حول بعض التحولات التي تشهدها -الحركة الشيوعية- في تونس بعد 14 جانفي

عزالدين بن عثمان الحديدي
2011 / 5 / 20

يجب أن نسجل بكل موضوعية تطورا سياسيا هاما حصل ويحصل بعد انتفاضة 14 جانفي ويخص حركة الوطنيين الديمقراطيين. هذا التطور يتمثل في مغادرة هذه الحركة الأرضية العامة للحركة الشيوعية الثورية. ويبرز هذا التطور من خلال المواقف التي عبر عنها الناطق الرسمي للحركة السيد شكري بلعيد عديد المرات وآخرها ما ورد في جريدة الشروق بتاريخ 13 ماي 2011:

1- التخلي صراحة عن نظرية دكتاتورية البرولتاريا وإدانة التجربة الاشتراكية السوفياتية. وتبني الديمقراطية البرجوازية باعتبارها أرقى أشكال التنظيم السياسي و إدارة الصراعات. يقول السيد شكري بلعيد : " فمنذ ثورة 1848 في فرنسا مثلا، يتضح أن الديمقراطية متأصلة في الحركة الماركسية. وبالنسبة الى حركتنا في تونس، خسرنا ذاكرتنا ووعينا بسبب نظام الحزب الواحد القائد، فقطعنا معه تماما رغم أن الأصل هو تعدد الأحزاب حتى في ظل الاشتراكية... فأصل الصراع هو التعدد، وحركتنا مبنية على الصراع"

2- اعتبار الجيش التونسي جيشا وطنيا شعبيا، وهو ما يعني التخلي عن مقولة أن تونس شبه مستعمرة ترزح تحت الاضطهاد الامبريالي الاقتصادي والسياسي والعسكري وإلا كيف يوجد جيش وطني شعبي في ظل الوضع شبه الاستعماري؟ ولا يسعنا إلا أن نسأل السيد بلعيد : من قام بتربية هذا الجيش ومن نظمه على أسس وطنية وشعبية؟ هل هو العميل ابن علي ؟ أم بورقيبة؟ أم أمريكا حيث يجري تدريباته ومناوراته المشتركة ويتسلح بفضلات الجيش الأمريكي؟ يقول السيد شكري بلعيد : " الجيش الوطني الشعبي لابد من تعزيزه والوقوف الى جانبه ودعمه مع تحديد دوره بأنه جيش جمهوري مهمته حماية الوطن (الحدود) واحترام الدستور والخضوع للمؤسسات الدستورية نحن قلنا أننا لن نسمح لأي كان بالمساس بالجيش، وأكدنا ذلك في بياناتنا الأخيرة... ونرفض ادخاله في صدامات اللعبة السياسية".

3- التخلي عن النضال الثوري ضد الامبريالية وضد البرجوازية الكمبرادورية وكبار الملاكين العقاريين الذي كان يطرحه تاريخيا الوطنيون الديمقراطيون. هذا النضال يفترض تصفية هذه الطبقات ومعها الهيمنة الامبريالية عن طريق الثورة لا عن طريق الانتخابات وصندوق الاقتراع كما يطرح الآن السيد شكري بلعيد : " ليس لنا أي مشكل في خوض «الخصومة» الانتخابية مع كل الأطراف بمن فيهم النهضة التي نعرف حجمها... علما أن حركتنا تضم آلاف المنخرطين من الاطارات والكوادر الآن في كامل انحاء البلاد واجتماعات تشهد نجاحا كبيرا رغم أننا لا نلجأ للحافلات لنقل الناس، نأمل فقط في حيادية الادارة وحيادية المساجد وإلغاء المال السياسي ثم فليتنافس المتنافسون وهذا ليس مستحيلا، إذ توجد الآليات والاجراءات الضرورية للمراقبة المالية وغيرها للأحزاب على غرار ما هو في الدول الديمقراطية، ولنا تصور تفصيلي في ذلك سنفصح عنه إذا ما رغبوا في ذلك، خاصة أن حركتنا بها مختصون في القانون والمال والمراقبة. ونحن لن نخاف من ذلك لأن لدينا المال الضروري للتحرّك، ويمكن محاسبتنا بالمليم عن مصادره... لكن المهم مراقبة الجميع على قدم المساواة... ثم يأتي بعد ذلك التنافس السياسي الشفاف في الانتخابات ونترك للمواطن حرية الاختيار وفق ما يقوله لينين «الانتخاب هو أرقى أشكال الديمقراطية»... مع ضرورة القطع مع نظام الحزب الواحد الاستبدادي."

لا يمكن تحقيق أهداف ثورية برموز ومؤسسات النظام الكمبرادوري العميل.المسألة جوهرية تتعلق بمصالح الامبريالية والطبقات الرجعية. هذه القوى نظرا لرجعيتها واستغلالها الرأسمالي شبه الاستعماري للموارد المادية والبشرية للبلاد لا تستطيع أن تحكم بواسطة... الديمقراطية. لا يمكن للامبريالية والطبقات الرجعية أن تحكم بلدا أغلب جهاته مهمشة منهوبة ومفقرة، مئات الألوف من البشر محكوم عليهم بالبطالة المؤبدة وبالتكدس في الأحياء "الشعبية" شبه القصديرية، العمال يتعرضون للاستغلال الرأسمالي الوحشي و أغلبهم وقتي وعرضي ولا يتمتع بالخدمات الاجتماعية ويمنع تحت طائلة الطرد من تكوين نقاية. أليس واضحا أنه لا يمكن إنشاء ديمقراطية سياسية في هذه الظروف؟ أتعتقدون حقا أن الامبريالية وحلفائها من البرجوازية العميلة وكبار الملاكين العقاريين يمكنهم أن يمنحوا الديمقراطية للشعب؟. الديمقراطية برنامج متكامل اقتصادي وسياسي يتضمن القضاء على الهيمنة الامبريالية وتصفية الطبقات الرجعية المتحالفة معها.

ولا يمكن "للصندوق" أيها السيد شكري بلعيد أن يكون ديمقراطيا في أشباه المستعمرات لأن الامبريالية والطبقات الرحعية لا يمن أن تحكم إلا بالنظام البوليسي والقمعي. قد تضطر أحيانا وفي ظروف المد الثوري أن "تسمح" بهامش من الحرية لكن سرعان ما تنقلب عليه لأن طبيعة الاضطهاد الرأسمالي شبه الاستعماري هو من الفظاعة ومن الرجعية بحيث يتناقض على طول الخط مع الديمقراطية. تكتيكيا وبصورة مؤقتة ومع الاستعداد الدائم لهجمات القمع، يمكن للثوريين المشاركة في انتخابات معينة لا بوهم الوصول للسلطة و"تغيير" النظام بل من أجل الدعاية الثورية وفضح الطبقات والقوى الرجعية على نطاق علني واسع.

إن أجهزة الدولة الكمبرادورية العميلة هي الآن نشيطة من أجل تحضير شروط تزييف "انتخابات" جويلية بالضبط لكي لا يكون الصندوق ديمقراطيا. في هذا الإطار يندرج عدم محاكمة القناصة ورموز التجمع والدولة القمعية وعدم حل البوليس السياسي وإغراق الساحة بالأحزاب التجمعية "الجديدة" وارهاب الشعب بالحرق والنهب، وفي هذا الإطار يندرج تعيين ولاة ومعتمدين من بقايا التجمع والاستماتة في ذلك التعيين رغم كل "الغوغاء الثورية" لبعض أطراف الهيئة العليا. قريبا ستصفع أوهام من كان يدعي الثورية والوطنية والديمقراطية الذي أصبح يناضل الآن من أجل "العدالة الاحتماعية" والديمقراطية في إطار النظام القائم، وفي الحقيقة يسعون إلى "تجميل النظام شبه الاستعماري لا القضاء عليه".

في الأخير يجب أن نسوق تنبيها "بسيطا" للسيد شكري بلعيد مفاده أن لينين عندما قال "الانتخاب أرقى أشكال الديمقراطية" إنما يتحدث عن وضع يكون فيه الناخبون والمنتخبون متساوون من الناحية السياسية والاقتصادية وهو بالطبع ليس الحال في الوضع الرأسمالي شبه الاستعماري الذي تعيشه تونس.

4- القول بامكانية بناء اقتصاد وطني مستقل بدعم القطاع الخاص التونسي والسياحة وبدعم الاستثمارات الخارجية التي تطور قوى الانتاج. و بذلك تخلت الحركة على المقولة الماركسية اللينينية بأن الامبريالية لا تطور قوى الانتاج بل تعيقها وأن بناء اقتصاد وطني مستقل يقتضي القضاء على الاقتصاد الكمبرادوري الهش والقضاء على بقايا العلاقات ما قبل الرأسمالية في الريف والقضاء على هيمنة الامبريالية مجسدة في تصدير رساميلها لاستغلال قوة العمل ونهب الثروات وفي املاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأوروبي..الخ.
إليكم ما قالته حركة الوطنيين الديمقراطيين في أحد الحوارات الصحفية يوم 25 أفريل 2011 " أما بخصوص الاستثمارات الأجنبية فهنالك حاجة ملحة لها في القطاعات ذات التكنولوجيات المتطورة التي تحقق العمالة العالية الكفاءة ونقل التكنولوجيا". وبخصوص قطاع السياحة : " برغم أنه من القطاعات الهشة في رأينا فإن القطاع السياحي ضروري لاعتبارين اثنين أولهما اعتبار اقتصادي فالسياحة تشغل مالا يقل عن مليون و200 ألف تونسي مباشرة وغير مباشرة وهي أحد أكبر مواردنا من العملة الصعبة. أما الاعتبار الثاني فهو اعتبار حضاري وثقافي يعكس الشخصية الوطنية التونسية المتجذرة في تاريخها دون تعصب أو مذهبية والمنفتحة على الثقافة الإنسانية والمتوسطية بالخصوص".

ونحن نسأل في هذا الإطار حركة الوطنيين الديمقراطيين : 1- هل تعتقدون فعلا أن الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات الامبريالية تنقل التكنولوجيا لأشباه المستعمرات وتطور قواها المنتجة؟ 2- الرأسمال الخاص الذي تتحدثون عنه لا علاقة له بالتطور الاقتصادي المستقل لتونس بل هو متواجد في المشاريع التصديرية المندرجة ضمن سياسة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والشركات متعددة الجنسيات ويعمل في أغلبه في إطار المناولة لاستغلال قوة عمل بخسة الثمن أما فائض القيمة فيذهب في معظمه للمؤسسات الأجنبية. فهل هذا هو الرأسمال الوطني الذي تريدون به بناء تونس؟ هذا بكل بساطة مواصلة للتوجه الكمبرادوري. 3- المؤسسات السياحية أيضا تندرج في معظمها وفي طريقة استغلالها ضمن التوجه الكمبرادوري المعادي لتطور القوى المنتجة في البلد وهي في معظمها مسيطر عليها من قبل مؤسسات احتكارية اسبانية وفرنسية وايطالية وانجليزية. فهل حقا تنوون دعم هذا القطاع؟

5- التخلي عن النظرية الثورية والعمل على «انتاج النظرية الخصوصية للثورة في تونس» عبر الحوار الوطني مع الأحزاب الرجعية واللبرالية والديمقراطية...الخ. يقول الناطق الرسمي باسم حركة الوطنيين الديمقراطيين : " لابد من حوار وطني حول محاور مخصصة محددة قادرة على انتاج ما نسميه في حركة وطد «انتاج النظرية الخصوصية للثورة في تونس» ونخرج بذلك من فضاء النظرية العامة"

6- النزول بالسقف الذي طرحته الجماهير المنتفضة في تونس والخاص بكيفية التعامل مع بقايا التجمع وإطاراته، حيث يكتفي السيد شكري بلعيد بالمطالبة "بإقصاء هذه القوى من المجلس التأسيسي فقط" مع ضمان حقهم في المشاركة السياسية لاحقا ومع التأكيد على امكانية قيادتهم للإدارة منذ الآن على أساس الكفاءة. يقول السيد شكري بلعيد : " اليوم نحن ازاء ثورة... والتجمع لم يكن حزبا سياسيا بل جهاز مندمج مع الادارة والدولة وخوصصهما لفائدته وتعايش معهما وانتهى لفك الارتباط معها. ما حصل لم يكن اقصاء للتجمع بل استبعاد للوجوه التجمعية وللمسؤولين فيه، وهذا فقط لانتخابات المجلس التأسيسي. فالتجمع مازال الى اليوم حاضرا بقوة في الاعلام التونسي وداخل الأجهزة الحساسة في الدولة، لكنه ضعيف في الشارع ولدى الشعب..."