اي مستقبل للعلمانية المحلية ما بعد خطاب 9 مارس المبارك 3

المهدي مالك
2011 / 4 / 26



أي مستقبل للعلمانية المحلية ما بعد خطاب 9 مارس المبارك؟ الجزء الثالث
كيف استعمل الاسلام لمحاربة السؤال الامازيغي
بدون اية مقدمات ندخل الى صلب هذا المحور ضمن موضوع أي مستقبل للعلمانية المحلية ما بعد خطاب 9 مارس المبارك حيث توقفت في نهاية مقالي الماضي عند سؤال كبير طرحه الاستاذ عصيد هو متى ستصبحون مغاربة و هذا السؤال وجهه الاستاذ الى دعاة التعريب الشامل و المعروفين على الساحة الوطنية منذ سنة 1944 تاريخ انشاء حزبهم العتيد و المعادي لكل ما هو امازيغي و جاء تاسيسه بعد حوالي 14 سنة من حدث صدور ظهير المحاكم العرفية و بعد حوالي 32 عاما من انطلاق المقاومة الامازيغية في جل مناطق المغرب كالريف و جبال الاطلس و الصحراء حيث اجد من الضروري في هذه المرحلة قراءة صفحات من تاريخنا المنسي لنتقدم في هذا النقاش الطويل .
يشرفني عظيم الشرف ان اتحدث و لو بشكل موجز عن بطل الريف امير محمد عبد الكريم الخطابي..
انني سأعتمد في ذلك على مرجعيان الاول هو كتاب قبائل زمور و تاريخ الحركة الوطنية الذي كتب في مرحلة ضعف الامازيغيين فكريا و ايديولوجيا لكن مع ذلك قدم هذا الاخير معلومات جد محترمة حول مسار هذا الرجل العظيم في تاريخ شمال افريقيا عموما مطلع عشرينات القرن الماضي.
و بالاضافة الى مرجع ثاني هو برنامج اسطورة الريف التي أنتجته قناة الجزيرة الوثائقية .
ولد محمد عبد الكريم الخطابي في قرية اجدير نواحي مدينة الحسيمة في مارس 1882 و كان والده امغار في قبيلة بني ورياغل و حفظ الطفل محمد عبد الكريم القران في قريته قبل ان يلتحق سنة 1900 بمدينة فاس ليتلقى دروسه بجامع القرويين في الفقه الخ.
و في سنة 1905 تخرج الخطابي من القرويين و عاد الى الريف حيث عين قاضيا في مدينة مليلية و عمل استاذا يدرس الامازيغية و العربية معا .
و عند اندلاع الحرب العالمية الاولى أي بعد تسع سنوات من عودته من فاس اتصل ببعض التقدميين الاسبان الذين استقروا بمليلية حيث اشرفوا على اصدار جريدة تلغرام الريف و عمل كمراسل لهده الجريدة التي اخدت تنشر له باللغة الاسبانية مقالات حول احوال المغرب .
لقد تركت هذه التجربة في نفس الخطابي و في شخصيته اثرا كبيرا نظرا لاحتكاكه بالسلطات الاسبانية اذ ان هذا الاحتكاك جعله يقف على النوايا العدوانية للمستعمر و جعله يدرك كذلك مدى احتقار الحكام العسكريين للشعب المغربي .
كان والده امغار في قبيلته و حرك في تلك الفترة شعور معادي للاستعمار و فعلا بدا والد الخطابي مقاومته للاسبان منذ 1919 مما جعلهم يعتقلون ابنه عبد الكريم الخطابي في قلعة مدينة مليلية .
و ساوم الاسبان والد الخطابي على اطلاق سراح ابنه لكن بشروطهم المعروفة .
و في القلعة ظل الابن صامدا و بعد شهور حاول الفرار بواسطة حبل انقطع من الوسط اثناء عملية الهروب فتكسرت ساقه و اعيد مرة اخرى الى السجن و هو يعاني من الجروح و الكسر و اقترح عليه الاسبان اجراء عملية قطع رجله لكنه رفض نظرا لما تنتظره من المهام العظيمة و المتمثلة في تحرير الريف من الغزاة الخ.
و بعد موت والد عبد الكريم الخطابي مقتولا بالسم في طعامه اضطر الاسبان الى اطلاق سراح الابن الذي عاد الى قبيلته و كان حقد الاسبان على القبيلة كبيرا و عظيما ..
و في فاتح يونيو 1921 تعرفت السلطات الاسبانية رسميا عن وجود حركة ثورية بالريف تحت قيادة امير محمد عبد الكريم الخطابي و انطلاقا من مليلية اعدت اسبانيا جيشا كبيرا قوامه 18 الف جندي للقضاء على ارادة الريفيين القوية بالايمان بالله و رسوله الاكرم و عزمهم الرامي الى تحرير اراضيهم من ايادي الغرباء عن ثقافتهم الامازيغية و عن دينهم الاسلامي .
و تعرض الاسبان لهزيمة نكراء في يوم 21 يونيو 1921 بمعركة تسمى انوال امام 600 مجاهد الذين استطاعوا تحقيق مرادهم المشروع
و لو استمر الخطابي في جهاده العظيم لاستطاع تحرير مدينة مليلية من ايادي الاسبان .
و بعد هذا الانتصار استطاع امير الريف اقامة كيانا اطلق عليه اسم جمهورية الريف بحكم ضعف السلطة المركزية او لم تكن موجودة اصلا حسب بعض الشهادات في برنامج اسطورة الريف .
ان هذا الكيان اسس على مبادئ التراث المحلي كالاعراف او العلمانية المحلية و عاصمة جمهورية الريف هي قرية اجدير و اسس المجلس التاسيسي و اصدار جريدة اسمها الحرية و تم ربط الريف بشبكات الهاتف منذ ذلك الزمان .
انني وجدت رسالة ثمينة في كتاب قبائل زمور مؤرخة بسنة 1925 أرسلها امير الريف الى الشعبان الجزائري و التونسي و هي طويلة تحمل اسمى معاني الاعتزاز بالاسلام حيث يقول ان الشعب الريفي في جهاده المقدس قد عانى ما عاناه من الآم الحروب و مصائبها دون تثبط همته او تخور قواه حتى ايده الله بنصر من عنده فدمر دولة الاسبان الطاغية و طردها من البلاد الخ.
و يقول الخطابي فدولتا فرنسا و اسبانيا اتفقتا على امرنا اليوم منذ ما اتفقت من قبل دولة الانكليز و الطليان و اليونان الخ على إخواننا الاتراك و ذكر الخطابي اسماء المدن التركية التي احتلت و تحدث عن مصطفى كمال اتاتورك مؤسس جمهورية تركيا العلمانية بالاعجاب حيث وصفه بالبطل التركي المقدام الذي استطاع ضم شتات الامة و اخد قيادتها بيده و حمل على الاعداء و كسر شوكتهم الخ من هذا الكلام الحامل لمعاني اعجاب الخطابي بالنموذج التركي كبلد مسلم.
يقول امير الريف ايها المسلمون الجزائريون و التونسيون لقد أوفدت على عاصمتنا وفود عديدة من فاس و مكناس و مراكش و من غيرها من مدن المغرب الاقصى و القطر الطرابلسي و المصري و الفلسطيني و العراقي و التركي و الهندي لتبلغنا ثقة الامم الاسلامية في جمهوريتنا الريفية .
و قال امير الريف كذلك لقد جاءت الساعة التي تهب الامم الاسلامية لتحطيم اغلال الاستعباد لتستعيد مجدها الغابر و حسب رايي المتواضع ان هذا الكلام لا يعني ان الخطابي يدعو الى السلفية بالضرورة و انما يدعو الى محاربة التخلف و الرجعية الخ.
و للاشارة فان رسالة الخطابي تعتبر وثيقة تاريخية نشرت في جريدة المحرر المعروفة في سنوات السبعينات و هذه الوثيقة كما نلاحظ لم تشير قط الى مصطلحات مثل الامة العربية و العروبة و الجاهلية بل أشادت بالنموذج التركي العلماني و استعملت مصطلحات من قبيل الامة الاسلامية و الوحدة بين المسلمين و تحطيم اغلال الاستعباد بمفهومه الشامل مما سيجعلني اعتقد شخصيا ان ثورة الخطابي ليست لها اية علاقة من قريب او من بعيد بالحركة الوطنية بمفهومها العروبي و السلفي بعد ثلاثينات القرن الماضي بدلائل و حقائق عديدة يطول شرحها في هذا المقام .
و هكذا كان امير الريف البطل محمد عبد الكريم الخطابي الذي رحل الى دار البقاء شريفا و مجاهدا في سبيل مقاومة الاستعمار لكن الظروف جعلته يموت في ارض غير ارضه العزيزة مع كامل الاسف بحكم مجموعة من الاسباب التي لن ادخل الى تفاصيلها الان.
و توفي يوم الاربعاء 6 فبراير 1963 الموافق ل 11 رمضان المعظم 1382 في القاهرة و شيع جثمانه الى مقبرة الشهداء بالعباسية في موكب رهيب يتقدمه رئيس مصر الراحل جمال عبد الناصر و اعضاء حكومته و ارسل المغرب وفد رسمي يتكون من وزير الاوقاف الحاج احمد بركاش و وزير الصحة الراحل عبد الكريم الخطيب و سفير المغرب بمصر
...
و سندخل الان الى سؤال طرحته منذ سنوات و هو هل للامازيغيين بعد ديني حقا حيث كنت كتبت كتابا يحمل عنوان تاملاتي الفكرية كانسان معاق نشرته في الانترنت منذ صيف 2007 بالرغم من تواضع اسلوبي انذاك الا انني تطرقت فيه الى عدة قضايا وفق وجهة نظري في ذلك الوقت حيث كتبت موضوع متواضع بتاريخ رمضان الموافق لسنة 2006 تحت عنوان الحركة الوطنية و البعد الديني لدى الامازيغيين نظرية نقدية و حاولت انذاك ابراز مظاهر قمعهم لهذا البعد الضخم كما اعتبره من خلال عدة ميادين اولا طمس تاريخ المقاومة الامازيغية من بين سنة 1912 و ربما قبلها بدليل دخول الاستعمار الفرنسي الى مدينة وجدة سنة 1907 الى سنة 1934 و اشير هنا ان اغلب مناطق سوس لم يدخلها الاحتلال الفرنسي الا في 1934 .
انني استحضر هنا كذلك ان قبائل ايت باعمران رفضت قانون التجنيس الاسباني في 1947 و الرامي الى تغيير هويتهم الدينية و الثقافية حيث لم نسمع عن حدوث اية مظاهرة تستنكر محاولة تنصير هذه القبائل المجاهدة كما هو الحال بالنسبة لصدور ما أطلقت عليه الحركة الوطنية بالظهير البربري كايديولوجية خرافية ساهمت بعد الاستقلال في قمع الامازيغيين و بعدهم الديني و تغييبه بشكل قسري في مشهدنا الديني الرسمي كأن الامازيغيين ليسوا بالمسلمين و اقصد هنا بمشهدنا الديني الرسمي خطب الجمعة و العيدين و هذه الخطب لا يفهمها عامة الناس باعتبارها تلقى بلغة اهل قريش أي لغة النخبة العالمة و لا تلقى بلغات الشعب مثل الامازيغية و الدارجة و بالتالي فالخطاب الديني لا يصل الى الاغلبية العظمى من الشعب تحت ذريعة قداسة العروبة و العربية كلغة القران ..
ثانيا التلفزيون المغربي الذي رسخ في اذهاننا مجموعة من المفاهيم و التقاليد مثال بث الطرب الاندلسي في لحظات مقدسة
و هي بعد اذان المغرب اثناء وقت الافطار في شهر رمضان حيث كنت اعتقد و انا لازلت صغيرا ان الموسيقى الاندلسية تعتبر الموسيقى الدينية الوحيدة في المغرب لانني اشاهد هذا الطرب يبث في كل مناسباتنا الدينية مثل الاعياد و يوم عرفات الخ مما سيجعل المشاهد العادي داخل الوطن و خارجه يعتقد معتقدات خاطئة تتعلق بتاريخ الاسلام في المغرب و منهم الذين ساهموا في ترسيخه و من قاوموا الاستعمار حيث عندما يدرس الطفل المغربي مادة التاريخ الرسمي فلن يجد اية تفاصيل عن المقاومة الامازيغية و رموزها مثل محمد عبد الكريم الخطابي بل سيجد ان تاريخ المقاومة بدا رسميا مع صدور الظهير البربري الهادف الى تنصير البرابرة و ربما سيجد دعاء اللطيف يا لطيف نسألك اللطف بما جرت به المقادير و لا تفرق بيننا و اخواننا البرابرة...
و للحديث بقية في نفس السياق
المهدي مالك

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير