العلاقة بين الدين والجنس ( الجزء الاول )

سرحان الركابي
2011 / 7 / 2

ثمة امر لابد من تاكيده مرارا وتكرارا , وهو ان الدين في حقيقته قائم على مجموعة من الطقوس التي ترمز الى حقيقة كلية غائبة , وتمثل تلك الطقوس خيطا للتواصل بين الحسي الملموس واللا حسي الغائب المتعالي , او بين ما هو ارضي ومدنس وبين ما هو سماوي مقدس ليمثل تلك الحقيقة الكلية الغائبة , ورغم ان الطقس بحد ذاته سواء كان فعلا غرائبيا او واقعيا ليس هو الغاية من الفعالية الطقسية بقدر ما يمثل من ديناميكية لشحن العواطف والخيال للامساك باطراف تلك الحقيقة الكلية الغائبة عن الحس واللمس , والتجسد في عالم الواقع , وما يمثله ذلك من اعادة احياء للزمن الاسطوري الذي انبجست عنه تلك الطقوس , الا ان ذلك لا ينفى ان تفقد بعض الطقوس بفعل الانزياح مع الزمن وظيفتها الاصلية , فتغدو فعلا مجردا لذاته يدخل ضمن سياق المنظومة العقائدية او الاجتماعية للناس
, ومن الملاحظ ان كل دين يمتلك منظومة ايدلوجية ومرجعية ثقافية وشرعية قائمة بذاتها وقادرة على ان تشرعن للفعل والطقس بمجرد ان تغمسه في نقيع القداسة , ليغدو فعلا مبررا مهما كان نوعه وبشاعته , او لا معقوليته , واذ تفترق تلك المنظومة عن كل ما يحيطها من مفاهيم وافكار تجري في ارض الواقع , فهي بذلك تؤسس لواقع متخيل او اسطوري رغم انه لا يمت بصلة للواقع الحقيقي ,
, كان الدين في بداياته الاولى يمثل محاولات العقل الطفولي الساذج لتفسير الواقع , لكنه وعلى مر الزمن صار عالة على هذا الواقع ذاته وبدا مفارقا له بقدر افتراقه وابتعاده عن كل ما هو قابل للتفسير والادراك وفق المنطق العقلي والعلمي الذي يعتمد على التجربة الحسية الملموسة , فاصبحت عبارة الميثوس تشير الى عالم قائم بذاته يختلف كليا عن العالم الاخر الذي يدعى باللوكوس , من هنا ايضا تبدو الطقوس التي كانت تمارسها الشعوب والثقافات القديمة في صورة اسطورية مفارقة لحيثيات الواقع , لكنها اذا ما وضعت في تلك الدائرة المفهومية من نظام القداسة والنسق الديني المنتج لها , ستبدو فعلا مبررا وقد لا يختلف عن افعال الناس المتحضرين في عصرنا الراهن , مادامت تخضع لنطاق بنية معرفية محددة , وسواء كانت تلك البنية اسطورية او واقعية , فهي في كل الاحوال تمثل مظلة معرفية وشرعية في الان نفسه , لكل ما يدخل في حيزها من طقوس او افعال
, ان تقديم الطعام والفتيات الصغيرات كان ظاهرة واضحة في معظظم الديانات القديمة , حيث كانت الالهة تشبه البشر في كل صفاتها , فهي تحتاج الى الطعام والجنس وغيره , وكان اغتصاب الفتيات من قبل الكهنة يعد فعلا مباركا وان الالهة نفسها ستضفي بركتها وتحل بنعمتها على مرتكبيه , ولم يكن للعقل او العرف ساعتها أي رد فعل او استهجان لذلك الفعل , بل ان العقل ذاته اصبح اداة لتبرير تلك الطقوس والافعال واضفاء قدراته المنطقية عليها , ولهذا كان الناس يتسابقون في تقديم فتياتهم للذبح على منصات المعابد , او الاغتصاب على يد الكهنة الذين يحملون بركات الالهة واسرارها ورغباتها , وكانت الممارسات الجنسية باعتبارها فعلا يرمز الى الخصب والنماء من اكثر الافعال رواجا وانتشارا عند المعابد القديمة , وقد تشكل عملية الخصب الناتجة من الممارسة الجنسية , نقطة التقاء مع الدين , باعتبار ان كلا منهما يشير الى نوع من الصيرورة , فالدين عندما يستند الى اسطورة تمثل بداْ الخليقة وكيفية بداية الوجود والزمان يتشابه كثيرا مع فعالية الخصب والولادة التي تضطلع بها المراة , لذلك كانت اغلب الالهة في الديانات القديمة اناثا وليس ذكور , لان الاناث كانت تهب الحياة , بل ان الحياة تخرج من فرجها , ولم تفقد المراْة دورها الالهي الا بعد سيطرة الثقافة الرعوية البدوية التي حجمت من دورها كثيرا وتحولت الالهة الى الهة ذكورية
, وللدين كامل القدرة على تحويل الممارسة الارضية التي تنتمي الى عالم الواقع ونقلها من كونها فعلا حسيا مجردا الى فعل مقدس ينتمي الى ما فوق الواقع , لتنتفي عنه كل مزايا وصفات الفعل البشري المدنس
, واذ تكفي نظرة خاطفة الى ما ينتجه العقل الديني من فقه وممارسة , وتدل على انه مفارق تماما للواقع الذي يعيشه رغم تقادم الزمان وتراجع الميثوس امام زحف اللوكوس الهائل , وفتوحاته العظيمه في ساحات المعرفة فان ذلك العقل ياْبى ان يستفيق من حلمه , وهو مستغرق تماما في عالمه الاسطوري الذي لا يتحسس من قريب او بعيد مدى مطابقته او توافقه مع المنطق العقلي السليم
, ورغم ان الاديان الرعوية هي التي وضعت الجنس في دائرة التابو ونزلت به من كونه طقسا مباركا الى كونه فعلا مدنسا , لكنها أي الاديان الرعوية اباحت لاتباعها ممارسة الجنس بشكل يقترب من الاباحية , وقد يكون ذلك من اكثر التناقضات التي وقعت فيها تلك الاديان , فلم يعد مفهوما ما بين حدود التحريم والنظرة الازدرائية للجنس والمراة من جهة وبين الاباحة شبه التامة للاتباع من جهة اخرى
وللحقيقة ان ما يصطلح عليه بالزنى باعتباره فاحشة كبرى وفعلا مدنسا لم يعد له وجود حقيقي , فهو ممنوع لفظا مباح فعلا , فالاتباع مباح لهم مباشرة الجنس مع كل النساء بمجرد ان يقعن بايدي المؤمنين من اتباع تلك الديانات , باعتبار انهن ملك يمين , او منكوحات بطرق النكاح المتعددة , من زواج المتعة اوالزواج العرفي او المسيار او غيره , وبهذا لم يعد لتحريم الزنى أي دور في الحياة , الا بقدر حفظ نساء الاتباع من الاخر , اما نساء الاخر فهي مباحة
, ليس هذا فحسب , بل ان بعض الاديان قد تمثل نوعا من النكوس وعودة الى المشاعية الجنسية , بطرق الزواج المتعدة , فضلا عن اباحة الجنس مع المحارم , وتبرير بعض السلوكيات الجنسية الشاذة مثل جواز مضاجعة الرجل لزوجته الميتة وغيرها من السلوكيات الشاذة

والبقية تاتي في الجزء القادم

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت