إصلاح دستوري مستحق (1 من 3)

أحمد الديين
2011 / 3 / 2

مع انقضاء نصف قرن على استقلال الكويت يقترب دستور 1962 من بلوغ عامه الخمسين، تعرّض خلالها هذا الدستور، الذي هو "دستور الحدّ الأدنى"، إلى ما تعرّض له من محاولات التفاف وعدم التزام تطبيق أحكامه، مرورا بإفراغه من مضامينه الديمقراطية عبر سنّ قوانين مخالفة لمبادئه، وتكررت محاولات تنقيحه على نحو مخالف لضوابط التنقيح الديمقراطي وآلياته الدستورية، ناهيك عن الانقلاب المباشر عليه مرتين ووقف العمل به.

وكان واضحا أنّ هناك أطرافا سلطوية تعاملت مع "دستور الحدّ الأدنى" على أنّه خطأ تاريخي يجب تصحيحه، فتربصت له وتحيّنت الفرص للانقضاض عليه. وهذا ما دفع الشعب الكويتي في المقابل إلى اتخاذ الموقف الدفاعي ذودا عن الهامش الديمقراطي المتاح وحماية للمكتسبات المتحققة، ما ساهم في الحفاظ على هذا الدستور وأعاق محاولات تنقيحه على نحو غير ديمقراطي.

وبالتأكيد فإنّه منذ العام 1967، وهو العام الذي كان مقررا أن ينتهي معه الحظر الزمني الممتد خمس سنوات على تنقيح الدستور، فقد كان ميزان القوى في البلاد وفي المنطقة العربية مختلا لغير صالح الاتجاه الديمقراطي... حيث شهدنا خلالها تزوير انتخابات مجلس الأمة الثاني في 25 يناير 1967، وهزيمة 5 يونيو من العام ذاته، وضرب حركة المقاومة الفلسطينية في العام 1970، والحرب الأهلية اللبنانية، وما أعقبهما من أزمة عميقة عانتها حركة التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي العربية، جرى خلالها شن الانقلاب الأول على الدستور في العام 1976، وما صاحبه من تهميش وإقصاء سلطوي للتيار الوطني التقدمي في الكويت بالتعاون مع بعض الجماعات الإسلامية، ثم نشبت الحرب العراقية - الإيرانية التي أشعلت المنطقة وأشغلتها، فالانقلاب الثاني على الدستور في العام 1986، وصولا إلى الغزو العراقي في العام 1990، وفي ظروف مثل تلك الظروف لم يكن بالإمكان غير الدفاع عن الدستور ومنع التعدي عليه، أو المطالبة بعودة العمل به بعد الانقلاب عليه مثلما حدث في ديوانيات الاثنين في العامين 1989 و1990... وكذلك فإنّه من الطبيعي في ظروف اختلت فيها موازين القوى مثل تلك الظروف أن تحيط مخاطر جدّيّة بأي دعوة مطروحة وقتها لتنقيح الدستور، وهذا ما أدى إلى الحذر من مثل تلك الدعوات، وتمّ الاكتفاء بالدعوة إلى تطبيق الدستور كسقف أعلى للمطالبات الديمقراطية.

ولعلّ ذلك الموقف الدفاعي المبرر والضروري كان سببا في إضفاء هالة من التقديس المبالغ فيه على دستور 1962، الذي كان ولا يزال يمثّل "دستور الحدّ الأدنى" ولم يكن دستورا ديمقراطيا مكتملا.

واحسب الآن، أنّه بعد الوقفة الجماهيرية التاريخية المشهودة لشباب الكويت في "ساحة الصفاة" مساء 4 يناير الماضي، التي سبقت انطلاق أولى موجات الثورة العربية الشعبية الكبرى في تونس، وكذلك فإنّه بعد أن شهد الوطن العربي ما شهده من تحركات وانتفاضات شعبية وثورات ديمقراطية فقد حدث تبدّل هائل في ميزان القوى، وهاهي الأبواب تُفتح أمام التغيير الديمقراطي في العديد من أرجاء وطننا العربي الكبير، وهذا ما ستكون له بالتأكيد انعكاساته الايجابية على عموم بلداننا العربية من المحيط إلى الخليج، بما فيها الكويت، التي يتوافر فيها الحدّ الأدنى من متطلبات التطور الديمقراطي، وهذا ما يمكّنها من أن تجتاز تحدياته بسلامة وبأدنى تكلفة، وذلك عبر إحداث إصلاحات دستورية مستحقة، حان الوقت لطرحها، بعد أن تمّ تصحيح الاختلال في ميزان القوى.

وبذلك فإنّ الموقف الدفاعي عن دستور 1962 يجب أن يُصحح فيتحوّل إلى موقف الدفاع عن المكتسبات الديمقراطية المتحققة في دستور الحدّ الأدنى، مع المطالبة بإصلاحات دستورية تستكمله كدستور ديمقراطي على طريق تعزيز مفهومي الإمارة الدستورية والحكومة البرلمانية... وللحديث صلة.