التطوّر و الإمبريالية!!

سهيل أحمد بهجت
2011 / 3 / 28

ـ كاليفورنيا
إن متابعة بسيطة لأطروحات المرحوم عبد الوهاب المسيري تظهر لنا بوضوح كيف يتعامل هذا المفكر ـ الذي يعكس ثقافة شريحة كبيرة من المثقفين العرب ـ مع المجتمع الغربي كمنتج و محتوى علمي و فلسفي و كأنه مجموعة معادلات رياضية فارغة و قد تم الحكم على الإنسان الغربي بالإعدام شنقا بالمادة حتى الموت، و هي مقولة تبدو لنا تبسيطية و تبريرية و تمثل بالضبط اتجاها عكسيا لمقولات المستشرقين الذين يؤكدون غالبا أن لا مجال للعلمانية في الإسلام ـ و الإسلام السياسي بالمقابل يكرر هذه المقولات ليل نهار راجع (الفكر الإسلامي قراءة علمية: محمد أركون - ترجمة صالح هاشم) ـ فالغربي و لأنه منفتح و نسبي فهو يحوي كل التنوع و الاختلاف بينما يصرّ المسيري على إنكار هذه الحقيقة على أساس أنه "تنوع خادع" و بالتالي فإن النمط السائد هناك هو المادة و المادة وحدها، يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري:
"و الترشيد عملية تنميط و فرض للنماذج الكمية و البيروقراطية للتحكم و المراقبة على كل مجالات النشاط الإنساني، إذ سيتم قياس أداء كل فرد بطريقة رياضية، و الترشيد عملية ستزداد وتائرها إلى أن يصل إلى قمته الشاملة الإمبريالية، فتتم السيطرة على كل جوانب الحياة، و يتحكم الإنسان في الواقع نفسه، إلى أن يُفرَّغ المجتمع من أي دلالة أو معنى، و يتحول إلى مجموعة من المعادلات الرياضية." ـ المصدر السابق ص 99
إن هذه المواقف تذكرني برجال الدين المتزمتين الذين يخشون من كل شيء اسمه "نقد فكري" و يظنون أن كل دعوة إلى العقلنة هي فكّ ارتباط بين الإنسان و الإله و أنها دعوات "شيطانية" تسعى إلى رمي الإنسان في أحضان المادية "الكافرة"!!، و كأن البقاء في الحياة البدائية و إحاطة الإنسان بجدران من الممنوعات و المحرمات كفيل بجعل الإنسان سعيدا، و طوال التاريخ الإنساني ـ حتى ذلك المشبع بالدين أو مجتمعات الكـِتاب كما يسميها محمد أركون ـ كان التقييم الإنساني يقوم في الغالب على الكم المادي مع وجود جوانب معنوية حتى في الغرب الذي يوصف مادّيا من قبل خصومه، ففي تاريخ الفقه الإسلامي نجد أن القيمة غالبا ما تمنح للفقيه الذي درس أكثر و كتب أو امتلك عددا أكبر من الطلاب و المريدين، و في الغرب نجد ـ كمثال على الجانب المعنوي ـ لوحة فنية قد تباع أحيانا بمبالغ خيالية ـ كإحدى لوحات فانكوخ التي بيعت بـ 80 مليون دولار أمريكي ـ رغم أن الفنان الذي أنجز ذلك العمل الفني قد يكون رسمها خلال فترة وجيزة و بجهد ضئيل و لكن رغم ذلك تمتلك اللوحة بعدا إنسانيا و قيميا و اجتماعيا، بينما أذكر أن أكبر تقدير كنت أحصل عليه من رسم اللوحات ـ و التي كانت ترهقني جدا ـ كان بعض الأدعية و كلمات التشجيع الفارغة، إن وضع الإنسان في معادلة رياضية فارغة ينطبق تماما على مجمل النظرية المسيرية، فالإنسان في مفهوم المسيري جزء من مادة بلا معنى، لذلك نجد أن من أسهل الأمور في نظر المسيري أن نحول الإنسان من شيء إلى آخر، بمعنى أنه لا يمتلك ذلك التعقيد الفكري و النفسي الذي يجعله كائنا قادرا على تجاوز محيطه ـ أيّا كان هذا المحيط ـ و بالتالي فهو مجرد متلقي فارغ من الاختيار و التمييز.
إن الإمبريالية منظومة لا علاقة عضوية بينها و بين العلمانية، إن المنظومة الإمبريالية هي منظومة اندثرت مع نهاية عصر الاستعمار و تحول العالم إلى الدولة الأرضية التي ستهيء منظومة بشرية تنهي عصور الصراعات و الحروب، و مشكلة المسيري أنه يربط بين الإمبريالية و العلمانية (الغربية) بمنهجية قسرية ذات أحكام مسبقة، فالإمبريالية تزامنت مع وجود شعوب و أديان مختلفة، فمنذ الإمبراطوريات القديمة الآشورية و البابلية و الفارسية و المقدونية و الرومانية إلى الإسلامية و المغولية و العثمانية و الإمبريالية الغربية التي اختلفت عما سبقها بفضل إصلاحاتها الداخلية و تطور الفلسفات التنويرية التي وفرت للغرب ما يكفي من العقلنة للحفاظ على وتيرة مستقرة من التنمية البشرية، و لا أحد ينكر أن تطور الغرب لم يكن بمعزل عن السلبيات و المآسي التي شهدت تطور أنظمة فائقة التطور علميا و عسكريا و لكن هذه السلبيات تترافق مع كل عمل بشري جماعي، و كلما توسع العمل تراكمت أخطاء أكبر و أعمق، فعصور صدر الإسلام شهدت أفظع الجرائم و الانتهاكات على يد الأمويين و العباسيين، فهل كان الإسلام كدين مسئولا عن ذلك؟ و لماذا نتناسى أن الدين كان الوسيلة و الغاية في آن واحد بين الظالمين و المظلومين، فالأمويون اصطنعوا لأنفسهم تبريرا دينيا يضفي شرعية على حكمهم و كان معارضوهم من الشيعة و الخوارج و القدرية ـ المؤمنون بحرية الإنسان ـ يتخذون الدين كغاية تستطيع القضاء على الظلم.
إن العقلنة قد تؤدي بالإنسان إلى دخول عالم من القلق بعد أن يبدأ بالشك في معايير حياته و إدراك قوانين العلّة و المعلول و أن معتقدات الآباء و الأجداد قد لا تكون بالضرورة صحيحة و لكن الشك في مفاهيم التراث لا تمنع محاولة استكشاف النص الديني المقدس و ما يحيط به من تراث متراكم عبر القرون و الدليل على ذلك أن كل الأدان و الطوائف التي تعاني التهميش في دول العالم الثالث تجد لنفسها ملجأ في دول الغرب العلماني، و تركيا التي كانت تطرد المسيحيين و الأرمن و الشيعة في القرون الوسطى أصبحت في عصرها العلماني عنصر جذب لكل الانتماءات الفكرية و حتى المشكلة القومية آخذة في الاندثار في هذا البلد بفعل الأنسنة، و السؤال المطروح بإلحاح هنا هو هل أن الإسلام يتفق مع منطق الشك الذي تقوم على أساسه الحضارة الحديثة أم لا؟ إن أهم نقطة محورية مركزية في القرآن هي شجب التقليد و تحديدا حينما تتطاول الأزمان على الأفكار و العقائد، بينما يريدنا المسيري أن نتطور داخل الثبات و المطلقات ـ التي تتعدد بتعدد الأفراد فضلا عن تعدد الأديان ــ و من هنا كان التناقض، ففي الغرب تجد المؤمنين بكل الأفكار، ابتداءا من أقصى اليمين (المؤمنون بأن الدين وحده الحل) إلى الوسط (الذي يؤمن بالدين و العلمانية) إلى أقصى اليسار (المؤمنين بأن القوانين المادية وحدها هي التي تحكم)، و هذا التنوع ضروري للتقدم، بينما يريدنا المسيري أن نصدق أن مجرد أكل الوجبات السريعة و الهامبورغر و لبس الجينز سيخرجنا من الدين.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول