في التنظيم الاجتماعي

سهيل أحمد بهجت
2011 / 7 / 1


ـ كاليفورنيا
إن كون الإنسان مغمورا و محاطا بأسباب المعيشة و أن الآباء و الأمهات كانوا طوال التاريخ و إلى اليوم يقضون حياتهم كلها في مراحل مختلفة من القلق و العمل المضني و الجهد في سبيل ضمان مستقبل الأبناء و البنات، و لا أظن أن هذا يختلف من مجتمع إلى آخر إلا قليلا، غير أن الأسلوب الغربي في تنشأة الأبناء هو الأكثر فعالية و إن كان له سلبيات، و نحن نعلم أن لكل شيء إيجابياته و سلبياته لأن كل موضوع يحكم عليه كل ناظر من جهته التي يراها و غالبا ما يكون التأثير العاطفي و البيئي دور في هذه الأحكام، فما يراه جلال أمين و المسيري أمرا سلبيا حينما يرون العائلة الغربية تفضل انفصال أبناءها البالغين في سكن منفصل، ترى العائلة الغربية في هذا شيئا إيجابيا جدا يمكننا وصفه بأنه إعداد لهذا الجيل الجديد نحو المسؤولية و احترام الجهد و العمل و بالنتيجة يكون هذا الإنسان مستعدا للانسجام مع المجتمع المنظم و القانوني، كما أن التخفيف عن الآباء و الأمهات بهذه الطريقة يتيح إيجاد نوع من البيئة المستقرة الهادئة عند الآباء و الأمهات المسنين، على عكس الحالة الشرقية حيث نجد أسرا كبيرة و ربما حتى الأحفاد فيها بالغون و يعيشون في بيت واحد ـ غالبا ما لا يسعهم ـ و هم محاطون ليل نهار ببيئة غير صحية من الضجيج و المشاكل الاجتماعية و الاقتصادية و مفتقرين إلى الخصوصية، و هذه النقطة مهمة جدا قد يكون كثير من الباحثين قد تجاهلها، فالفرد مهما كان اجتماعيا ـ و مهما نظّر الكاتبان و غيرهم لهذا الأمر ـ إلا أنه بحاجة أكبر أن يعيش في بيئة هادئة مسالمة تتيح له و التفكير الإبداع و حين ذلك تكون شخصيته قادرة على التجاوب الاجتماعي مع الآخرين، من هنا نجد أن انفصال الأبناء البالغين ليست مسألة اقتصادية فقط، كما أرادنا المسيري أن نظن، بل لها أهداف بيئية و اجتماعية تتجاوز مسألة المداخيل و الادّخار.
إن التنظير يختلف عن الواقع غالبا، فالتنظير قادر على تغيير الحقيقة أو تصوير الواقعة أو الموضوع سلبا أو إيجابا، و كلما كان الموضوع بعيدا عن ذهن المفكر زادت قابلية التصديق، و مواطننا الشرقي ـ و هو في الغالب محصور في بيئته و بلده ـ سريع التصديق في مثل هذه الأمور خصوصا أنه يولد و يعيش و يموت دون أن يرى بيئة و مجتمعا مختلفا عن مجتمعه، من هنا نجد أن قراءتنا للكتب الاقتصادية الغربية و خصوصا تلك الكتب التي صاحبت ظهور الماركسية و نظريات صراع الطبقات الكادحة ضد البرجوازية الصاعدة، فإننا سنتخيل مجتمعا آليا و كأنه عديم الشعور، لكن ما أن تقرأ مؤلفات المفكرين الإنسانيين إبان الثورة الفرنسي أو مؤلفات جون ديوي John Dewey 1859 ـ 1952 مثلا، فإن نبدأ حينها فقط باستشعار التنوع و الاختلاف و تعدد الأنماط، بدلا من النمطية المزعومة، في المجتمعات الغربية القائمة على التغير، و إذا كان الكاتبان هنا يردّدان أن الغرب أغرق المجتمع و الفرد بتحويله إلى أرقام و إحصائات فإن ذلك لا يعدو كونه وصفا غير واقعي لما يمكن أن يكون من باب اطلاع الفرد و المجتمع على المنجزات و المشاكل و الحلول الاقتصادية، و هنا نحن أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن يستمر المجتمع في الاطلاع على واقعه الاقتصادي و درجات النمو، و هذا غالبا ما يكون محصورا أو حكرا على المهتمين و ذوي الاختصاص، أو تجاهل هذا الجانب و الإغراق في التوكل على الأقدار و النصيب و الحظوظ، و هي السّمة الملازمة للمجتمعات التابعة و المتخلفة، التي تقنع نفسها بأنها أغنى من حيث "القيم الخلقية و الروحية" و هي في الواقع تعيش كارثة حقيقية حيث لا أخلاق و لا واقع اقتصادي إيجابي، فلا تكاد تجد في مجتمعات الغرب طبقية مجحفة لأن أدنى الناس و أفقرهم يمتلك كل أساسيات الحياة المهمة، و من ثم يحاول المسيري و عبر تعابير جلال أمين أن يتخطى الحقيقة الاجتماعية في أن المجتمع العلماني الصناعي أكثر استجابة لحاجات الإنسان من الدول المتخلفة التي تفلسف الدولة ـ هذه المؤسسة الأرضية الدنيوية ـ على أسس روحية أو حتى مادية مثالية ـ كالفلسفة الماركسية ـ التي انتزعت الإنسان من المادة لترده إلى قوانين مثالية خيالية تم عبرها قتل الفرد بحجة الحفاظ على الكل.
و المثير للدهشة هو الحديث عن افتقار الفرد في المجتمع العلماني إلى (حد أدنى من الشعور بالأمن و الاستقرار)، فالغربي بعد أن تمكن من التغلب على العوائق المادية المتحكمة بالواقع يبدو لنا "قلقا" و الحقيقة أن هذا القلق ناتج عن تفرغ الغربي للتفكير و البحث و طرح ألف سؤال و سؤال، بينما إنساننا الشرقي و لأنه مسحوق اقتصاديا و اجتماعيا و نفسيا من خلال حياة مليئة بسلسلة تجارب فاشلة فهو يبدو لنا "مستقرا و آمنا" و الحقيقة أنه لا يجد وقتا لطرح الأسئلة أو التعبير عن التعجب أو الاحتجاج، بعبارة موجزة هو مواطن مدجن بكل معنى الكلمة و بكل ما للتعبير من معنى، و حتى في العلاقات الاجتماعية يعيش غالبية الغربيين تجارب متعددة و الفرد الواحد منهم يمتلك من الاطلاع على عدد من المجتمعات ما قد يفوق أحسن تجاربنا، و المسيري واحد من هذه العقليات الشرقية المعزولة و المنطوية على ذاتها.
و هكذا نستمر مع المسيري في دائرة مفرغة من الأسئلة، فلكي نواجه مشاكل العصر الصناعي و العولمة و الطفرة الكبرى في عالم المعلومات و الاتصالات و الانتقال السريع، علينا أن نتخلص من الدكتاتورية و الاستبداد و الأمية و الفساد و التعصب و غيرها من المصطلحات السلبية الضخمة التي تتحكم بمجتمعاتنا، و الاستقرار المعني ها هنا حسب المسيري يشبه بنظري الاستقرار الذي تعيشه القبائل التي تعيش في الغابات المطرية أو الأعراب الذين كانوا يأدون أطفالهم أحياء كنوع من سنة الحياة و بالتالي نظروا إلى منع الإسلام لهذا الفعل على أنها "بدعة"، هذه المجتمعات تعتبر تقاليدها و أعرافها (استقرارا نفسيا)، و في الواقع و حينما تتسع مدارك الإنسان و يصبح مطلعا و عارفا بقوانين الحركة و الأسباب و المسببات، يبدأ في إطلاق أحكام موضوعية على الأشياء، و يصبح الاستقرار ركودا و القناعة غفلة و هبلا و غباءا، فالجاهل قد ينعم بجهله و لكنه بالتأكيد يختلف كلّيا عن ذلك الإنسان الواعي الذي يعيش "هموم التفكير" و استخدام العقل، من هنا فإن المجتمعات المتخلفة تعيش على راحة نفسية "وهمية" بينما الواقع يؤكد أنها مهددة و على حافة الكوارث و استغلال ذوي النفوذ.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول