حول مغزى ثورة 14 جانفي ومهام الطبقة العاملة والقوى الديمقراطية الثورية في تونس

عزالدين بن عثمان الحديدي
2011 / 4 / 1

1. كثرت التحاليل والأوصاف التي أطلقت على ثورة 14 جانفي في تونس، فمن ثورة "الياسمين" إلى ثورة "المهمّشين" وصولا إلى ثورة "الشباب" و ثورة "الحرية والكرامة". والملفت للإنتباه الغياب شبه الكلّي للتحليل الطبقي المادي التاريخي لهذه الثورة حتّى ممّن يعلنون تبنّي الإشتراكية العلمية.
ولا يمكن لنا العمل على تجذير هذه الثورة وضبط مهام الطبقة العاملة في المدى القريب والبعيد بدون فهم مغزاها الطبقي. وينبغي البحث في طبيعة علاقات الإنتاج السّائدة في تونس بوصفها شبه مستعمرة رأسمالية تسودها طبقة البرجوازية الكمبرادورية المتحالفة والمرتبطة عضويا بالمؤسسات والإحتكارات الإمبريالية. هذه الطبقة نشأت مع الهيمنة الإمبريالية في عهد الإستعمار المباشر وتوسّعت في ظل النظام شبه الإستعماري بعد سنة 1956 في إطار المتاجرة والسمسرة بخيرات البلاد ومواردها البشرية مع الإحتكارات الإمبريالية والشركات متعددة الجنسيات. وهي بحكم ذلك طبقة رجعية على طول الخط ومعادية لأي تطوّر ديمقراطي مستقل سواء على المستوى الإقتصادي أو على المستويات السّياسية والإجتماعية والثقافية. ونظرا لطابعها الطفيلي والهش لا تستطيع الحكم إلاّ بواسطة الدكتاتورية البوليسية وقمع الحريات السياسية والنقابية والثقافية ونشر قيم الفساد والسمسرة والخنوع والإنحطاط الثقافي والإجتماعي العام. تلك كانت أدوات الحكم التي إعتمدتها الدوائر الإمبريالية والبرجوازية الكمبرادورية منذ 1956 وتعمقت وتوسّعت منذ 7 نوفمبر 1987.

2. استهدفت ثورة 14 حانفي بالتحديد الهيمنة الإمبريالية وسيطرة البرجوازية الكمبرادورية. فقد بدأ مخاضها بانتفاضة الحوض المنجمي الذي يعيش سكانه ابشع أنواع الإستغلال الرأسمالي شبه الإستعماري، ثمّ توسّعت منذ ديسمبر 2010 لتشمل الجهات الأكثر فقرا والأكثر تخلّفا من الناحية الإقتصادية وهي جهات تتعرض للنهب والإستغلال الرأسمالي الوحشي منذ الإستعمار المباشر ثمّ توسع وتفاقمت نتائجه الكارثية على المستوى الإجتماعي والإقتصادي تحت سيطرة البورجوازية الكمبرادورية في ظلّ النظام شبه الإستعماري الحالي. ويعتبر التفاوت الجهوي نتيجة حتمية لهذا النظام وأحد سماته البارزة في كل أشباه المستعمرات باعتبار أن الإمبريالية تعمل على تركيز أنماط إقتصادية ترتكز على نهب الثروات الطبيعية والإستغلال الوحشي لليد العاملة ثمّ تحويل تلك الثروات قرب المواني لتصديرها بأقل كلفة.

وكان للعاطلين عن العمل من أصحاب الشهائد وغيرهم دورا كبيرا في الثورة وقدّموا العدد الأكبر من شهدائها. ويعتبر تهميش جهات و فئات اجتماعية يأكملها و الحكم بالبطالة المؤبدة على مئات الألوف من البشر من سمات النظام الرأسمالي الكمبرادوري في الدول شبه المستعمرة. هذا النظام الذي يطبق "برامج الإصلاح الهيكلي" المملاة من الدوائر الإمبريالية (FMI, BIRD, OCDE, OMC, Conventions de libre échange ) لا ينطوي على أي خصلة تقدمية فيتوجه إلى الإستثمار في الأنشطة التجارية والوكالات ونهب الثروات الطبيعية و يعادي أي تطور إقتصادي مستقل ومتوازن فيتجاهل القطاعات المنتجة كالصناعة المعملية والفلاحة وأشغال البنية الأساسية إلاّ ما كان ضروريا لإقتصاد نهب الثروات الطبيعية والبشرية.

وقد التحق بالثورة جزء من الطبقة العاملة يمثل أشد القطاعات معاناة من هذا النظام الرأسمالي المتوحش مثل عمال المناجم وعمال الحظائر وقطاع البناء وعمال المناولة المستعبدين والذين يتلقون أجورا لا تمكنهم حتى من تجديد طاقة عملهم، وكذلك العمال غير المرسّمين والعرضيين المحرومين من جميع الحقوق كالتغطية الإجتماعية.

جوبهت انتفاضة البطالين والعمال في الجهات الداخلية ببطش الأجهزة القمعية للدولة البوليسية وسرعان ما تطوّرت مطالب الجماهير من الحق في الشغل و التنمية الجهوية إلى رفع مطالب سياسية ضد الدكتاتورية، وقد انضمّت في هذه المرحلة وبصفة واسعة ومتسارعة قطاعات واسعة من شتى فئات البرجوازبة الصغيرة في المدن الكبرى مثل ولايات إقليم تونس الكبرى وصفاقس ( المحامون، الطلبة، رجال التعليم، الصحافيون...).
بل وجذبت الثورة تعاطف جزء من الرأسماليين المتضررين من السياسة الإقتصادية الكمبرادورية : إنعدام الشفافية في الصفقات العمومية، امتيازات القروض بدون ضمانات لفائدة العصابات المقربة من الرئيس الهارب وسطوها المنظم على مؤسسات القطاع العام، إنعدام البنية الأساسية في الحهات، عدم شفافية النظام الجبائي، التجارة الموازية، اتفاقية الشراكة مع الإتحاد الأوروبي...

3. إن غياب الحزب السياسي للطبقة العاملة وما نجم عنه من ضعف دورها في الثورة، بالإضافة إلى ضعف وتشرذم تنظيمات ما يسمى باليسار الثوري (الوطد بمختلف مجموعاتهم، العود، POCT – تروتسكيون..الخ) قد أدّيا إلى غياب القيادة السياسية لهذه الثورة، وهو ما حال دون تجذرها ووصولها إلى أهدافها في القضاء على كامل أجهزة نظام الدكتاتورية البوليسية وتصفية الهيمنة الإمبريالية وخدمها المحليين ممثلين بالطبقة البرجوازية الكمبرادورية وكبار الملاكين العقاريين، تمهيدا لإقامة الدولة الديمقراطية المعادية للإمبريالية.
وتعيش الحركة الثورية في الوقت الراهن حالة من التراجع والإنحسار نتيجة خوف قطاعات واسعة من البرجوازية الصغيرة من الثورة تجلت في الخوف من "الفراغ السياسي والأمني" والخوف من "الفوضى الإقتصادية" وفي الإستجابة لدعوات فكّ الإعتصامات والإضرابات والتنديد يإضرابات رجال التعليم دعما للثورة و "الوحدة من أجل إنقاذ تونس". وقد أدّى ذلك إلى إضعاف جماهيرية المظاهرات والإعتصامات والإضرابات وعرقلة إنخراط الطبقة العاملة في الثورة بعد أن بدأت تنخرط فيها بالإضراب والإعتصام.

إن الوضع الحالي يفرز 3 قوى أساسية :
- القوة الأولى حول الحكومة المؤِقتة و خلفها وتتكون من الدوائر الإمبريالية وبقايا التجمع الدستوري وبقايا الأحزاب الكرتونية النوفمبرية وحركة النهضة التي تمكنت من خداع بعض الأطراف اليسارية باعتمادها ازدواجية الخطاب والمواقف. وتعمل هذه القوة على الإلتفاف على الثورة وعلى إنقاذ أسس النظام شبه الإستعماري الكمبرادوري مع ادخال بعض التحسيتات والمسكّنات يقتضيها ميزان القوى بعد 14 جانفي. وقد تجلى ذلك بالخصوص في مسارعة الحكومة إلى طمأنة الدوائر الإمبريالية على التزامها بتعهداتها وديونها بل وعملها على مزيد إغراق البلاد في الديون، و في دعمها لإعادة هيكلة التجمع الدستوري في شكل مجموعة من الأحزاب الرجعية، وفي سكوتها عن عسكرة أنصار حركة النهضة للعديد من المساجد وتنصيب أيمة من بين أعضائها واعتدائهم على القوى الديمقراطية في العديد من الجهات والفضاءات.
- القوة الثانية تتكوّن أساسا من البروقراطية النقابية والمحامون وجمعية القضاة والصحافيين ومنظمة حقوق الإنسان وانضم إليهم بعد سقوط حكومة الغنوشي حركة التجديد و PDP...وتشكل هذه القوة معسكرا ديمقراطيا رخوا ومساوما يريد "أن يحقق الأهداف الديمقراطية" دون الإعتماد على الجماهير والحركة الثورية. وقد تجلى الطابع المساوم لهذه القوة من خلال تخليها عمليا عن مجلس حماية الثورة وتبني صيغة الحكومة المتعلقة بالهيأة الوطنية للإصلاح السياسي والإنتقال الديمقراطي.
- القوة الثالثة تتكوّن أساسا ممّا يسمّى بمجموعات و تنظيمات اليسار الثوري (POCT الوطد، العود، التروتسكيون، المستقلون..الخ) وتعمل هذه القوة على تجذير الثورة والوصول بها إلى هدف القضاء على أجهزة النظام شبه الإستعماري الكمبرادوري، غير أنها ما زالت تفتقد إلى الرؤية السياسية الواضحة وتشكو من ضعف التنظيم والتشرذم وغياب تقاليد العمل مع الجماهير وإنعدام الحزم الثوري مما يدفع بعضها للتورط في مساومات مع البيروقراطية والديمقراطية اللبرالية وعدم القدرة على فكّ الإرتباط معها.

4. لقد كان لثورة 14 جانفي في تونس تأثيرا عظيما على الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج التي انتفضت للقضاء على النظام شبه الإستعماري الكمبرادوري في مختلف الأقطار العربية.
إن نجاح الثورة الديمقراطية المعادية للإمبريالية في الوطن العربي سيشكل ضربة موجعة لكامل النظام الإمبريالي العالمي حيث تشكل الأنظمة شيه الإستعمارية الكمبرادورية في الأقطار العربية معقلا أساسيا من معاقل الرجعية العالمية وباسقاطه تحرم الإمبريالية من احتياطي اقتصادي وسياسي هائل من شأنه أن يدخلها في أزمة عامة تفتح الطريق أمام قوي الثورة الإشتراكية العالمية.

5. كما ذكرنا، أظهرت ثورة 14 جانفي الضعف الكبير للطبقة العاملة ويرجع ذلك أساسا إلى غياب حزبها السياسي الثوري الذي يمثل مصالحها الطبقية، حيث فشلت جملة التنظيمات والمجموعات "اليسارية" في بلورة خط نظري وسياسي بروليتاري، وظلّت أسيرة المقولات الشعبوية والإصلاحية والقومية وغيرها، كما عجزت عن التصدي للهجمة الشرسة التي يتعرض لها التراث الثوري للبرولتاريا العالمية فكرا وتجارب وعن قراءة التطورات الإقتصادية والسياسية والعلمية من منظور ثوري حيث سيطرت على مقولاتها إما الدغمائية المقيتة المنقطعة عن الواقع وغياب التحليل النقدي لتجارب بناء الإشتراكية، أو المراجعات والتنازلات النظرية المذلة التي تصب في النهج الإصلاحي الذي لا يرى أفقا للبشرية غير الرأسمالية "غير المتوحشة" أو المحسّنة بما يسمى ب"عدالة التوزيع" و "تفعيل دور القطاع العام". أما في حقل الممارسة فقد تميزت هذه التنظيمات بالنخبوية والنقابوية وبتراجع كبير لنضاليتها.
وقد لعبت الهجمة الإمبريالية الشرسة على الشعوب المضطهدة والكادحين في العالم خاصة منذ بداية التسعيتات وحملات التشويه والدعاية المضادة البرجوازية ضد الفكر الثوري للطبقة العاملة وتشويه تجارب الإشتراكية وخاصة تجربة ثورة 17 أكتوبر البلشفية في روسيا، دورا كبيرا في إحباط الطبقة العاملة العالمية و حرمانها من القيادة السياسية الثورية.
كما تعاظمت منذ 7 نوفمبر 1987 الهجمة الشرسة التي تتعرض لها الطبقة العاملة في تونس و أهم مظاهرها القمع الذي تمارسه الأجهزة البوليسية للنظام شبه الإستعماري الكمبرادوري، وتردي أوضاع العمال والتدهور الشديد لمقدرتهم الشرائية و الطرد التعسفي والجماعي وتنامي صيغ العمل العرضي والوقتي و المرن ونظام المناولة، كل ذلك بدعم مباشر من الدولة وتواطئ البيروقراطية النقابية. ويضاف إلى ذلك ضرب الحقوق النقابية للعمال وقمع الإضرابات و تفشي الشعب المهنية التي تمارس الوشاية والتخريب.
إنّ هذا الوضع يفرض علينا المهام الملحة التالية :

* مهام متعلقة بنضال الطبقة العاملة :

- العمل على تحقيق الوحدة النظرية والسياسية للطبقة العاملة تمهيدا لإنشاء حزبها الثوري
- إقامة حوارات وصلات تنظيمية مع الحركة الثورية الإشتراكية في الوطن العربي و تنظيم نضالات مشتركة من أجل تطوير الثورة في مختلف الأقطار العربية
- العمل على تكوين النقابات العمالية في كل القطاعات
- استخدام العلنية و"الحرية" المتاحة بعد 14 جانفي لتحقيق مكاسب للطبقة العاملة وتدعيم نظالاتها وتجذيرها ومساندة الإعتصامات والإضرابات الجماهيرية لتحسين الأجور وظروف العمل والترسيم..الخ.
- بحسب حالة المد الثوري، العمل على تكوين لجان حماية الثورة في المصانع والمؤسسات العمالية

* المهام المتعلقة بتطوير الثورة وتجذيرها : ( بحسب حالة الوضع الثوري)

- دعم اللجان الجهوية والمحلية لحماية الثورة وتعميمها والعمل على إدخال العناصر العمالية فيها
- المطالبة بحلّ سلك العمد والمعتمدين والولاة وإعلان اللجان الجهوية والمحلية لحماية الثورة بديلا عنها في الفترة الإنتقالية (إلى حين انتخاب مجالس جهوية وبلدية) وتمكينها من الإمكانيات الضرورية للقيام بعملها
- الدعوة إلى ممارسة جبهوية حقيقية في مستويات متعددة: في إطار موسّع يمكن أن يشمل حتى أطراف الديمقراطية اللّبرالية الإصلاحية ( المحامون، جمعية القضاة، النساء الديمقراطبات، حمعية الصحفيين...الخ.) وذلك على أساس برنامج ديمقراطي ( مثل الوارد في الوثيقة " نداء من أجل جبهة وطنية موسعة دفاعا عن جمهورية ديمقراطية مدنية وتقدمية" التي بادرت بها مجموعة من الديمقراطيين)
وفي إطار ديمقراطي ثوري أكثر تجذرا يضم ما يسمى باليسار الثوري (الوطد بمختلف مجموعاته، العود، POCT – تروتسكيون-..الخ) و ذلك في اتجاه توحيد اليسار على قاعدة جماهيرية وثورية تمهيدا لخلق قطب سياسي ديمقراطي شعبي ينجز كافة مهام الثورة الديمقراطية بأبعادها الوطنية والإقتصادية والسياسية والثقافية.
- مساندة جبهة 14 جانفي ودعوتها للتوسع إلى جميع التنظيمات اليسارية الثورية دون إقصاء على قاعدة تبني برنامج ديمقراطي ثوري معاد للإمبريالية و دعوتها للعمل صلب الجماهير قصد تنظيمها وتجذير ثورتها ولدعم الحركة الإضرابية وإعتصامات العمال في المدن والأرياف.