قد خرجنا من الجهاد الاصغر لندخل الى الجهاد الاكبر

المهدي مالك
2011 / 6 / 22

قد خرجنا من الجهاد الاصغر لندخل الى الجهاد الاكبر
مقدمة لا بد منها
اولا يشرفني ان احيي ملكنا الحبيب على جراته و على وعيه العميق بضرورة جعل المغرب دولة عصرية تتمسك بثوابتها الراسخة مثل الاسلام لكن ببعده الاجتهادي و النظام الملكي و الخيار الديمقراطي الذي لا رجعة فيه ابدا حيث ان الملك كان واعيا و جريئا من بعض الاحزاب المتخلفة حسب اعتقادي المتواضع عن مواكبة مستجدات العصر و تحدياته العديدة.
فالدستور الجديد بالنسبة لي هو خريطة طريق للدخول الى مغرب اخر اكثر احتراما لمنظومة حقوق الانسان الكونية و اكثر حداثة كصمام أمان لحركات الظلام و الرجعية السياسية .
ان الدستور الجديد قد خرج الى حيز الوجود بعد خطاب 9 مارس التاريخي و بعد معارك فكرية طويلة بين دعاة الحداثة و دعاة الظلام بمعناه الواسع حول عدة قضايا اساسية مثل ترسيم الامازيغية و فصل 19 الخ من هذه القضايا لكن يظهر لي ان الايام الاخيرة قبل خطاب 17 يونيو المبارك كانت بعض الاحزاب المتخلفة قالت صراحة بان المغرب لن يتغير ابدا و اعتبرت بشكل صريح و امام المغاربة بان الامازيغية مجرد لهجات حقيرة لا تتوفر على ادنى حقوق و بترسيمها سيدخل المغرب الى فتنة كبرى كاننا مازلنا نعيش في سنوات الثمانينات من القرن الماضي حيث كان مجرد ذكر الامازيغية يعتبر جريمة عظمى و احياء لما يسمى بالظهير البربري و معاداة للدين الاسلامي الخ بمعنى ان هذه الاحزاب كما يبدو لم تدخل بعد الى زمن العهد الجديد الذي رفع من شان الامازيغية الى مستوى المسؤولية الوطنية بنص خطاب اجدير المؤسس للمعهد الملكي للثقافة الامازيغية ذو مهام كبرى مثل توحيد اللغة الامازيغية و تدريسها في المدرسة المغربية بحروفها الاصلية تيفيناغ كقرار ملكي سامي و ادماجها في وسائل الاعلام العمومية و غيرها من مهام هذا المعهد الا ان هذه الاحزاب كأنها عاشت طوال هذه السنوات الاخيرة في بلد بعيد عن المغرب بالاف من الكيلومترات .
و الواضح ان هذه الاحزاب عموما و حزب الاستقلال خصوصا تسعى بكل جهودها للرجوع بنا الى عصر الثلاثينات من القرن الماضي عندما اصدر السلطان الراحل محمد الخامس ظهير المحاكم العرفية بتاريخ 16 ماي 1930 و العرف الامازيغي كما قلت مرارا و تكرارا هو قانون لا يتعارض مع مقاصد الشريعة الاسلامية .
و ارسل السلطان محمد الخامس كتابا الى الباشاوات بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف في نفس السنة ليقرا في اعظم المساجد يقول فيه اقتضى نظرنا الشريف تحديث حكم الظهير المذكور لان تحديثه ضروري لاجراء العمل به بين الجمهور.
و اضاف محمد الخامس في كتابه كلاما يوحي الى الرموز و تكذيب ايديولوجية الظهير البربري بصفة نهائية حيث قال بالحرف قد قامت شرذمة من صبيانكم الذين يكادون لم يبلغوا الحلم و أشاعوا ان البرابر بموجب الظهير الشريف تنصروا و ما ذروا عاقبة فعلهم الذميم و ما تبصروا و موهوا بذلك على العامة و صاروا بدعوتهم لعقد الاجتماعات بالمساجد عقب الصلوات لذكر اسم الله تعالى الله اللطيف فخرجت المسالة عن دور التضرع و التعبد الى دور التحزب و التمرد فساء جنابنا الشريف ان تصير مساجد حيث قال الله في حقها في بيوت اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه الاية. الى مجلات اجتماعات سياسية تروج فيها الاغراض و الشهوات بمعنى ان حزب الاستقلال حاول تكرار نفس السيناريو مع ترسيم اللغة الامازيغية في الدستور لكنه فشل هذه المرة لان الحركة الامازيغية اصبحت قوة الضغط و رقما يصعب تجاهله و بالاضافة الى بعض الاحزاب الديمقراطية ساندت هذا المطلب الشعبي مثل التقدم و الاشتراكية و حزب الاصالة و المعاصرة الخ
بما سيعني ان لا يمكن الرجوع الى الوراء بعد هذا الترسيم .
دلالات ترسيم الامازيغية و بعض الملاحظات
يعتبر خطاب 17 يونيو الرائع تاريخيا بكل الابعاد و المعاني باعتباره اعطى الانطلاقة لمسار كان من المفروض ان ينطلق منذ سنة 1956 او منذ سنة 1999 لكن علينا الاستحضار بان الامازيغية في تلك الفترة كانت تعاني الكثير من قيود الاقصاء و التهميش الى ابعد الحدود حيث كان يمنع كل مظاهر اشاعة الثقافة الامازيغية في التعليم و في الاعلام حيث كانت الاذاعة الامازيغية مجرد وسيلة لانتاج خطاب التخلف القروي و المعادي لاي تقدم مهما كان نوعه و ابعاده و تحدثت عن موضوع التخلف القروي كثيرا سواء في مقالاتي او في كتابي صوت المعاق في المغرب الذي لم يرى النور بعد.
و بالاضافة الى ان الاذاعة الامازيغية كانت و مازالت الى حد معين تنشر الخطاب السلفي و المعروف لدى الكل حيث انني تحدثت عنه كثيرا في مقالاتي الاخيرة .
اذن كخلاصة لما ذكرته ان القضية الامازيغية كانت تعد من الطابوهات الخطيرة في مغرب الحسن الثاني حيث كانت بعض النخب و بعض الجمعيات الثقافية بدات تدافع عن شرعية الامازيغية كسؤال ثقافي و حقوقي في بدايات التسعينات من القرن الماضي بينما الدولة و بعض الاحزاب المعروفة كانت لا تعترف بوجود هوية غير الهوية العربية الاسلامية أي العروبة و الاسلام لكن في ذلك العهد كانت الثقافة الفرنسية تحتل مقام كبير في وسائل الاعلام الرسمية مثل التلفزة و الاذاعة و الجرائد في حين ان ثقافتنا الامازيغية ظلت تحت الحصار الفظيع باعتبارها مشروع اجنبي يرمي للتنصير و التفرقة في ذهن معظم النخب الدينية و السياسية انذاك بحكم سيادة قيم المشرق في كل مجالات الحياة العامة و بحكم صياغة المناهج الدراسية وفق مرجعيات الحركة الوطنية و الانتماء الوجداني الى المشرق العربي ....
اننا اليوم وصلنا بعد كل هذه العراقيل و سيادة المرجعيات الدخيلة طوال هذه العقود الى مرحلة جديدة تستحق منا التامل و التعميق في الدستور الجديد بمضمونه الديمقراطي و الحقوقي لكن هناك بعض الملاحظات الجديرة بالنقد و القراءة حيث يقول ان المملكة المغربية دولة اسلامية متشبثة بوحدتها الوطنية و الترابية و بصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية الموحدة بانصهار مكوناتها العربية –الاسلامية و الامازيغية و الحسانية الصحراوية الخ هنا لاحظت انه لم يتم فصل بين العربية كلغة و الاسلام كدين اغلبية المغاربة مما سيعني بقاء شعار العروبة و الاسلام و في اخر المطاف ستبقى الامازيغية كانها لم تساهم في نشر الاسلام على مدى قرون خلت .
و يقول الدستور الجديد تظل العربية اللغة الرسمية للدولة و تعمل الدولة على حمايتها و تطويرها و تنمية استعمالها
تعد الامازيغية ايضا لغة رسمية للدولة باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء..
يحدد قانون تنظيمي مراحل تفعيل الطابع الرسمي للامازيغية و كيفيات ادماجها في التعليم و في مجالات الحياة العامة ذات الاولوية و ذلك لكي تتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها بصفتها لغة رسمية و هذه الفقرة تعكس ارادة الدولة تجاه ترسيم اللغة الامازيغية و تفعيله بقانون تنظيمي عليه ان يخرج الى النور بعد الاستفتاء مباشرة او بعد الانتخابات التشريعية المبكرة حسب الاخبار الرائجة في الصحافة الوطنية ...
تعمل الدولة على صيانة الحسانية باعتبارها جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة و على حماية اللهجات و التعبيرات الثقافية المستعملة بالمغرب.
يحدث مجلس وطني للغات و الثقافة المغربية و مهمته على وجه الخصوص حماية و تنمية اللغات العربية و الامازيغية و مختلف التعبيرات الثقافية المغربية. تراثا اصيلا و ابداعا معاصرا و هنا لم يشير الدستور الجديد الى المعهد الملكي للثقافة الامازيغية كمؤسسة وطنية مما سيطرح عدة اسلئة حول مستقبل هذه المؤسسة لكن حسب رايي المتواضع علينا ان نتفاءل خيرا بهذا المجلس الوطني في ظل ترسيم الامازيغية و الاعتراف بكل خصوصيات هويتنا المغربية كالمكون العبري حيث يدل هذا الاعتراف بان بلادنا اختارت الطريق الصحيح و المؤدي الى القطع مع الطابع الاحادي للشخصية الوطنية بمعنى ان المغرب اصبح ينتمي وفق هذا الدستور الى المغرب الكبير كمصطلح محايد يشمل كل الثقافات و الديانات السماوية لكن بالمقابل يقول هذا الدستور بالحرف تعميق اواصر الانتماء الى الامة العربية و الاسلامية حيث ان من الملاحظ استعمال مصطلح الانتماء الى الامة العربية اولا ثم الاسلامية بما سيفهمه البعض ان المغرب مازال بلدا عربيا و مشرقيا و يستعد للانضمام الى مجلس التعاون الخليجي و هذا اعتبره مرفوضا اصلا حيث ان هذا الانتماء ساهم طوال هذه السنوات الطويلة في تخلف المغرب عن قيمه المسايرة للعصر و جعل المغرب ارضا تستقبل بصدر رحب كل الايديولوجيات الرجعية من العروبة الى السلفية الجهادية تحت قيادة التنظيمات الارهابية مثل القاعدة الذي اعتبرها خطرا على تقدم الامم الاسلامية نحو الديمقراطية و حقوق الانسان الخ و سيساهم هذا الانضمام ان كان في عودة المغرب سنوات ضوئية الى الوراء .
اننا اليوم قد خرجنا من الجهاد الاصغر لندخل الى الجهاد الاكبر و المتمثل في تفعيل الدستور الجديد بمضمونه الحداثي و الحقوقي بامتياز حيث ان ملك المغرب اراد ان يكون ملك ديمقراطي و حداثي و مسايرا لزمن الثورات الممتدة على خريطة شمال افريقيا و الشرق الاوسط و هذا الدستور هو فرصة ذهبية للاصلاح الهوياتي و السياسي بالرغم من بعض القوى المحافظة التي نجحت في فرض رغباتها المعروفة على الوثيقة الدستورية في اللحظات الاخيرة غير ان هذه الفرصة الذهبية لا تتكرر الا بعد مرور عقد او 20 سنة و لهذا اقول نعم لدستور العهد المحمدي المبارك .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير