اي مستقبل للعلمانية المحلية ما بعد خطاب 9 مارس المبارك الجزء الاخير

المهدي مالك
2011 / 5 / 17

أي مستقبل للعلمانية المحلية ما بعد خطاب 9 مارس المبارك؟ الجزء الخامس و الاخير
ماذا استفاد المغرب من المشرق طوال هذه العقود؟
مقدمة لا بد منها
اولا ان المغرب يقع جغرافيا في الغرب الافريقي و المطل على البحر الابيض المتوسط شمالا و على المحيط الاطلسي غربا و له حدوده البرية مع موريتانيا جنوبا و مع الجزائر شرقا بمعنى ان المغرب ينتمي جغرافيا و تاريخيا الى منطقة شمال افريقيا منذ اقدم العصور .
و بالتالي فان المغرب هو بلد بعيد عن المشرق العربي و تحديدا عن شبه الجزيرة العربية بالاف من الكيلومترات و هو بلد امازيغي الهوية و الانتماء و حسب قول المؤرخين القدماء و الجدد حيث يقول الاستاذ محمد شفيق في كتابه لمحة عن 33 قرنا من تاريخ الامازيغيين حول موضوع اصل الامازيغيين لقد كتب الكثير في هذا الباب و ملخص ما كتب ان المؤرخين العرب كانوا يجزمون في العصر الوسيط ان البربر او الامازيغيين هم من اصل يماني أي من العرب العاربة الذين لم يكن لهم قط عهد بالعجمة أي الاعاجم حسب فهمي المتواضع .
و هناك طرح اخر اورده محمد شفيق في كتابه يفيد ان اصلهم اوربي .
و يقول الاستاذ اخذت هذه المسالة العلمية تفرض على الباحثين كل تحفظ لازم و لاسيما تجاه المصادر المكتوبة ما لم تدعمها معطيات اخرى اكثر ضمانا للموضوعية و قد عمل بجد من خلال 40 سنة الاخيرة على استغلال الامكانينات الاركيولوجية و الانثروبولوجية و اللسنية في البحث عن اصل الامازيغيين و النتائج الاولى التي أفضت اليها هذه البحوث ان سكان افريقيا الشمالية الحاليين في جملتهم لهم صلة وثيقة بالانسان الذي استقر بهذه الديار منذ ما قبل التاريخ أي منذ ما قدر ب 9.000 سنة .
و هذا ما قاله الاستاذ محمد شفيق في كتابه القيم و الصادر في سنة 1988 حيث
اضاف ان عدد لا باس به من اسماء الاماكن التي توجد في الطريق الواصلة بين المغرب الكبير و بين اليمن عبر القارة الافريقية لها صيغ امازيغية واضحة و لبعضها مدلولات في هذه اللغة و منها في صعيد مصر او بوادي مصر مثل ابنو و اسيوط و اخميم و توشكا الخ.
لكن لا يوجد في اليمن نفسها حسب ما هو مرسوم في الخرائط العادية اسماء اماكن من هذا القبيل الا اسم جزيرة انتوفاش و يرجع تسلسل الاسماء السالفة ذكرها الى عهد هجرة قديمة تركت اثارها في الاصقاع التي عبرتها ام يرجع الى قرابة بين اللغة الامازيغية و بين اللغة المصرية القديمة.
ان كل هذه الحقائق العلمية تتنافى مع طرح قديم يتمثل في ان اصل الامازيغيين راجع الى اليمن حيث ان هذا الطرح الايديولوجي استعمل كثيرا في عهد الراحل الحسن الثاني خصوصا في اوائل ثمانينات القرن الماضي في مواجهة ظهور البوادر الاولى للوعي الامازيغي انذاك .
مدخل الى صلب المحور
يعتبر سؤال ماذا استفاد المغرب من المشرق طوال هذه العقود جوهريا يجب ان نطرحه الان بعد ظهور بعض المؤشرات الكبرى لا تتحمل اي جدال او نقاش طويل حيث ان هذه المؤشرات تقول لنا ان هذا المشرق المبارك حسب البعض لم يقدم للمغرب طوال هذه العقود سواء سلسلة من المشاكل و الامراض الفكرية و الايديولوجية لا نهاية لها منذ تبني اصحاب اللطيف مرجعية العروبة و مرجعية السلفية سنة 1930 الى يومنا هذا حيث مازلنا نحصد نتائج هذا الارتباط الوجداني مع هذه المنظومة من القيم الدخيلة الى بيئتنا المغربية و بل نخاف ان نحصد المزيد و نرجع كثيرا الى الوراء خصوصا بعد سماعنا لخبر نية انضمام المغرب المتقدم ديمقراطيا الى مجلس التعاون الخليجي دون ادنى احترام للبعد الجغرافي الكبير بين المغرب و تلك الدول الغير ديمقراطية اصلا و دون ادنى احترام للمسار الاصلاحي الذي دشنه المغرب منذ عقد كامل و دون ادنى احترام لروح حركة 20 فبراير الرامية الى تحقيق مجموعة من المطالب الاساسية بالنسبة لهؤلاء الشباب الواعي كالملكية البرلمانية و ترسيم الامازيغية الخ.
ان هذا الخبر الخطير بالنسبة لي نزل علينا فجأة في خضم النقاش العمومي حول الاصلاحات الدستورية و السياسية و نزل هذا الاخير فجأة في خضم ما جرى في مدينة مراكش يوم 28 ابريل الماضي من الاعمال الارهابية و الحاملة لبصمات تنظيم القاعدة بصفة مباشرة او غير مباشرة ..
انني اعتبر ان المغرب اذا قرر رسميا الانضمام الى هذا الكيان الخليجي فسيعتبر كارثة عظمى و ضربة موجعة لما حققه المغرب من الاصلاحات طوال العهد الجديد سواء في ميدان المراة و في ميدان الامازيغية و رجوعا الى الوراء حيث يجب ان نعلم بان بعض الدول لا تتوفر على دستور و مازالت تمنع النساء من مجرد قيادة السيارة خوفا من الفتنة و من الاختلاط الخ من تقاليد المشرق البعيدة عنا بالاف من الكيلومترات .
اذا قرر المغرب رسميا الانضمام الى هذا الكيان فستتبخر كل طموحاتنا و احلامنا المتعلقة بقضية ترسيم الامازيغية في الدستور القادم كلغة رسمية الى جانب العربية لان دول الخليج ستقول ان العروبة هي القاسم المشترك بيننا و بين المغرب فلا داعي الى ترسيم لهجات محلية حسب تعبيرهم باعتبارها ستشكل فتنة على وحدة المغرب بمفهومها الاحادي كما هو الحال بالنسبة لمغرب الاستقلال الى تاريخ خطاب اجدير المؤسس لمفهوم التعدد الثقافي و لمفهوم وطنية الامازيغية على ارضها الاصلية في حين اعتبرها اصحاب تيارات المشرق المختلفة مشروع اجنبي و جاهلية ما انزل الله من سلطان حيث هل يعقل منطقيا ان تلك الدول ستسمح بترسيم الامازيغية في الدستور القادم في حال انضمام المغرب الى كيانهم؟
تصوروا معي قيلا اذا انضم المغرب الى هذا الكيان سيزيد الضغط السلفي علينا في كل مناحي حياتنا أضعاف ما يوجد الان و هذا يعني ان كل تقاليدنا و عاداتنا ستموت بعد محاولات احياءها مجددا و هذا يعني ان اعادة احياء علمانيتنا المحلية التي شرحتها في بداية هذا الموضوع اصبحت مستحيلة لان السلفية ستزيد انتشارا و امتدادا في بلادنا .
و قلت في مقال سابق لي سميته الفتنة السلفية
منذ عقود من الزمان اخذت السلفية التخريبية موقعا مركزيا ضمن المشهد الديني بالمغرب الى جانب العروبة بحيث ان هذه السلفية ليس لها اصل او علاقة بالمغرب كبلد و كحضارة دينية صانعها الامازيغيين منذ الفتح الاسلامي الى يومنا هذا من خلال دعوات و مقالات الاستاذ و المناضل الامازيغي احمد عصيد الهادفة الى اعادة قراءة الاسلام قراءة معاصرة تراعي سياقنا المغربي و المطبوع بالاصلاحات الجوهرية و الانتقال نحو الديمقراطية و الانتقال من سيطرة الغرباء على هويتنا و تاريخنا الى مغربية هذان المجالان الضروريان ليبني المغرب مستقبله دون ان يحتاج الى فتاوى السلفيين التي ساهمت في خلق العقدة لدى المسلمين عامة تجاه انجازات الغرب العظمى في شتى المعارف الانسانية.
و قلت كذلك في ذلك المقال الذي نشرته قبل ظهور حركة 20 فبراير
ان المغرب لا يحتاج حاليا للعودة بالزمن الى عصر الخرافات و الى عصر الفتنة السلفية بالاعتبار ان بلادنا فتحت مجموعة من الاوراش الكبرى كالنهوض بالثقافة الامازيغية و صدور مدونة الاسرة الجديدة و اعادة تاهيل الحقل الديني بعد احداث الدار البيضاء الارهابية و التي كشفت النقاب عن نتائج سلفية العقول و الاجيال و جعلها بعيدة عن اسلامنا الاصيل و الزج بها في احضان فضائيات اصحاب البترول .
و شخصيا لا اشاهد تلك الفضائيات الا في وقت موسم الحج او عندما اريد سماع فتاوى السلفيين السخيفة و البعيدة عن حاجات الانسان المسلم الذي يعيش في عصر اخر غير عصر السالف و في بيئة غير بيئة الجزيرة العربية.
و في رمضان الاخير تفاجئ المغاربة بضجة كبيرة أحدثها بث احدى الفضائيات الكويتية لمسلسل يسيء لشرف المغربيات باتهامهن بالدعارة و قلت حينها في مقال
نعيش في هذه الايام المباركة من رمضان الكريم على ايقاع اساءات المشرق العربي تجاه سمعة المغرب كبلد اختار خياراته الديمقراطية و المتمثلة في الاصلاح الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس منذ توليه مقاليد الحكم في صيف 1999 .

و ها نحن نحصد نتائج هذا الارتباط الوجداني مع هذا المشرق على كافة المستويات و يكفي هنا ذكر احداث 16 ماي 2003 كاشارة واضحة على مدى مسخ الهوية لدى بعض شبابنا و على مدى اعجابهم باستعراض العضلات التي تقوم به جماعات الاسلام الجهادي في مختلف بقاع العالم تحت غطاء الدفاع عن الدين الاسلامي و مناصرة تكفير المذاهب المتقدمة كالديمقراطية و الحداثة الخ و تكفير التطور الذي وصلناه في هذا العصر .
لا حديث على صعيد الصحافة المغربية اليوم الا عن قضية الاساءات الموجهة تجاه سمعة المراة المغربية حيث ان بعض الدول المشرقية حاولت تحطيم كرامة النساء المغربيات عبر الدراما الرمضانية و اظهارهن كساحرات و كعاهرات حسب ما قالت بعض الجرائد و بعض المواقع الالكترونية .
ان أي تحليل لهذه القضية عليه ان لا يتجاهل كون هذه الدول لم تصل الى مستوى المغرب في الديمقراطية و في حقوق الانسان و ادماج المراة في جميع مناحي الحياة العامة .
و لعل البعض سيقول ان هذه الظواهر موجودة فعلا في مجتمعنا المغربي كغيره من المجتمعات الانسانية عموما و المجتمعات الاسلامية خصوصا غير ان المقصود في هذه القضية هو سمعة المغرب و النيل من شرف نساءه الكرام حسب اعتقادي المتواضع.
ان ظهور هذه الاساءات سيسمح لنا في طرح مجموعة من القضايا بشكل صريح مثل مجيء السياح من تلك الدول على الخصوص الى بلادنا قصد فعل المنكر و الفواحش مستغلين الفقر و الحاجة و غياب الوازع الديني لدى البعض ليعملوا ما يحلو لهم بينما في بلادهم المراة هناك ممنوعة من الخروج و قيادة السيارة بحكم التشدد الديني و المعتبر ان المراة عورة في حد ذاتها لا يجوز لها التنقل لوحدها في الشارع العام و لا يجوز لها تولي مناصب سامية في هرم الدولة كالوزارة و القضاء الخ.
ان هذه الفضيحة زادت التأكيد على ان المشارقة ينظرون الى المغرب نظرة هابطة منذ قرون طويلة من خلال تحريف تاريخه الاصيل و ارجاع اصل سكانه القدامى الى اليمن و مسخ هوية الشعب المغربي بعد الاستقلال لكي يصبح شعب اخر يكره التعدد الثقافي و يسعى الى الاحادية و جعل المراة المغربية خاضعة للفكر المتشدد بعدما كانت ذات قيمة عالية في تاريخ المغرب بمختلف عهوده و انخرطت بدون قيود في كافة المجالات و الميادين.
اذن ان هذا المشرق لم يقدم الينا طوال هذه العقود الا المشاكل و الفتن و الاحتقار بكل معنى الكلمة و لهذا اعتبر ان انضمام المغرب الى مجلس التعاون الخليجي اكبر خطا سيعكس سلبا في مساره الاصلاحي و سيزيد الضغط السلفي علينا و بالتالي فاصبحت المسالة الامازيغية بكل ابعادها مهددة بشكل صريح بالتراجع الى الوراء بسبب عدم ترسيمها الى حدود الان و اخاف ان تكون وضعيتها في الدستور القادم لا تتجاوز اطار اللغات المحلية امام لغة اهل الجزيرة العربية المقدسة.....
و ساتوقف عند هذا الحد في موضوع أي مستقبل للعلمانية المحلية ما بعد خطاب 9 مارس المبارك حيث لا يمكنني الاستمرار في هذا الموضوع و نحن نعلم بان العلمانية المحلية اصبحت بعيدة المنال في هذه الظروف غير انني ارجوا ان يكون هذا الموضوع في المستوى .
المهدي مالك

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي