:
"و انطلاقا من الإطار المادّي نفسه سيسود تصور مؤاده أنه يمكن عزل الظاهرة الاقتصادية عن بقية الظواهر الاجتماعية، و تصور إمكانية الوصول إلى حل للمشكلة الاقتصادية مع بقاء الظروف الخارجية، أي الخارجة عن الاقتصاد، على ما هي عليه، كما أننا سنقبل تصور أن الرفاهية الإنسانية قابلة للتجزئة، و سنؤمن بإمكانية تعظيم ما يسمى ((الرفاهية الاقتصادية)) دون المساس بالرفاهية الإنسانية بوجه عام، و ستعرَّف المشكلة الاقتصادية، في النظرية الاقتصادية الغربية، بأنها انخفاض مستوى الدّخل بالمقارنة به في الدول الصناعية، و تقاس الرفاهية بمستوى الاستهلاك. و سينظر إلى المشكلة الاقتصادية باعتبارها مشكلة ندرة، أو مشكلة التوفيق بين الموارد المحدودة و الحاجات غير المحدودة [و يُبيّن جلال أمين أن افتراض أن الحاجات غير محدودة هو الآخر افتراض ميتافيزيقي مسبق]" ـ العلمانية تحت المجهر ص 111
إن المشكلة الاقتصادية مهما تم ربطها بأسباب و مسببات ميتافيزيقية تبقى مشكلة ذات حلقات مادية تدخل فيها عناصر مادية مختلفة، فالدول التي تمتلك وسائل اقتصادية و نقل و ترويج و ضمانات على المشتريات و الثقة و الدراسات و البحوث الاقتصادية و ما إلى ذلك، تبقى هي السائدة و الناجحة، و كمثال على ذلك نجد أن بنوكا غربية استطاعت تجاوز "النمطية الإسلامية" للبنوك فراحت تتعامل مع المودعين و المقرضين المسلمين بنفس الشروط التي تتعامل بها البنوك "الإسلامية"، مما أكسبها امتصاصا لرؤوس المال المسلمة أيضا و وفق معايير و مقاييس فقهية، و بالتالي نجد أن تجاوز التنظير الديني في الاقتصاد يمكن تجاوزه عبر النظرية الرأسمالية التي تمنح المستثمرين فرصة تجاوز العوائق الدينية و الأخلاقية التقليدية لتنمية رأس المال و من خلاله تتنامى الضريبة التي تعود على هيئة خدمات إلى المجتمع، و الطبيعي أيضا أن الإنسان كلما ارتقى من حيث الإمكانيات الاقتصادية ارتفعت مسؤولياته الأخلاقية و مؤهلاته لفهم الواقع، فلننظر إلى سورة قريش:
{ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)}
و سنجد أن مقومات الإنسان الأساسية في التحضر تكمن في خلاصه من ذلك التهديد الطبيعي المتعلق بالغذاء و الأمن الاجتماعي الذي تتهدده الفوضى على الدوام، و من هنا نجد أن الدين نفسه ـ و قد رأينا ذلك في نص ديني قرآني ـ يؤكد على حقيقة أن الاقتصاد له متعلقات مادية يجب توفرها ليبدأ الإنسان في التفكير، فالدين يطالب الإنسان بالتفكير و بالأخص حينما تتوفر أسباب الاستقرار و الأمان، و الغربيون يدركون أنه لا يمكن الفصل بين الاقتصاد و المجتمع، و حقيقة أستغرب عن طبيعة هذا الفصل المزعوم بين الاقتصاد و المجتمع، إلا على المستوى الأكاديمي البحثي، فإذا نظرنا نظرة فلسفية إلى العلوم فسنجد أن هناك وحدة متكاملة للعلم لا تنقسم إلا في البحث الأكاديمي الذي يتيح التخصص من أجل الاستخدام الإيجابي العملي، إذا فتعاظم الانتاج الاقتصادي ضروري لأن الحاجات الإنسانية غير محدودة، و حتى لو شكّك المسيري و جلال أمين في ذلك إلا أن لا دليل ينقض هذا المفهوم الذي سأفترض أن نقيضه ـ و هو أن للحاجات الإنسانية محدودة ـ ميتافيزيقي أيضا و لا يمكن لأحد أن يثبته بشكل قطعي، فلو كانت الحاجات محدودة في الإنسان لكان المجتمع البشري كمجتمعات النمل أو النحل التي تعيش حالة ثبات منذ ملايين السنين، و هنا نجد أن الاعتراض وحده لا يكفي لإقامة حجة عقلية، فالإنسان لديه حاجات اعتبارية نفسية قد تتمظهر بمظاهر اقتصادية أحيانا، فقد يكون شخص ما تاجرا ناجحا ثم يصبح رئيسا لنقابة التجار و من ثم وزيرا لشأن متعلق باختصاصه و من وزير يصبح رئيسا أو رئيس وزراء و من ثم يتفرغ لتأليف كتاب و ما إلى ذلك، ففي هذا المثال نجد أن الإنسان من طبعه الغالب أنه يحب أن يتملك الأجمل و الأحسن و الأفضل، و الاقتصاد الإنساني ـ على عكس الاقتصاد الحيواني ـ مظهر من مظاهر نزوع الإنسان نحو الأفضل، و بالتالي فحاجاته ليست ذات حدود أو نهايات واضحة، و الرفاهية الإنسانية مصطلح غير واضح المعالم إذ يبدو طوباويا خياليا يوضع كنقيض لـ"الرفاهية الاقتصادية" و هو مجرد محاولة يائسة من المسيري و جلال أمين لإخافة الإنسان ـ الشرقي ـ من هيمنة مزعومة للاقتصاد العلماني على "إنسانيته" ـ و هذا يشبه إخافة العبيد و السجناء من "أهوال و مصائب الحرية"!!.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول