-الوليه الفقيه-.. إلى أين؟

سهيل أحمد بهجت
2011 / 3 / 12

لو أن كل عراقي ـ كأي شرق أوسطي آخر ـ من مواليد السبعينات و أقدم، يقوم بمراجعة بسيطة لألبوم صور العائلة و الأقارب، سيجد أن الناس أنهم كانوا أكثر انفتاحا و تقبلا لحق كل فرد في اختيار نمط حياته الشخصية، فكنت تجد الفتيات يرتدين التنانير القصيرة و البناطيل الشارلستون و الشبان يقومون بارتداء السلاسل و يطيلون الشعر على طريقة "فرقة البيتلز" و الجميع يتحدث إلى الجميع بدون مشكلة و كان من الطبيعي تكوين صداقات بين الشبان و الشابات، بل إن بنات و أبناء رجال الدين لم يكونوا استثناء.
لكن مع بروز السعار "الخميني" و الهوس و الجنون الذي أصاب المنطقة ككل في "أسلمة كل شيء حتى الهواء، كانت الحركة الخمينية توجها فجّا و جافــّا لتشويه المذهب الشيعي الذي كان يمتلك خاصية عجيبة في التكيف مع الدولة المدنية، لكن الخمينية مثلت تشوها عضويا و بسبب هذا التشوه امتد السعار الخميني لكافة الجوار الإقليمي، و ليت هذا الجنون و الشعور بالنقص اقتصر على التدين كخيار شخصي و لكنه أصبح بمثابة اكتشاف "مصباح علاء الدين" الذي حسب كثيرون أنه سيحل كل المشاكل بجرّة قلم.
صحيح أن نظام الشاه في إيران كان فاسدا و قومي النزعة، لكن كان للمواطن الإيراني يمتلك حرية شخصية كان أبناء الدول الأخرى يحسدونه عليها، كنت أشاهد أفلاما إيرانية من الفترة السابقة "للثورة"!! و كنت أقارن بينها و بين منتج العاهات النفسية لجيل الثورة لأجد أن الإيراني كفرد خسر بفعل التشويه الخميني للتشيع أكثر مما ربح من الثورة، التشيع و منذ غيبة الإمام المعصوم الثاني عشر "حسب المذهب الشيعي" فإن مراجع الشيعة طوال ألف عام "بدءا من العلامة المفيد و حتى السيدين الخوئي و السيستاني قد أفتوا بحرمة "تطبيق الشريعة" بينما نظـّر الخميني لتخطئة مجمل الفقه الشيعي باتجاه تبني نظرية هي ترجمة لنظرية "سنية" متمثلة في "الخلافة"، الفارق الوحيد هنا بين النظريتين هو العنوان فقط "ولاية الفقيه".
كان لخطاب الخميني المليء بنظريات المؤامرة ــ راجع كتابه الحكومة الإسلامية لتجد أن العقل المريض بنظريات المؤامرة هو السائد ــ دور كبير في زيادة و تقوية ثقافة الكراهية إلى حدّ أصبح اللباس و تسريحة الشعر و سماع الموسيقى جزءا من "مؤامرة غربية صهيونية"، و بدلا من تحويل ثورة الشعب الإيراني إلى ثورة عقلية اجتماعية تفتح الباب أمام العقل لمراجعة التراث و نقد الذات المسلمة و ما يحيط بها من تقليد أعمى, و بدلا من ترسيخ الفرد و الحريات الشخصية و العامة فإن الثورة كانت بالفعل انتكاسة لأن الفقيه "السفيه" صار هو من يُنظـّر و يحلل و يحرّم الأفكار و النظريات، و نظام حديدي قمعي كهذا لا يختلف عمّا هو قائم في السّعودية التي تقطع الرؤوس بسبب ما فيها من عقول.
كان السيد محمد خاتمي يدرك الأزمة التي تسبب بها رجال الدين و حاجة الشّعب، خصوصا الشّباب، للحريات و لبناء مستقبل بلد عريق الحضارة، لكن الحركة الإصلاحية تعرضت للقمع و المنع و تمّ شل حركتها من قبل "الولي الفقيه" و جماعته من المحافظين، ثم جاءت انتخابات 2009 لتفجر غضب الشارع الإيراني الذي أدرك أن أصواته صودرت من قبل النظام، و هذا ليس بغريب على نظام يعتبر أن إرادة الشعب يجب أن لا تتناقض مع "إرادة الله"!! فإذا ما حصل هذا التناقض المزعوم أمكن لـ"الولي الفقيه و هو وكيل الله على الأرض" أن يلغي إرادة الشعب بأكمله، و هذه العقلية يمكن لنا أن نجد لها مثيلا في ألأحزاب و المنظمات الإسلامية الموجودة في العراق، و المشكلة هنا تكمن في أن النّص الدّيني المقدس قابل للتأويل و بمطاطية تتناسب و رغبة الفقهاء الّذين يستمدون شرعيتهم من النص.
و أخيرا و بعد أن كانت الحركة الخضراء التي يقودها مرشحا الرئاسة مير حسين موسوي و مهدي كروبي تتقدمان بشكل مضطرد، فقد مثّل تراجع رفسنجاني، الذي لم يتراجع فقط عن منعه من الترشيح لرئاسة مجلس الخبراء بل و مدح "علي خامنئي" و نعته بالحكيم، مثل هذا طعنة في ظهر الإصلاح و الإصلاحيين و هو ما كان متوقعا بنظري من قبل شخصية كانت طوال تاريخها تبحث عن المركز السياسي و النفوذ.
إيران الآن على مفترق الطرق بين التقدم باتجاه الإصلاح و الحريات و تمثيل إرادة الشعب أو توجيه البلد نحو مخاطر حرب مدمرة للمنطقة ليس لأنّ المجتمع الدّولي يريد ذلك لكن لأنّ الولي الفقيه يدرك تماما أنه في غياب الصراع الخارجي ـ خطاب المواجهة مع إسرائيل و أمريكا ـ فإن أنظار المواطنين ستتجه إلى المشاكل الدّاخلية، تدهور الخدمات، الفساد و المحسوبية و الافتقار للحريات، لذلك يسعى النظام إلى استخدام خطاب عصابي متشنج و يتبع سياسة شديدة المراوغة خصوصا في الملف النووي و دعم الفصائل الفلسطينية حماس و الجهاد ـ التنظيمين الوهابيين ـ أو أحزاب الله في المنطقة، كذلك يتبع النظام سياسة سلبية في العراق.
إن ولاية الفقيه تفتقر بالفعل إلى أي جذر فقهي جعفري أثني عشري، هذا النظام بحد ذاته هو إقرار بأن المذهب الشيعي الجعفري كان على خطأ طوال 1200 مضت و ذلك أن الشيعة عطلوا الشريعة "حسب النظرية الخمينية" طوال تلك القرون و النتيجة هنا أننا أمام احتمالين، فإما أن الشيعة كانوا ضالين في ترك الشريعة و عدم تطبيقها أو أنهم استندوا إلى أسس فقهية صحيحة و بالتالي بطلت ولاية الفقهاء، هنالك ثغرات فكرية تستند إلى معطيات فقهية و سياسة تشكك في شرعية هذه الولاية الفقهية المطلقة و الصلاحيات الواسعة لعمامة قد يكون صاحبها أجهل النّاس و أكثرهم غفلة عن مصلحة الشّعب.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول