الأساس المادي الجدلي والتاريخي لفكر ستالين وممارسته

عزالدين بن عثمان الحديدي
2011 / 6 / 28

على غرار أعمال لينين، تشكل أعمال ستالين تعميما نظريا وتجسيما للتجربة الثورية للبرولتاريا العالمية والبرولتاريا الماسكة بالسلطة في الاتحاد السوفياتي الى غاية 1953. ان دراسة و اعادة الاعتبار لهذه الأعمال أمران لا مفر منهما لكل من أراد تمثل واستيعاب التعميم النظري للتجربة التاريخية للبرولتاريا الي ذلك التاريخ، تماما مثلما هو ضروري فهم واعادة الاعتبار لأعمال ماركس وانجلس ولينين التي تعتمد عليها أعمال ستالين الذي شكل الهجوم عليه غطاءا لطمس وتحريف وانكار أعمال القادة العظام الذين سبقوه.

ان القوى الاجتماعية التي كانت ولا زالت ترفض نهاية ثورية للتناحرات التي يفرزها نمط الانتاج الرأسمالي أو التي ترفض قيادة الصراع الطبقي الى النهاية، لم تكن لتقبل بالمحتوى الثوري لأعمال ستالين. ان ادانة فكر ستالين وممارسته والصمت والتزييف اللذين تعرضا له والاصرار على تشويههما طيلة كل هذه السنين بعد موته، لا يمكن أن تفهم الا بالمحتوى الثوري غير المسبوق لتلك الأعمال التي سنحاول في سلسلة من المقالات أن نبرز مظاهر أساسية منها.

إن أعمال الرفيق ستالين هي تجسيم جلي للعلاقة الجدلية بين النظرية والممارسة. قدم ستالين خلاصة عبقرية لأعمال لينين وأبرز الأسس والمبادئ والمسائل الجوهرية للينينية مؤكدا على أنها النظرية العلمية والثورية الوحيدة للثورة البرولتارية ودكتاتورية البرولتاريا. ولكنه اضطلع بمهام جليلة أخرى : تطوير النظرية اللينينية حول المسألة القومية ومسألة الثورة في المستعمرات وأشباه المستعمرات باعتبارها جزءا من الثورة الاشتراكية العالمية، كان عليه أيضا تطوير وصياغة النظرية والممارسة الماركسية اللينينية في قضايا تصفية النظام الرأسمالي ودكتاتورية البرولتاريا وبناء الاشتراكية. ويعود للرفيق ستالين البرهنة على أن وجود نظامين، النظام الرأسمالي الامبريالي والنظام الاشتراكي، يخلق حتمية الصراع التناحري بين النظامين طيلة فترة تاريخية كاملة.

تحمل كتابات ستالين حتى من حيث الشكل خصائص تاريخية فرضها تدشين عصر الاشتراكية ودكتاتورية البرولتاريا: الصبغة الحية والنضالية لصياغة النظرية، العقلانية والطابع العملي صراع حاد ودائم من أجل انجاز الثورة، من أجل إبقاء البرولتاريا في السلطة، من أجل التقدم بالبناء الاشتراكي في زمن أصبح فيه اتحاد الجمهوريات السوفياتية مركز الثورة العالمية والحروب الوطنية التحررية، قوة المثال الحي الذي وفره الاتحاد السوفياتي زمن لينين وستالين جعل من النظرية قوة مادية عالمية هائلة.

في تلك الظروف، كان على النشاط النظري، مهما يقتضيه من تجريد، أن يضمن القيادة الفعلية لنضال الجماهير وأن يعبر على حدّ سواء على مصالح البرولتاريا الماسكة بالسلطة و على البرولتاريا والشعوب المضطهدة التي تناضل من أجل القضاء على الرأسمالية الامبريالية وتغيير العالم. إذا تغافلنا عن هذه الخصائص التاريخية تنفصل النظرية عن الجماهير وتتركها بدون نظرية ثورية. لذلك جاءت كتابات ستالين واضحة، مباشرة، مبدئية وصارمة إزاء الإنحرافات، لا مجال فيها للميوعة أو الترف الفكريين، كل الأهمية للعقلانية والواقعية ونبذ التحاليل والنظرات الذاتية.

قال لينين عن كتابات ستالين " نجد فيها كل شيء ولا نجد فيها أي حشو". ويلاحظ القائد الشيوعي الفرنسي هنري بربوس " لا نجد في كتاباته أي قطرة ماء". إنها تكثيف للأفكار التي تنساب بوضوح ودقة مثل "البيان الشيوعي" لماركس وانجلز. لذلك لن نجازف بتلخيصها بل سنكتفي بتعاليق بسيطة لتقديمها وإبراز تسلسلها (1). سنترك الكلمة للرفيق ستالين.

الأساس المادي الجدلي والتاريخي لفكر ستالين وممارسته

من الضروري قبل عرض أعمال ستالين وأطروحاته حول دكتاتورية البرولتاريا وبناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي وحول قضايا الثورة البرولتارية العالمية، أن نقدم مقتطفات تبين الأسس النظرية والتاريخية لفكر ستالين وممارسته قصد فضح بؤس الانتقادات البرجوازية التحريفية حول نزعة ستالين "الإرادية" تارة ونزعته "الاقتصادية" تارة أخرى. وفي الوضع الراهن حيث تسود المفاهيم المثالية للظواهر التاريخية والاقتصادية والسياسية، من الضروري التذكير بأن أعمال ستالين النظرية مثلها مثل أعمال ماركس، انجلس ولينين ترتكز على مفهوم مادي جدلي وتاريخي للظواهر الاجتماعية.

إن الثورة البرولتارية بالنسبة للماركسيين ليست نتاج اختيار فيما بين أنظمة "مرغوب فيها" بل هي نتاج لاحتداد تناقضات النظام الرأسمالي وهي الكفيلة وحدها بحلها. صحيح أنه يمكن أن تندلع الثورة في ظروف تاريخية متنوعة، لكن لا يمكن أن توجد من وجهة نظر المادية التاريخية "طرق" أو "نماذج" متعددة للاشتراكية لحل تناقضات الرأسمالية تلك. وتشكل أعمال لينين تطويرا وتجسيما للماركسية فيما يتعلق خاصة بالقوانين العامة للثورة البرولتارية في ظروف الامبريالية. وأرسى ستالين البعد النظري العالمي للينينية في مواجهة مختلف التشويهات الانتهازية التي تريد تضييق مجالها زمنيا وجغرافيا.

تشكل المثالية الفلسفية والمتافيزيقا أساس نظريات الأحزاب الانتهازية وغيرها من التيارات الرجعية. وقد بين ستالين بدقة متناهية العلاقة بين المثالية والمتافيزيقا وممارسة الطبقات والأحزاب الرجعية والانتهازية وأبرز في نفس الوقت العلاقة بين النظرة المادية للعالم والمنهج الديالكتيكي وبين النشاط العملي لحزب البرولتاريا. في مؤلفه "المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية" يبرز ستالين المفاهيم المادية الديالكتيكية لماركس، انجلس ولينين ويضبط التطبيقات الثورية التي تنجر عنها في النشاط النظري والعملي للشيوعيين.

* الأسلوب الديالكتيكي

" يتميز الأسلوب الديالكتيكي الماركسي بالمعالم الأساسية التالية:

أ) على العكس من الميتافيزيقا، لا يعتبر الديالكتيك الطبيعة تراكما عرضيا من الأشياء، أو الظواهر، منفصلة إحداها عن الأخرى، أو منعزلة ومستقلة إحداها عن الأخرى، بل يعتبرها كيانا كليا مرتبطا ارتباطا لا ينفصم تكون فيه الأشياء والظواهر مرتبطة ارتباطا عضويا وتعتمد إحداها على الأخرى وتقرر إحداها الأخرى.
(...)

ب) على العكس من الميتافيزيقا، يعتبر الديالكتيك أن الطبيعة ليست في حالة سكون وعدم حركة وجمود وعدم تغير، بل في حالة حركة دائمة وتغير مستمر، حالة تجدد وتطور مستمرين، حيث نجد على الدوام شيء ما ينشأ ويتطور وشيء ما يتفسخ ويزول.
(...)

ج) على العكس من الميتافيزيقا، لا يعتبر الديالكتيك عملية التطور أنها مجرد عملية نمو، حيث لا تؤدي التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية، بل على أنها تطور يجتاز من تغيرات كمية تافهة وغير محسوسة إلى تغيرات مكشوفة وجذرية، إلى تغيرات كيفية، حيث لا تكون تلك التغيرات الكيفية بصورة تدريجية، بل بصورة سريعة ومفاجئة، تتخذ شكل طفرة من حالة إلى حالة أخرى، هذه التغيرات لا تحدث بصورة عرضية بل بصورة ضرورية، إنها نتيجة لتراكم تغيرات كمية غير محسوسة وتدريجية.
(...)

د) على العكس من الميتافيزيقية ينطلق الديالكتيك من فكرة ان التناقضات الداخلية ملازمة لجميع الاشياء والظواهر في الطبيعة، لانها جميعا تحتوي على جانب سلبي وجانب ايجابي، ماضي ومستقبل، جميعها تتضمن عناصر بصدد الزوال وعناصر بصدد التطور، وان الصراع بين هذه الأضداد، الصراع بين القديم والجديد، بين الذي يفنى والذي يولد ، بين ما يجري اختفاؤه وما يجري تطوره، يشكل المحتوى الداخلي لعملية التطور، المحتوى الداخلي لتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية.
(...)

* المادية الفلسفية الماركسية

تتميز المادية الفلسفية الماركسية بالمعالم الأساسية التالية:

أ) على العكس من المثالية التي تعتبر العالم تجسيدا "للفكرة المطلقة"، "للروح الكونية" "للوعي"، تنطلق مادية ماركس الفلسفية من مبدأ أن العالم بحكم طبيعته، مادي. وأن الظواهر المتعددة للكون تؤلف اشكالا مختلفة للمادة المتحركة. وان الترابط المتبادل والاعتماد المتبادل للظواهر فيما بينها الذي يبرزه الاسلوب الديالكتيكي، هي قوانين تطور المادة المتحركة. وان العالم يتطور وفقا لقوانين حركة المادة دون حاجة إلى "روح كونية".
(...)

ب) على العكس من المثالية التي تؤكد على أن وعينا وحده موجود حقا، وأن العالم المادي، الوجود، الطبيعة، لا توجد إلا في وعينا، في تمثلنا ومفاهيمنا، تنطلق المادية الفلسفية الماركسية من مبدأ أن المادة، الطبيعة، الوجود، هو حقيقة موضوعية موجودة خارج وعينا ومستقلة عنه، من أن المادة هي معطى أول نظرا لأنها مصدر إحساساتنا وتمثلنا ووعينا، في حين أن الوعي معطى ثاني ومشتق نظرا إلى انه انعكاس للمادة، انعكاس للوجود، ومن أن الفكر هو نتاج للمادة التي بلغت في تطورها درجة عالية من الاكتمال، وبصورة أدق الفكر هو نتاج للمخ، والمخ هو عضو التفكير، وبناء على ذلك لا يستطيع المرء أن يفصل الفكر عن المادة بدون أن يقع في خطأ فاحش.
(...)

د) على العكس من المثالية التي تنكر إمكانية معرفة العالم وقوانينه، والتي لا تعتقد في صحة معارفنا، ولا تعترف بالحقيقة الموضوعية وتعتبر أن العالم مليء "بأشياء بذاتها" لا يستطيع العلم معرفتها أبدا، تنطلق المادية الفلسفية الماركسية من مبدأ أن العالم وقوانينه قابلة تماما للتعرف عليها وأن معرفتنا، المثبتة بالتجربة والممارسة، بقوانين الطبيعة هي معرفة صحيحة ترقى إلى مرتبة الحقيقة الموضوعية. ومن أنه لا توجد أبدا في العالم أشياء لا يمكن معرفتها، بل توجد فقط أشياء ما زالت غير معروفة، ولكنها سوف يكشف عنها والتعرف عليها بوسائل العلم والممارسة." (المادية اليالكتيكية والمادية التاريخية)

* تأسيس النشاط الثوري للحزب على مبادئ الديالكتيك

- يؤكد ستالين على غرار ماركس وانجلس ولينين على إمكانية اكتشاف ومعرفة قوانين الطبيعة مثلما هو ممكن اكتشاف ومعرفة قوانين التطور الاجتماعي. الحياة الاجتماعية، تاريخ المجتمع ليسا تراكما للأحداث العرضية وإنما نتاج للتناقضات للتأثير المتبادل للقوى المتضادة. إن دراسة التاريخ الاجتماعي يمكنها أن تصبح علما.

بوصفه قائدا ثوريا للبرولتاريا، يعتبر ستالين أن توسيع مبادئ المنهج الديالكتيكي على دراسة الحياة الاجتماعية يكتسي أهمية بالغة بالنسبة للنشاط العملي لحزب البرولتاريا، اذ يجب على هذا الأخير أن يعتمد على قوانين التطور الاجتماعي وعلى دراسة تلك القوانين لا على الدوافع الطارئة، وبالتالي يجب أن يرتكز تقييم الأنظمة والحركات الاجتماعية لا على مبادئ مجردة وأحكام ذاتية وإنما على فهم تاريخي للظواهر الاجتماعية والظروف المرتبطة بها.

" إذا صح أنه لا توجد ظواهر منعزلة في العالم، إذا كانت جميع الظواهر مترابطة ويعتمد بعضها على بعض، فمن الواضح أن كل نظام اجتماعي وكل حركة اجتماعية في التاريخ لا يجب الحكم عليها من وجهة نظر "العدالة الأزلية" أو أية فكرة أخرى مسبقة، كما يفعل المؤرخون، بل من وجهة نظر الظروف التي أنشأت وارتبطت بذلك النظام أو بتلك الحركة الاجتماعية.
(...)

إن المطالبة بجمهورية ديمقراطية برجوازية في ظروف القيصرية والمجتمع البرجوازي كما في روسيا سنة 1905، كانت مطالبة مفهومة وصحيحة وثورية، لأن الجمهورية البرجوازية في ذلك العهد كانت تعني خطوة إلى الأمام. أما المطالبة بإرساء جمهورية ديمقراطية برجوازية في ظروف الاتحاد السوفييتي، فستكون عديمة المعنى ومضادة للثورة، لأن الجمهورية البرجوازية هي خطوة إلى الوراء مقارنة بالجمهورية السوفييتية.

كل شيء يعتمد على الظروف والزمان والمكان.

ومن الواضح انه بدون الفهم التاريخي للظواهر الاجتماعية يصبح وجود وتطور علم التاريخ أمران مستحيلان، وحده الفهم التاريخي يقي علم التاريخ من أن يصبح فوضى من الأحداث الطارئة وجمعا من الأخطاء المجنونة."

- إن هذا العمق في فهم ستالين للمادية الديالكتيكية والمادية التاريخية لا يشكك فيه الا "المنظرون" اللذين يخلطون بين الديالكتيك والسفسطائية. في الحقيقة، يكمن خطأ ستالين الكبير في نظر هذه الانتقادات لا في "استيعابه" الفكري للمادية التاريخية وإنما في قدرته الفائقة على تطبيقها. بالنسبة لستالين لا يتعلق الأمر فقط بمسائل فلسفية بل قبل كل شيء بطريقة عمل بمرشد للممارسة.

تظهر دراسة قوانين التطور الاجتماعي ضرورة التطور من تشكيلات بالية تاريخيا نحو تشكيلات جديدة، وهو ما يلزم الأحزاب الماركسية حقا بتجنب تأسيس نشاطهم بطريقة انتهازية على الشرائح الاجتماعية التي تمثل مؤقتا القوة المهيمنة وتأسيس ذلك النشاط على القوى الواعدة المستقبلية حتى وان كانت غير مهيمنة في الحاضر.

" وإذا كان صحيحا أن العالم في حالة حركة دائمة وتطور مستمر، إذا كان زوال القديم ونشوء الجديد قانونا للتطور، فمن الواضح انه لا وجود لأنظمة اجتماعية "لا تمحي" ولا لـ "مبادئ أزلية" للملكية الخاصة والاستغلال ولا وجود لـ "أفكار أزلية" لخضوع الفلاحين للمالكين العقاريين، أو العمال للرأسماليين.

وعليه يمكن إحلال المجتمع الاشتراكي محل المجتمع الرأسمالي، بالضبط كما كان بالإمكان في عهد النظام الإقطاعي إحلال النظام الرأسمالي محل النظام الإقطاعي.

وعليه يجب ألا نؤسس نشاطنا على شرائح المجتمع التي لم تعد تتطور، رغم أنها لا تشكل في الحال الحاضر القوة المهيمنة، بل على الشرائح التي تتطور ولها مستقبل، حتى لو لم تكن تشكل في الحال الحاضر القوة المهيمنة." (المادية اليالكتيكية والمادية التاريخية)

- تظهر دراسة قوانين التطور الاجتماعي بواسطة المنهج الديالكتيكي حتمية صراع الطبقات والطريق الثوري لتغيير المجتمع، ينجم عن ذلك حسب ستالين آثار هامة على النشاط العملي لحزب البرولتاريا وذلك هو الشر المطلق بالنسبة لأعداء ستالين من البرجوازيين والانتهازيين :

" إذا كان صحيحا أن الانتقال من التغيرات الكمية البطيئة إلى تغيرات كيفية مفاجئة وسريعة قانونا للتطور، فإن من الواضح أن الثورات التي تنجزها الطبقات المستغلة (بفتح الغين) هي ظاهرة طبيعية تماما وحتمية.

وعليه فان الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وتحرير الطبقة العاملة من نير الرأسمالية لا يمكن تحقيقه بتغيرات بطيئة، بالإصلاحات، بل فقط بتغيير كيفي للنظام الرأسمالي، بالثورة.

وعليه لكي لا يخطئ المرء في السياسة، عليه أن يكون ثوريا لا إصلاحيا.

وإذا كان صحيحا أن التطور يجري عن طريق كشف التناقضات الداخلية، عن طريق النزاع بين القوى المتضادة على أساس هذه التناقضات ومن اجل التغلب على هذه التناقضات، فإن من الواضح أن الصراع الطبقي للبروليتاريا ظاهرة طبيعية تماما وحتمية.

وعليه يجب ألا نطمس تناقضات النظام الرأسمالي بل أن نكشفها ونزيل القناع عنها كليا. علينا ألا نحاول خنق الصراع الطبقي بل أن نمارسه حتى نهايته.

وعليه، لكي لا نخطئ في السياسة، علينا أن نتبع سياسة بروليتارية طبقية لا مساومة فيها، لا سياسة إصلاحية تقوم على الانسجام بين مصالح البروليتاريا ومصالح البرجوازية، لا سياسة توفيقية تقوم على "تداخل" الرأسمالية في الاشتراكية. " (المادية اليالكتيكية والمادية التاريخية)

* الاستخدام الثوري للمادية الفلسفية الماركسية

- لا تؤسس الأحزاب الماركسية الحقيقية نشاطها على مبادئ مجردة كما يقول ستالين بل على الظروف الملموسة للحياة المادية للمجتمع، على الحاجات الحقيقية لتطور المجتمع. ولا يعني ذلك أن النظريات الاجتماعية لا يمكنها لعب دور هام في تغيير الشروط المادية للحياة الاجتماعية. على العكس، يميز ستالين بين أصل الأفكار والنظريات ودورها واهميتها التاريخية ويؤكد دورها الهام معتبرا المادية التاريخية مرشدا للنشاط الثوري.

" الوجود الاجتماعي، ظروف الحياة المادية للمجتمع، هي التي تحدد أفكاره ونظرياته وآرائه السياسية ومؤسساته السياسية. يقول ماركس بهذا الصدد:

" ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل، على العكس، وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم". (كارل ماركس، مختارات، الطبعة الانجليزية، م 1 ص 356)

وعليه، لكي لا يخطئ حزب البروليتاريا في سياسته، لكي لا يجد حزب البروليتاريا نفسه في وضع الحالم التائه، يجب عليه أن لا يؤسس نشاطاته على "مبادئ العقل البشري" المجردة، بل على الظروف الملموسة لحياة المجتمع المادية باعتبارها القوة الحاسمة في التطور الاجتماعي. لا على النوايا الطيبة "للرجال العظام"، بل على الحاجات الحقيقية لتطور الحياة المادية للمجتمع.
(...)

إلا انه لا ينجم عن كلام ماركس أن الأفكار والنظريات الاجتماعية، والآراء والمؤسسات السياسية لا أهمية لها في الحياة الاجتماعية ولا تؤثر بدورها على الوجود الاجتماعي، على تطور الظروف المادية للحياة الاجتماعية. لم نتحدث إلى حد الآن سوى عن أصل الأفكار والنظريات الاجتماعية، عن أصل الآراء السياسية والمؤسسات السياسية، عن نشأتها، قلنا إن الحياة الروحية للمجتمع هي انعكاس لظروف الحياة المادية. أما بخصوص أهمية الأفكار والنظريات الاجتماعية والآراء السياسية والمؤسسات السياسية، وبخصوص دورها في التاريخ، فإن المادية التاريخية، بعيدا عن إنكارها، تؤكد على العكس دورها وأهميتها الكبرى في الحياة الاجتماعية و في تاريخ المجتمع.

هناك أنواع مختلفة من الأفكار والنظريات الاجتماعية. ثمة أفكار ونظريات قديمة تجاوزها الزمن وهي تخدم مصالح قوى المجتمع المحتضرة. إن أهميتها تكمن في واقع أنها تعيق تطور المجتمع وتقدمه. وثمة أفكار ونظريات جديدة طليعية تخدم مصالح القوى الطليعية للمجتمع. وتكمن أهميتها في واقع أنها تسهل تطور المجتمع وتقدمه. وان أهميتها أعظم كلما عكست بأكثر دقة ممكنة حاجات تطور الحياة المادية للمجتمع.
إن الأفكار والنظريات الاجتماعية الجديدة لا تنشأ إلا بعد أن يكون تطور الحياة المادية للمجتمع قد طرح مهام جديدة. لكنها ما إن تنشأ حتى تصبح قوة ذات أهمية من الدرجة الأولى تسهل انجاز المهام الجديدة التي طرحها تطور الحياة المادية للمجتمع ، وتسهل تقدم المجتمع.

هنا بالضبط تظهر كل أهمية الدور التنظيمي والتعبوي والتحويلي للأفكار والنظريات الجديدة والآراء والمؤسسات السياسية الجديدة. في الحقيقة، تنشأ الأفكار والنظريات الاجتماعية الجديدة بالضبط لأنها ضرورية للمجتمع، لأن من المستحيل إيجاد الحلول للمشاكل الملحة التي يتضمنها تطور الحياة المادية للمجتمع بدون نشاطها التنظيمي والتعبوي والتحويلي. بما أن الأفكار والنظريات الاجتماعية الجديدة تستثار من قبل المهام التي يطرحها تطور الحياة المادية للمجتمع، فهي تشق لنفسها طريقا وتصبح ملكا للجماهير الشعبية، تقوم بتعبئتها وتنظيمها ضد قوى المجتمع المحتضرة ميسرة بذلك إسقاط تلك القوى التي تعيق تطور الحياة المادية للمجتمع.
وعليه، على حزب البروليتاريا، لكي يستطيع التأثير على ظروف الحياة المادية للمجتمع والتعجيل بتطورها وتحسينها، أن يعتمد على نظرية اجتماعية، على فكرة اجتماعية تعكس بصورة صحيحة حاجات تطور الحياة المادية للمجتمع و تكون، بناء على ذلك، قادرة على تحريك الجماهير الواسعة الشعبية وتعبئتها وتنظيمها في الجيش العظيم لحزب البروليتاريا ، المستعد لتحطيم القوى الرجعية وشق الطريق لقوى المجتمع المتقدمة.

إن فشل "الاقتصاديين" والمنشفيك يفسر،بالإضافة إلى أمور أخرى، بواقع كونهم لا يعترفون بالدور التعبوي والتنظيمي والتحويلي للنظرية الطليعية، للفكرة الطليعية، وبسقوطهم في المادية المبتذلة ضيقوا من هذا الدور إلى الصفر تقريبا، وبذلك كانوا يدفعون الحزب نحو السلبية والانتظارية.

إن ما يشكل قوة الماركسية اللينينية وحيويتها هو اعتمادها على نظرية طليعية تعكس بصورة صحيحة حاجات تطور الحياة المادية للمجتمع، هو قيامها بوضع النظرية في مرتبة عالية تليق بها، وكونها ترى أن من واجبها تحقيق الاستفادة القصوى من قوتها التعبوية والتنظيمية والتحويلية.

تلك هي طريقة المادية الديالكتيكية في حلّ مسألة العلاقات بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي، بين ظروف تطور حياة المجتمع المادية وتطور حياة المجتمع الروحية."

* الأساس الاقتصادي للتطور الاجتماعي

من التشويهات الشائعة التي يروجها بعض الكتاب الرجعيين والتحريفيين تلك المتعلقة باعتبار آراء ستالين تتسم بـ"الاقتصادوية".
ان "الاقتصادوية" الحقيقية التي أدانها لينين تتعلق بادعاء أن الثورة البرولتارية لم تكن ناضجة نتيجة التطور غير الكافي لقوى الانتاج في هذا البلد أو ذاك. هذه الفكرة كانت تؤدي إلى محاولة تذييل الحركة العمالية للحركة اللبرالية البرجوازية. على العكس من ذلك يؤكد ستالين على غرار ماركس، انجلس ولينين على البعد الثوري للتناقض بين قوى الانتاج الاجتماعية وعلاقات الانتاج في ظل الرأسمالية. هذا التناقض يحتدّ إلى الحد الأقصى في عصر الامبريالية ويفرض على البرولتاريا دورا قياديا ليس في الثورة البرولتارية فقط بل كذلك في انجاز بعض مهام الثورة الديمقراطية البرجوازية التي لم تنجزها البرجوازية. ويفرض عليها دورا قياديا ليس فقط في البلدان الامبريالية بل كذلك في المستعمرات وأشباه المستعمرات حيث لا يشكل تخلف قوى الانتاج فيها عائقا لا يذلل أمام قيادتها للنضال الوطني وتحويل الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى ثورة سوفياتية.

وتشهد جميع أعمال ستالين على نضاله العنيد ضد انبعاث النظرية "الاقتصادوية" للأممية الثانية من جديد سواء في الحزب الشيوعي السوفياتي أو في صلب الأممية الثالثة، ضد أولئك الذين، في المستعمرات والبلدان التابعة، يرفضون تكتيك عزل البرجوازية الوطنية والانتقال من مرحلة الجبهة الوطنية الموحدة إلى مرحلة الثورة السوفياتية بدعوى تخلف قوى الإنتاج، وضد أولئك الذين بعد انتصار الثورة الاشتراكية اعتبروا أن تطور قوى الإنتاج غير كافي لبناء الاشتراكية في بلد واحد، أو ضدّ أولئك الذين ينفون ضرورة ملائمة علاقات الإنتاج في ظل الاشتراكية لمستوى تطور قوى الإنتاج مقترحين تقليص مجال الاقتصاد السياسي للاشتراكية لمجرد "التنظيم العقلاني للقوى المنتجة".

يرى ستالين أن حزب البرولتاريا يؤسس عمله على الحاجات الحقيقية لتطور الحياة المادية للمجتمع وبالتالي فهو يعتمد على النظرية الطليعية التي تعكس بالصورة الأكمل هذا التطور. هذه النظرية تتمثل في المادية التاريخية، الماركسية اللينينية :

- ضرورة اكتساب الحزب لعلم وقوانين التطور الاقتصادي للمجتمع

" ما هي من بين جملة ظروف الحياة المادية للمجتمع، القوة الرئيسة التي تحدد ملامح المجتمع وطابع النظام الاجتماعي، وتطور المجتمع من نظام إلى نظام آخر؟

تعتبر المادية التاريخية أن هذه القوة هي أسلوب الحصول على وسائل الحياة الضرورية للوجود الإنساني، أسلوب إنتاج القيم المادية، (...) يجب البحث عن المفتاح الذي يمكننا من دراسة قوانين تاريخ المجتمع لا في عقول البشر، لا في آراء وأفكار المجتمع بل في أسلوب الإنتاج الذي يمارسه المجتمع في حقبة تاريخية معينة، في النظام الاقتصادي للمجتمع. وعليه فإن المهمة الجوهرية لعلم التاريخ هي دراسة واكتشاف قوانين تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج أي قوانين التطور الاقتصادي للمجتمع.
وعليه، إذا أراد حزب البرولتاريا أن يكون حزبا حقيقيا، يجب عليه قبل كل شيء أن يكتسب علم قوانين تطور الإنتاج وقوانين التطور الاقتصادي للمجتمع " (المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية)

- قانون وحدة القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج

اعتمادا على تحاليل ماركس يبين ستالين أن قانون وحدة قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج هو من القوانين العامة التي تحكم جميع التشكيلات الاجتماعية. وفي مؤلفيه "المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية" والقضايا الاقتصادية للاشتراكية" بالخصوص، يطوّر ستالين اكتشاف ماركس ببيان تمظهرات هذا القانون الاقتصادي الأساسي في الصراع بين الطبقات وكيف أن اكتشاف ومعرفة هذا القانون ترشد حزب البرولتاريا في مرحلة تحضير الثورة وانجازها على حدّ سواء :

" يتضمن الإنتاج الاجتماعي مظهرين مرتبطين ببعضهما ارتباطا لا ينفصم لكنهما يشكلان في نفس الوقت صنفين مختلفين من العلاقات : علاقات الناس بالطبيعة (القوى المنتجة) وعلاقات الناس فيما بينهم خلال مسار الإنتاج (علاقات الإنتاج). إن وجود هذين المظهرين بصفة متوازية هو وحده الذي يؤدي إلى الإنتاج الإجتماعي. ولأنهما يشكلان مظهرين مختلفين للإنتاج الاجتماعي يمكن لهما ممارسة تأثيرا متبادلا." (حول أخطاء الرفيق ياروشنكو).

" إن أدوات الإنتاج التي يتم بها إنتاج القيم المادية والناس الذين يشغلون أدوات الإنتاج وينتجون القيم المادية بفضل درجة من الخبرة في الإنتاج وبفضل عادات العمل، كل هذه العناصر مجتمعة تشكل قوى الإنتاج في المجتمع.

(...) الوجه الآخر لأسلوب الإنتاج، هي علاقات الناس بعضهم ببعض في عملية الإنتاج، علاقات الإنتاج بين الناس. خلال نضالهم ضد الطبيعة التي يستغلونها لإنتاج القيم المادية، لا يكون الناس منعزلين عن بعضهم البعض أو أفرادا منفصلين، إنهم ينتجون بصفة مشتركة، في جماعات، في جمعيات. وعليه فان الإنتاج في جميع الأزمان وفي جميع الظروف هو إنتاج اجتماعي. خلال إنتاج القيم المادية يدخل الناس في علاقات متبادلة من هذا النوع أو ذاك صلب عملية الإنتاج و يقيمون هذا النوع أو ذاك من علاقات الإنتاج. قد تكون تلك العلاقات علاقات تعاون ومساعدة متبادلة بين الناس الأحرار من كل استغلال، وقد تكون علاقات سيطرة وإخضاع، وقد تكون، أخيرا علاقات انتقالية من شكل لعلاقات الإنتاج إلى شكل آخر. ولكن مهما يكن الطابع الذي تكتسيه علاقات الإنتاج، فهي دائما وفي كل الأنظمة، عنصرا ضروريا للإنتاج شأنها في ذلك شأن القوى المنتجة للمجتمع".

(...) يقول ماركس: "في الإنتاج لا يعمل الناس على الطبيعة فقط بل يعملون على بعضهم البعض وضمن هذه الارتباطات والعلاقات الاجتماعية فقط يحدث عملهم على الطبيعة، إنتاجهم."(كارل ماركس، مختارات، الطبعة الانجليزية م 1 ص 364).

(...) " بينما تقدم حالة القوى المنتجة الجواب على سؤال – بأية وسائل إنتاج ينتج الناس القيم المادية التي يحتاجونها – فإن حالة علاقات الإنتاج تبين من يمتلك وسائل الإنتاج (الأرض، الغابات، الماء، الثروات المعدنية، المواد الخام، أدوات الإنتاج، الخ..)، من يتحكم بوسائل الإنتاج، أهو المجتمع كله، أم أفراد، و جماعات وطبقات تستخدمها لاستغلال أفراد وجماعات وطبقات أخرى". (المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية)

- إن تاريخ التطور الاجتماعي هو تاريخ الجماهير الكادحة :

" من البديهي أن تطوير وتحسين أدوات الإنتاج قد أنجزه الناس الذين كانوا مرتبطين بالإنتاج، وليس باستقلال عن هؤلاء الناس. وتبعا لذلك، فان تغيير وتطوير أدوات الإنتاج قد رافقه تغير وتطور الناس، باعتبارهم العنصر الأهم في القوى المنتجة، تغيرت وتطورت خبرتهم الإنتاجية، مهاراتهم العملية، قدراتهم على استخدام أدوات الإنتاج.

انسجاما مع هذه التغيرات وهذا التطور في القوى المنتجة للمجتمع عبر التاريخ، تغيرت وتطورت أيضا علاقات الإنتاج بين الناس، علاقاتهم الاقتصادية.

(...) إن تاريخ التطور الاجتماعي هو في نفس الوقت تاريخ منتجي القيم المادية، تاريخ الجماهير الكادحة التي تشكل القوى الأساسية في عملية الإنتاج وهي التي تنتج الخيرات المادية الضرورية لحياة المجتمع" (المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية)

- قانون الانسجام الضروري بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج

إن الطابع الاجتماعي للقوى المنتجة الذي يتطور مع الصناعة الكبرى يجعل من الضروري تحطيم علاقات الإنتاج القائمة على الملكية الخاصة الرأسمالية لوسائل الإنتاج. وإن تحقيق الانسجام بين الطابع الاجتماعي للقوى المنتجة وبين نظام الملكية بتحطيم علاقات الإنتاج الخاصة، يحرر القوى المنتجة للمجتمع.

فالتناحر بين الطابع الاجتماعي للقوى المنتجة ونظام الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الذي يبرز في الأزمات الدورية للرأسمالية وفي تحطيم القوى الإنتاجية للمجتمع. هو الذي يشكل الأساس الاقتصادي للثورة الاشتراكية للبرولتاريا.

يجب التأكيد على الطابع الثوري لهذا القانون الأساسي لتطور المجتمع الذي اكتشفه ماركس والذي يشكل عمليا أساس الدور التاريخي للبرولتاريا بوصفها الطبقة الثورية التي ستحقق الانسجام الضروري بين الطابع الاجتماعي للقوى المنتجة ونظام الملكية في المجتمع. بابتعادهم عن التحليل العلمي للتطور الاجتماعي، تخلى انتهازيو الأممية الثانية مثل برنشتاين عن هذا الاكتشاف وأنكروا الأساس المادي العلمي للثورة الاشتراكية وللصراع الطبقي الذي يتطور بالضرورة على هذا الأساس. وفي المقابل أخذوا يبشرون باشتراكية ما قبل-ماركسية قائمة على "الأهداف المرغوب فيها جماعيا" وفي الحقيقة بـ"تجميل" النظام الرأسمالي وطمس الصراع الطبقي وتصفية الثورة الاشتراكية.

" الخاصية الثانية للإنتاج هي أن التغيرات التي تطرأ عليه وتطوره تبدأ دائما بتغير وتطور القوى المنتجة، وقبل كل شيء، بتغيرات وتطور أدوات الإنتاج. إن قوى الإنتاج بناء على ذلك هي العنصر الأكثر حركية و الأكثر ثورية في الإنتاج. فالقوى المنتجة المجتمع تتغير وتتطور أولا، ثم، استنادا إلى هذه التغيرات، وبالانسجام معها، تتغير علاقات الناس الإنتاجية، علاقاتهم الاقتصادية.
على أن ذلك لا يعني أن علاقات الإنتاج لا تؤثر في تطور القوى المنتجة وأن هذه الأخيرة لا تعتمد على الأولى. فبينما يعتمد تطور علاقات الإنتاج على تطور القوى المنتجة فان علاقات الإنتاج بدورها تمارس فعلها على تطور القوى المنتجة، بتسريعه أو بإعاقته. إضافة إلى ذلك، من المهم ملاحظة أن علاقات الإنتاج لا يمكن أن تتخلف وتبقى بحالة تناقض لوقت طويل جدا مع نمو القوى المنتجة، لأن هذه الأخيرة لا تستطيع أن تتطور بحرية وكما ينبغي إلا حين تكون علاقات الإنتاج منسجمة مع طابع القوى المنتجة، مع حالتها، وتتيح لها أن تتطور بحرية. لذا، مهما تأخرت علاقات الإنتاج عن تطور القوى المنتجة فإنه يجب عليها، إن عاجلا أو آجلا، أن تصبح منسجمة مع مستوى تطور القوى المنتجة و مع طابع القوى المنتجة. في غياب ذلك، تختل جوهريا الوحدة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج ضمن نظام الإنتاج، ويحدث تفكك للإنتاج ككل، أزمة الإنتاج، تحطيم للقوى المنتجة." (المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية).

" ولكن الرأسمالية، وقد طورت قوى الإنتاج بمقاييس هائلة، أوقعت نفسها في تناقضات لا تستطيع حلّها(...) تضفي الرأسمالية على عملية الإنتاج طابعا اجتماعيا وبذلك تنسف بنفسها قاعدتها الاقتصادية، لأن الطابع الاجتماعي لعملية الإنتاج يقتضي إرساء الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج، في حين تبقى ملكية تلك الوسائل ملكية خاصة، رأسمالية لا تتلاءم مع الطابع الاجتماعي لعملية الإنتاج.

هذه التناقضات التناحرية بين طابع القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج هي التي تظهر في الأزمات الدورية لفيض الإنتاج، فالرأسماليون، في غياب مشترين قادرين على الدفع نتيجة تفقير الجماهير الذي يتحملون هم مسؤوليته، مجبرون على حرق المواد الغذائية، على إهلاك بضائع تامة الصنع، على وقف الإنتاج، على تدمير قوى الإنتاج، في حين يعاني ملايين الناس من البطالة والجوع ليس بسبب نقص في البضائع بل لأننا أنتجنا الكثير منها.

هذا يعني أن علاقات الإنتاج الرأسمالية لم تعد تتلاءم مع حالة القوى المنتجة ودخلت في تناقض مستعصي معها.

هذا يعني أن الرأسمالية حبلى بثورة تستبدل الملكية الرأسمالية الحالية لوسائل الإنتاج بالملكية الاشتراكية.

هذا يعني أن صراع طبقيا من النوع الأكثر حدّة بين المستغلين (بكسر الغين) والمستغلين (بفتح الغين) هو السمة الأساسية للنظام الرأسمالي." (المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية)

- ويعارض ستالين فكرة أنه لم يعد بالإمكان للقوى المنتجة أن تتطور في ظل الرأسمالية. وهو يؤكد طبعا مثل ماركس ولينين على الطابع المتقطع والمتأزم لهذا التطور وعلى تحطيم القوى المنتجة، ويبين في نفس الوقت أن الرأسمالية العالمية، الإمبريالية يمكنها أن تواصل التطور، لكن هذا التطور يتضمن ويحضر لتفسخ الامبريالية نتيجة التناحر بين الطابع الاجتماعي للقوى المنتجة والشكل الخاص للملكية:

" الاستقرار لا يعني الجمود. يجب أن نفهم من كلمة استقرار دعم وضعية معينة ومواصلة التطور على أساس تلك الوضعية. لم تكتف الرأسمالية بتدعيم مواقعها على أساس وضعية معينة بل هي تواصل تطورها بتوسيع مجال نفوذها ومضاعفة ثرواتها. من الخطأ الاعتقاد بأن الرأسمالية لا يمكنها أن تتطور أو القول بأن لينين في كتابه "الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" ينفي التطور الرأسمالي. لقد بيّن لينين بوضوح في كتابه أن التطور الرأسمالي لا يلغي بل يفترض ويحتم تفسخ الامبريالية" ( أعمال الندوة الرابعة عشرة للحزب – صفحة 193).

- الاستخدام الثوري لقانون الانسجام الضروري بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج

لا يمكن للطبقات الاستغلالية أن توقف تطور الصراع الطبقي للبرولتاريا الذي ينجم بالضرورة عن النظام الرأسمالي نفسه مهما طالت فترات "الهدوء". كان انتهازيو الأممية الثانية يراهنون على هذه الفترات لتركيز نهجهم الإصلاحي القائم على السلم الطبقي لكنهم لم ينجحوا وحلّ الصدام العالمي بين الطبقات وانتصرت الثورة البلشفية. كل ما نجحوا في القيام به هو إضافة قواهم إلى قوى الطبقات الرجعية من أجل منع تحقيق القانون الاقتصادي حول الانسجام الضروري بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج.

" يشق قانون الانسجام الضروري بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج طريقه منذ مدة طويلة في البلدان الرأسمالية. وإذا لم يأخذ مجراه بصورة كاملة فذلك بسبب ما يلاقيه من مقاومة نشيطة من قبل القوي الرجعية للمجتمع. وهنا تعترضنا خاصية أخرى للقوانين الاقتصادية. إذ خلافا لقوانين الطبيعة التي تكتشف وتطبق بدون عراقيل إلى حدّ ما، فان اكتشاف وتطبيق القوانين الاقتصادية الجديدة التي تضرّ بمصالح القوى الرجعية للمجتمع تلقى مقاومة نشيطة جدا من قبل تلك القوى. يجب إذن أن تكون هناك قوة، قوة اجتماعية قادرة على هزيمة تلك المقاومة" ( القضايا الاقتصادية للاشتراكية – 1952).

" إن استخدام القوانين الاقتصادية في مجتمع طبقي له دائما دوافع طبقية. والطبقة الطليعية هي دوما من يرفع راية استخدام القوانين الاقتصادية لصالح المجتمع ، أما الطبقات الرجعية فتعارضها" (جواب إلى الرفيق نوتكين)

- دور القوانين الاقتصادية في تعبئة القوى الطبقية الثورية :

" إذا كان تطور القوى المنتجة والتغيرات في علاقات الإنتاج تجري، لفترة معينة، بصورة عفوية مستقلة عن إرادة الناس فإن التناقض بين القوى المنتجة الجديدة وعلاقات الإنتاج القديمة يؤدي عاجلا أو آجلا إلى نشوء أفكار جديدة تعكس حاجات التطور المادي للمحتمع. إذا بلغت هذه القوى المنتجة الجديدة درجة معينة من النضج فستتمكن هذه الأفكار الاجتماعية من تعبئة وتنظيم الطبقة حاملة لواء المستقبل وانجاز التحطيم الثوري لعلاقات الإنتاج القديمة. (...)

عندما تنضج القوى المنتجة الجديدة، تصبح علاقات الإنتاج القائمة والطبقات التي تجسدها عائقا لا يمكن إزاحته من الطريق إلا بواسطة النشاط الواعي للطبقات الجديدة، بواسطة النشاط العنيف لهذه الطبقات، بواسطة الثورة. آنذاك يتضح بصورة محسوسة الدور العظيم للأفكار الاجتماعية الجديدة، للمؤسسات السياسية الجديدة، للسلطة الجديدة المدعوة لإزالة علاقات الإنتاج القديمة بالقوة.

النزاع بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج القديمة، الحاجات الاقتصادية الجديدة للمجتمع تولّد أفكارا اجتماعية جديدة، هذه الأفكار الجديدة تقوم بتنظيم وتعبئة الجماهير التي تتوحّد في جيش سياسي وتخلق سلطة ثورية جديدة وتستخدمها لإزالة النظام القديم بالقوة وإرساء نظام جديد. إن المسار العفوي للتطور يترك مكانه للنشاط الواعي للبشر، التطور السلمي يترك مكانه للانقلاب العنيف، النمو يترك مكانه للثورة."
- قانون الانسجام الضروري بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج هو قانون عام يشمل أيضا المجتمع الجديد، الاشتراكي :
" إنها لمهمة صعبة ومعقدة حقا وليس لها سوابق تاريخية. ومع ذلك قامت سلطة السوفياتات بدورها بكل فخر. طبعا ليس عن طريق إلغاء القوانين الاقتصادية للمجتمعات أو بـ"استحداث" أخرى جديدة، بل فقط لأنها اعتمدت على القانون الاقتصادي حول الانسجام الضروري بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج.
كانت القوى المنتجة في بلادنا، وخاصة في الصناعة، تحمل طابعا اجتماعيا في حين كان شكل الملكية خاصا، رأسماليا. مرتكزا بثقة على قانون الانسجام الضروري بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، قامت سلطة السوفياتات بمشركة وسائل الإنتاج وجعلتها ملكية للشعب كله، وبذلك ألغت نظام الاستغلال وخلقت أشكال اقتصادية اشتراكية. بدون هذا القانون وبدون الاعتماد عليه، ما كان لسلطة السوفياتات أن تنجز مهمتها." (القضايا الاقتصادية للاشتراكية)
" استخدمت الطبقة العاملة في بلادنا قانون الانسجام الضروري بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج وقضت على علاقات الإنتاج الرأسمالية ليس نتيجة لمواهبها الخاصة بل لأن لها مصلحة كبرى في ذلك. أما الطبقة البرجوازية التي كانت طبقة طليعية في فجر الثورة البرجوازية والتي تحولت مع مرور الوقت إلى قوة معادية للثورة، فقد قاومت بكل الوسائل تطبيق هذا القانون. لقد قاومته لا بسبب نقص في التنظيم ولا بسبب عفوية عمليات الإنتاج، ولكن بالأساس لأن لها مصلحة كبرى في عدم تطبيق هذا القانون." (جواب إلى الرفيق نوتكين)

- لكن من المؤكد، كما يقول ستالين أن علاقات الإنتاج الجديدة لا تبقى جديدة إلى الأبد بل تبلى وتدخل في تناقض مع قوى الإنتاج وتفقد دورها كمحرك أساسي لقوى الإنتاج. ويرى ستالين أن ذلك ينطبق حتى على علاقات الإنتاج الاشتراكية لذلك وجب على السلطة السوفياتية أن تقوم باستمرار بعملها الثوري المتمثل في ملائمة العلاقات الاشتراكية مع القوى المنتجة التي تتطور باستمرار. ويشكل هذا دحضا حاسما لبعض منتقدي ستالين "العباقرة" الذين ادعوا أنه لم يفهم ضرورة تحسين علاقات الإنتاج الاشتراكية خلال مرحلة دكتاتورية البرولتاريا :

" لا يمكن أن نفهم من ذلك أن علاقات الإنتاج في ظل الاشتراكية لا يمكنها أن تسجل أي تأخر على تطور القوى المنتجة. إن القوى المنتجة هي القوى الأكثر حركية والأكثر ثورية في الإنتاج وهي تتجاوز دون شك علاقات الإنتاج الاشتراكية أيضا. يلزم بعض الوقت لتتكيف علاقات الإنتاج مع طابع القوى المنتجة.

كيف نفهم إذن عبارة "الانسجام التام"؟ يجب فهمها على أنه بصفة عامة، لا تؤول الأمور في ظل الاشتراكية إلى نزاع بين علاقات الإنتاج والقوى المنتجة، أن المجتمع يستطيع أن يضمن في الوقت المناسب الانسجام بين علاقات الإنتاج وطابع القوى المنتجة. يستطيع المجتمع الاشتراكي القيام بذلك لأنه لا يحتوي في صلبه على طبقات رجعية قادرة على تنظيم المقاومة. من المؤكد أنه، في ظل الاشتراكية أيضا، ستكون هناك قوى الجمود المتخلفة الذين لن يفهموا ضرورة تعديل علاقات الإنتاج، ولكن سيكون من الممكن التغلب عليها دون أن تبلغ الأمور حدّ النزاع". (جواب إلى الرفيق نوتكين)

(يتبع)
-------------------
(1) اعتمدنا في هذا الجزء من العمل بصورة أساسية على استشهادات لستالين أوردها (هـ. دسبروس
( H. Desbrousses )