مخاطر الاندفاع الأصولي على ثورة الشباب الليبرالية

نجيب غلاب
2011 / 2 / 16

ما يحدث في مصر اليوم شيء أشبه بالحلم، فالجيل الجديد المعجون بالأصالة والمنتمي لعصره حتى العظم قد غادر الكهف وظلماته ويندفع باتجاه النور بحيوية وثقة، إنها لحظة فارقة في تاريخ العرب، ثورة انبثقت بإرادة شعبية ثائرة على هزائمنا نظر لها وقادها شباب يعرف لغة المستقبل، ثورة صنعتها الجماهير بعفوية وتسامح وحزم، تتحرك وهي مسكونة بأحلام الحرية والعدالة، تندفع بهدير غاضب لتدمر قيود الاستبداد بكافة أنواعه وتواجه الظلم ببأس العاقل الحكيم، إنه مستحيل تحقق، حدث يصنع ثورة عصرية بأدوات سلمية بلا تهور أو حقد، وعظمتها أنها بلا إيديولوجية صارمة، واقعية في مطالبها تريد أن تكون جزءاً من هذا العالم، ليس لها أي نزعة انعزالية بل الانفتاح جوهر رؤيتها، إنها طفرة مضيئة غيرت المسار العربي بكل انتكاساته، ومن يراقب هذه الثورة سيجد أنها من حيث المطلب والفعل تبحث عن ثورة إصلاحية ليبرالية، هدفها المرحلي هو اخرج الدولة الحالية من نزوعها المهيمن من قبل النخبة المتحيزة لمصالحها الأنانية لتصبح دولة معبرة عن المجموع الشعبي.
قوة الثورة أنها تسعى لتعميق العدالة من خلال تحقيق قيم الديمقراطية الليبرالية، أنها تسعى لبناء الدولة وإصلاحها من خلال التغيير الجذري وإعادة الاعتبار لها باعتبارها مجالاً عاماً لخدمة الناس، محايدة في عملها لصالح العمل الحر المستقل، لا مجال لخدمة النخبة وقهر الناس واستغلالهم، أنها تبحث عن العدالة السياسية استنادا على المقولات الليبرالية المعتدلة المؤسسة على فكرة العدالة الاجتماعية والإنصاف. وهذا الفعل الثوري قد يفقد بريقه، فالخوف أن تخفت الروح الإنسانية وتتهور باتجاهات صراعية وعدمية بحثا عن إشباع سريع لطموحات الجماهير في ظل واقع سيء يحتاج إلى وقت قد يطول لتحقيق الغايات، والإشكالية الأخرى أن الثورة رغم أنها تمتلك إرادة التغيير إلا أنها لا تمتلك طوبى مستقبلية واضحة ـ وهنا تأتي وظيفة المثقف الحر ـ قادرة على تحفيز الجماهير على المدى البعيد وتمكنها من التماسك لمواجهة المخاطر والخطايا التي قد ينتجها العمل القادم، وفي حالة العجز عن تأصيل الثورة من قبل قوى الحرية فقد تتمكن القوى الدينية الغارقة في مقولاتها الإيديولوجية من اختطاف الحلم وإعادة صياغة الأحلام بنزوع ثوري مرتهن للنهج الأصولي، والعمل لاحقا على استغلال الفعل الجماهيري العفوي والمتدين للاستيلاء على القوة السياسية وتحويلها إلى قوة دفع لإحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي وفق مقولاتها القروسطية.
فاللحظة الراهنة تنسجها قوة شابة هادرة متحررة من استبداد العقل التقليدي تتحرك خارج سياق الفعل الحركي للأصوليات الدينية والعصبوية القبلية، وهذا يفسر تأجيل الأصوليات لشعاراتها حتى تتمكن من القبض على مصادر القوة السياسية، والخطر الذي يجب الانتباه له أن الصعوبات التي قد تتولد في مرحلة الانتقال والعجز عن حل المشاكل المختلفة التي يعاني منها الواقع قد يسهل للقوى الأصولية بناء طوبى دينية والسعي إلى بناء تلاحم في الوسط الجماهيري والسعي لتوليد صراعات مع أعداء في الداخل والخارج ومن ثم البدء في تشكيل ميليشيات وتحويل الجماهير إلى فاعل قوي لمواجهة خصومها.
فالثورة الإيرانية مثلا لم تكن في بدايتها أصولية، ولم تكن تسعى في مراحلها الأولى إلى تأسيس ثيوقراطية دينية، ولم يعلن الخميني عن نواياه في بداية الثورة، إلا أن طبيعة التحولات والتطورات اللاحقة في بنية الثورة ولدت صراعات بين القوى المنتجة للثورة وفي نهاية الأمر تمكنت القوى الدينية من ترتيب صفوفها مستغلة كارزمية الخميني وسارت بها في اتجاهات مغايرة لغاياتها التي أسست لها القوى التي أنتجتها، فقد ركزت القوى الأصولية في بنية الثورة على الدفع بالحدث الى حدوده القصوى وركزت على السيطرة على السلطة السياسية بعد ان حفزت الجماهير لصالح مقولاتها، ومن خلال السلطة تبنت تغييرات جذرية على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي بما يتوافق ونزعتها الدينية الغيبية والتي شكلت طوبى الثورة المحفزة للجماهير لاحقا.
الشيء الملفت ان مرشد ثورة ايران الحالي حاول ان يحمي نفسه من المعارضة الإصلاحية باتجاهاتها الليبرالية من خلال الحديث عن الثورة التي ينتجها الواقع العربي والتأكيد أنها تقليد للثورة الخمينية وانتصار لمسيرتها، بل ان بعض الصحف التابعة للمرشد رأت أن ثورة العرب في محصلتها النهائية هي خلاصة التجربة الثورية الإيرانية، وهذه المحاولة الفاشلة ليست إلا حالة من الهروب إلى الأمام لمواجهة الإصلاحيين. ومقارنة بالثورة الإيرانية سنجد أن ثورة الشباب العربي فريدة من نوعها لانها تتحرك في ظل البحث عن الحرية خارج سياق الاطروحات الشمولية أما الثورة الإيرانية فقد خنقت بالعقائد الغيبية للخميني، وتحولت من ثورة للحرية إلى ثورة لتأسيس ثيوقراطية شعبوية أعادت إيران إلى القرون الوسطى، وهذا ما يجعلنا نرى أن إيران قد تحتاج إلى ثورة لتحرير الثورة من نزعتها الأصولية وإعادة الاعتبار للشعب من خلال تأسيس السياسة على الفلسفة المدنية. وثورة الشباب العربي ثورة سلمية لا دماء فيها ولا حقد ولا كراهية انها انسانية الحرية والتسامح لبها وجوهرها، والكرامة التي تبحث عنها هي بناء المواطنة من خلال دولة مدنية وتعمير الاستقلال من خلال الانفتاح الحر على الآخر، الدين يتحرك مع ثورة الشباب العربي برؤية حضارية راقية، والقومية فيها تتحرك بالحب والإخاء الإنساني، أما الثورة الإيرانية فإنها تعبوية محاصرة داخل ذاتها، ثورة طائفية معجونة بنزوع قوموي الكراهية اساس حركتها في مواجهة خصومها أما ثورة العرب فإنها نموذج فعلي للثورات في عصر العولمة، لذا فإن نزعتها الانسانية أكثر وضوحا.
وثورة العرب لا تؤمن بالقائد المحوري والقائد الفذ الماسك بتلابيب كل شيء، انها ثورة جعلت الشعب هو القائد، طموحه يتجه إلى بناء المؤسسة باعتبارها هي الأصل، إنها فعلا ثورة فريدة هادئة ورزينة وتقوم بالفعل الثوري من خلال الدفع باتجاهات التغيير الجذري والشامل لمواجهة الفساد والاستبداد حتى تتمكن من صناعة التقدم.
وملامحها الأولى تؤكد أنها لا تبحث عن الصراع العدمي لتتخلص من أزماتها التي يفرزها واقع التحولات الجديدة، فهي تناضل من اجل حرية الفرد وكرامته وعزة الشعوب ونهضته، أنها مهمومة بذاتها ومتحيزة ضد الاستبداد في كل مكان في العالم، أنها ثورة لا تملك حتى رصاصة واحدة وتواجه العالم كله بالحق الانساني المبين، الجميع متعاطف معها حتى كارهيها، أعداؤها غير قادرين على مواجهتها، ثورة نوعية ترسم المستقبل بألم الباحث عن العدالة.
أنها تزحف بلا بيان ثوري وبلا خطب عصماء وبلا طلائع مناضلة، انها تؤثر في العالم في سعيها من أجل الحرية، رسالتهم لا عبودية في عصر الشعوب والحرية للجميع، انهم يصنعون المجد بلا انتقام. أنها ثورة اللاعنف باسلوب جديد، ثورة كلما زاد العنف ضدها زادت سلميتها، انها عبقرية عربية تحركها أخلاق المدنية وتخلق المسيح في قلب الاسلام.
وأخيرا لتتضح نقاء وفاعلية الفعل السلمي يمكن مقارنة الثورة بالعنف والحقد الارهابي للقاعدي الذي زاد من الطغيان ومن استغلال المنظومة الدولية لعالمنا العربي والاسلامي، فشباب الثورة هم محررو الشعوب ونتائج أفعالهم تشعل وقود نهوضنا الحضاري، اما القاعدة وعنفها وكراهيتها فإنها السم الزعاف المدمر للأمل والحب والتسامح، القاعدة تمارس القتل لتقتل الحرية، وتبحث عن الاستقلال وهي تقودنا الى العبودية، تحارب الاعداء ونتائج اعمالها استعمار وفقدان للاستقلال.
وهنا أسأل: هل تستطيع امريكا أن تقف مع طاغية ضد ثورة انسانية يصنعها الشعب الباحث عن الحرية، وهل تجرؤ على مقاومة إرادة شعبية تحركها رغبة جامحة في حياة كريمة؟ الواقع يقول لا يمكن لأي قوة أن تقف في وجه إرادة شعبية تخلق مجدها بالسلام، وفي المقابل فإن الولايات المتحدة مستعدة ان تأتي بقضها وقضيضها لتحمي الاستبداد في مواجهة محترفي العنف، ان الشعوب الحرة تحمي حقوقها بالحرية والثقة والتسامح، اما التنظيمات العدمية فإنها تائهة في طوبى دينية تدفع بالمؤمنين بها إلى تدمير الحياة وتمنح الظلم طاقة قاتلة لمحاصرة إرادة الشعوب.
السؤال الكبير في الثورة المصرية ما دور الجيش في صناعة الثورة؟

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي