المسيري ... تجسيد العقل المريض

سهيل أحمد بهجت
2011 / 2 / 8

" لعل أهم أسباب التنميط هو ظهور الدولة العلمانية المركزية التي لا تتعامل إلا مع وحدات إدارية ضخمة، و التي تحاول قدر طاقتها ترشيد الواقع الاجتماعي و الإنساني حتى يمكنها التحكم فيه و التخطيط له و توجيهه و توظيفه لصالحها، أي حوسلته، و عملية الترشيد هذه هي في جوهرها عملية تنميط، إذ بدونها سيصبح الواقع الإنساني و الاجتماعي متنوعا مركبا غير متجانس، فلا يمكن التنبؤ بسلوك الإنسان، و من ثم لا يمكن إخضاعه لعمليات الحوسلة.." ـ العلمانية تحت المجهر ـ ص 95
إن هذا التنميط المزعوم ــ الذي يركز عليه المرحوم عبد الوهاب المسيري في نقده للعلمانية ــ هنا هو فعليا تسمية أخرى أطلقها المسيري على "الثقافة المدنية" أو "العقل الحضري" و هو نقيض لعقلية الإنسان فيما قبل الدولة، و التنوع الذي تقوم الدولة العلمانية المركزية بحوسلته ـ أي جعله وسيلة ـ هو الفوضى بكل معانيها، فالسلوك الذي يصفه المسيري بالقول "فلا يمكن التنبؤ بسلوك الإنسان" لا يحمل معه إلا احتمالا واحدا هو أن يتحول إلى متمرد على المجتمع، و النمطية هنا هي في جوهرها الحرية و السلم الأهلي الذي تتحرك في إطاره عملية التنوع و التحول، فالمجتمعات الغربية العلمانية تستوعب الآن كافة التنوعات العقائدية و الاجتماعية و الثقافية و من خلال هذا النظام ـ الذي يحاول المسيري هدمه من خلال نعته بالنمطية كتعبير سلبي ـ هو ضرورة و لا نمطية فيها، بينما في المقابل نجد النظم الشمولية التي لا تقبل الحلول النسبية تتسم بالنمطية القسرية المصنوعة على أرض الواقع، فالاتحاد السوفيتي و الصين الشيوعية الماوية و إيران الإسلامية و السعودية، كلها نماذج لدول لا تقبل التعددية و إضافة إلى ذلك تسعى لصهر الاختلاف في بوتقة الواحدية العقائدية ـ سواءٌ كان عقيدة دينية أو نظرية فلسفية اقتصادية كالماركسية ـ و إذا كان القاريء قوي الملاحظة فسيدرك أن المسيري يحاول الإيحاء بأن الدولة العلمانية هي كائن منفصل عن الشعب و الأمة التي تنظم أمورها، بالتالي تكون العلاقة بين الحاكم "العلماني" و المحكوم "المواطن المتنوع الانتماءات" علاقة سلبية قائمة على التحكم، و هو ما ليس بصحيح، فالمجتمع العلماني في أساسه ديمقراطي يعطي الشرعية للحاكم من خلال صناديق الاقتراع فقط دون أي شرعية دينية أو قومية، و هكذا فإن النمطية المزعومة هنا ليست سوى ثقافة الحرية و الانتماء إلى الوطن عبر عقد اجتماعي قائم على الحقوق و الواجبات.
و ما الإنسان ذو البعد الواحد، و هو تعبير استعاره المسيري من هربرت ماركوز، إلا محاولة أخرى لخلق صورة "نمطية" في عقلنا الشرقي المنعزل عن ذلك الغربي "العلماني"، فالإنسان ذو البعد الواحد الذي لا هم له إلا الربح المادي و جمع المال و إنشاء الشركات الكبيرة لا يمكن أن يكون ـ نمطا عاما ـ ملازما للمجتمعات الغربية، و حتى لغير الغربية، ففي كل زمان نجد أُناسا من هذا النوع، و القرآن نفسه يؤشر على أن الإنسان من طبعه أن يحب الأشياء المادية و هذا الأمر يتفاوت من شخص إلى آخر، شخصيا لدي معرفة بالعديد من الأشخاص الذين يؤمنون بالدين و يلتزمون بمرجعية المسيري الفكرية ـ أي الإنسان كمخلوق إلهي ـ و لكنهم في الحياة العملية أكثر جشعا و نهما للمال و الثروة من أكثر المرابين و الجشعين، إذا فإن كون رغبات الإنسان و طموحاته و حاجاته تفوق و تتفوق أي حيوان آخر أمر لا شك فيه قطعا، و الإنسان ذو البعد الواحد One dimensional man لا يعدو كونه نموذجا صغيرا و لا يعدو كونه نموذجا ضمن تنوعات الإنسان الكثيرة كالإنسان ذو الشخصية الازدواجية و الدونكيشوتي و العقلاني و الموسوس و غير ذلك.
و إذا كان التفكير العقلاني العلمي "حوسلة" للإنسان فإن السؤال المنطقي سيكون: و ما هو تقييمنا للإنسان إذا انتزعنا عنه كل هذه المنجزات العقلانية و الثقافية و المساواة بين البشر؟ النتيجة المؤكدة أننا سنعود إلى العصور المظلمة حينما كان الدين ـ بتفسيره الضيق ـ يهيمن على كل شيء و يقسِّـم أبناء الوطن الواحد إلى "مؤمنين" و "كفار" أو "ذميين"، فالحوسلة المزعومة هنا تساوي في نظري اتهام السلفي لمخالفه في العقيدة بـ"الكفر" أو نعته بالـ"زندقة"، لكن المسيري لم يجرؤ على استخدام ذلك التعبير لأن ذلك سيعني دخوله (رسميا) في تنظيم القاعدة أو التكفير و الهجرة و لذلك آثر الإبقاء على "لغة أكاديمية" علمية تحتمل أكثر من تأويل، و سنرى كيف أن المسيري سينحدر من نقد "ممارسات الحرية" في المجتمع العلماني إلى نقد العلم الحديث و في نهاية الحكم بالسلب على كل التطور الإنساني.
يقول الدكتور عبدالوهاب المسيري:
"و يظن هذا الإنسان ـ يقصد المسيري إنسان العلمانية ـ أنه يمارس حريّته و فرديته، فمجال الاختيار في عالم السلع واسع لأقصى حد، و لكن هذا يخبئ الحقيقة الأساسية، و هي أن مجال الإختيار في الأمور المهمة (المصيرية و الإنسانية و الأخلاقية) قد تقلَّص تماما و اختفى، و أن هذا الإنسان فقد مقدرته على التجاوز و نقد المجتمع، و أصبحت عنده مقدرة عالية التكيف و قبول الأمر الواقع و الإذعان له." ـ المصدر نفسه ص 96
إن الدليل الأكبر على مدى الحرية المنتجة التي يعيشها الإنسان في ظل العلمانية هو أن الإنسان يجد فسحة منطقية واسعة لينظر في مشاكله و مآسيه و يبحث بعقل لا حدود له عن الأسباب الموضوعية و الجهات الموضوعية التي تسبب له الشقاء و الألم، فلا أحد يتحكم به بحجة القداسة أو يكون فوق النقد، فبدأً من أصغر مواطن إلى أعلى سلطة يخضع الجميع للقانون و العدالة نفسها، و مرة أخرى يختزل المسيري الحرية الإنسانية في كلمات ـ سوف يشكك لاحقا بالمفهوم كله ـ و بالتالي يترك الموضوع الذي أخضعه للنقد من دون تقديم بدائل، فهو لا يخبرنا ما هي تلك القرارات المصيرية التي لا يملكها الغربيون أو حيث قامت دولة علمانية على هذه الأرض؟ و هذا الكلام يعني ضمنيّا أن هناك بلدان ـ ذات نظام مختلف عن العلمانية ـ تتيح لمواطنيها هذه الحرية المزعومة، و لكن الجواب الذي نحصل عليه هنا هو "الصمت المطبق"، ففي ظل العلمانية يكون اللاهوت و عالم الروح منفتحا تماما، فالاستقرار المعيشي و الرفاه "النمطية حسب المسيري"، تتيح للإنسان مجالا واسعا من البحث و اختبار الطاقات الفكرية و الروحية مما سيعني انفتاح المجال كليّا لإبداع الإنسان، بينما نجد الباحثين في الدول المتخلفة التي تتبنى وجهة نظر دينية معينة ـ المملكة السعودية و إيران و باكستان خير نماذج على كلامنا ـ يعانون الاضطهاد و المنع بل و الإعدام شنقا أو بقطع الرأس، و لا أدري ما الذي يجعل الحرية ـ و هي صيغة حياة تتوافق مع فطرة الإنسان ـ قابلة للنقد و التشكيك كما يريدها المسيري أن تكون، إن الحرية في ظل العلمانية الديمقراطية تعتبر القيمة الأعلى فكريا كونها الأسهل تطبيقا، إذ تسير الأمور و حياة الناس بشكل طبيعي و سلس يشبه انحدار الماء، بينما كل النظم السياسية التي تتناقض و العلمانية ـ و أرى أن الماركسية كنظرية شاملة تتناقض مع العلمانية ـ كونها شمولية تكون صعبة أو مستحيلة التطبيق على أرض الواقع.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول