باحث من المعهد الملكي للثقافة الامازيغية يحيي اساطير الماضي بصنعاء

المهدي مالك
2011 / 2 / 6

مقدمة
استيقظت كما هو معتاد اليوم الثلاثاء فاتح فبراير و اطلعت على اخر الاخبار الوطنية و الدولية عبر شبكة الانترنت فوجدت خبرا أزعجني كثيرا و يشكل هذا الخبر تحطيما لنضال الحركة الثقافية الامازيغية الذي دام اكثر من 40 سنة من محطات بارزة و من مرجعيات فكرية تؤكد على ان الامازيغيين هم السكان الأصليين لدول شمال افريقيا منذ ازمنة غابرة بشهادة المؤرخ ابن خلدون قديما و الابحاث الحديثة حيث يقول استاذنا الكبير محمد شفيق العميد السابق للمعهد الملكي للثقافة الامازيغية في كتابه لمحة عن 33 قرنا من تاريخ الامازيغيين حول موضوع اصلهم لقد كتب الكثير في هذا الباب و ملخص ما كتب ان المؤرخين العرب كانوا يجزمون في العصر الوسيط ان البربر او الامازيغيين هم من اصل يماني أي من العرب العاربة الذين لم يكن لهم قط عهد بالعجمة أي الاعاجم حسب فهمي المتواضع .
و هناك طرح اخر اورده محمد شفيق في كتابه يفيد ان اصلهم اوربي .
و يقول الاستاذ اخذت هذه المسالة العلمية تفرض على الباحثين كل تحفظ لازم و لاسيما تجاه المصادر المكتوبة ما لم تدعمها معطيات اخرى اكثر ضمانا للموضوعية و قد عمل بجد من خلال 40 سنة الاخيرة على استغلال الامكانينات الاركيولوجية و الانثروبولوجية و اللسنية في البحث عن اصل الامازيغيين و النتائج الاولى التي أفضت اليها هذه البحوث ان سكان افريقيا الشمالية الحاليين في جملتهم لهم صلة وثيقة بالانسان الذي استقر بهذه الديار منذ ما قبل التاريخ أي منذ ما قدر ب 9.000 سنة .
و هذا ما قاله الاستاذ محمد شفيق في كتابه القيم و الصادر في سنة 1988 أي في عهد تهميش كل ما هو امازيغي و عهد العروبة و الاسلام حيث صرح الراحل الحسن الثاني في بدايات ذلك العقد بان اصل الامازيغيين يرجع الى اليمن و بالتالي هم من العرب العاربة بمعنى ان تاريخ المغرب بدا مع دخول الاسلام الى هذا البلد و ليس قبله.
و وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944 كانت واضحة في هذا السياق حيث قالت ان تاريخ المغرب عمره 13 قرنا أي ان الحركة الوطنية ساهمت بدورها الكبير في تحريف تاريخنا الوطني و جعله مشرقيا بامتياز ليحقق مشاريعهم الايديولوجية ما بعد الاستقلال كالتعريب و السلفية الشاملة لعقول رجال الدين ثم عامة الامازيغيين و إقناعهم بان الاسلام بشكله المستورد من المشرق هو بديل حقيقي لهم عوض الجري وراء مشاريع التقسيم و التفرقة فالبرابرة حسب تعبيرهم جاءوا من اليمن الى المغرب و بالتالي فانهم في نهاية المطاف عرب و ليس العكس بمعنى ان مطالب الحركة الثقافية الامازيغية لا شرعية لها بحكم ان الامازيغيين يعتبرون مشارقة مسلمون .
و مناسبة هذا الكلام كله هو زيارة احد باحثي المعهد الملكي للثقافة الامازيغية الى اليمن في دجنبر الماضي حيث صرح في محاضرة أطرها بصنعاء ان اصل الامازيغ من اليمن و ان ثقافتهم برمتها بما فيها حروف تيفيناغ هي فرعا من الثقافة اليمنية و هذا الكلام قاله باحث ينتمي الى مؤسسة اكاديمية مثل المعهد الملكي للثقافة الامازيغية التي مازلت احترمها الى حدود الان باعتبارها مؤسسة طال انتظارها من طرف النخبة الامازيغية منذ سبعينات القرن الماضي و مطلب ضمن مطالب ميثاق اكادير بتاريخ 5 غشت 1991 و تحقق بفضل الارادة الملكية لجلالة الملك محمد السادس الذي يعتبر الامازيغية مكون له عمق تاريخي ببلادنا .
ان هذه التصريحات اعتبرها خطيرة للغاية خصوصا انها صدرت عن احد باحثي
هذه المؤسسة الاكاديمية في خارج الوطن حيث ان هذه التصريحات ترجعنا عقودا الى الوراء أي الى بداية النضال الامازيغي اواخر ستينات القرن الماضي حيث كان النقاش انذاك حول هل الامازيغية لغة ام لهجات محلية التابعة ايديولوجيا للغة العربية المقدسة و التابعة لما يسمى بالوطن العربي الممتد من المحيط الى الخليج.
و السؤال المطروح الان بالنسبة لي هو ما مدى مسؤولية المعهد الملكي للثقافة الامازيغية في اختبار الباحثين من المستوى العالي يؤهلهم الى تمثيل الثقافة الامازيغية في اللقاءات ذات طبيعة اكاديمية سواء داخل الوطن او خارجه و خصوصا في دول الشرق الاوسط التي مازالت تنظر الى القضية الامازيغية باعتبارها فتنة اجنبية أحدثها الاستعمار الفرنسي في ثلاثينات القرن الفارط الخ من هذا الكلام المعروف .
و وجدت في جريدة العلم المعروفة بمعاداتها التاريخية للمكون الامازيغي مقالا يروج للاصل اليمني للامازيغيين حيث يقول ذكر موقع «سبأ نت» الإلكتروني أن مؤسسة الإبداع للثقافة والفنون والآداب استضافت بصنعاء في اليمن مساء السبت الماضي الباحث المغربي بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الوافي النوحي الذي حاضر حول العلاقات الثقافية والحضارية التي تربط الجمهورية اليمنية بالمملكة المغربية ، والقواسم المشتركة في اللغة الأمازيغية واللغة المهرية.
وفي المحاضرة التي حضرها رئيس جمعية الإخاء اليمنية المغربية يحيي العرشي وعضو مجلس الشورى الدكتور احمد الاصبحي ، والسفير المغربي بصنعاء محمد حمة وعدد من المسؤولين، ثم التأكيد على عمق التمازج الثقافي والتاريخي والحضاري بين البلدين الشقيقين، اثباته من خلال التقارب بين اللغة الأمازيغية والمهرية ، فضلاً عن تشابه حروف المسند اليمني القديم وحروف الأمازيغية المغربية ، وتشابه وتقارب التراث الثقافي والمعماري في اليمن والمغرب،ولفت الباحث الإشارة الى أن بعض المصادر والنصوص التاريخية تشير الى ان الأمازيغيين القدامى هم من «البربر» القادمين من اليمن عبر الحبشة ومصر .
وأضاف الموقع ذاته أن الباحث قال إن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالمملكة المغربية يحرص على تطوير العلاقات العلمية والثقافية للتعريف بالثقافة الأمازيغية وبحث ودراسة أعماقها وحدودها في مختلف البلدان العربية وعلى رأسها اليمن والتي تستند في القول بان الأمازيغية من أصول يمنية .
ان هذه التصريحات الخطيرة حسب اعتقادي المتواضع حطمت ازيد من 40 سنة من النضال الامازيغي بهدف استرجاع الشرعية التاريخية للامازيغية في وطنها الحقيقي و هو شمال افريقيا و اقول ربما ان الامازيغيين هاجروا الى اليمن ما قبل الاسلام و ليس العكس بدليل ما قاله الاستاذ محمد شفيق في كتابه ان عدد لا باس به من اسماء الاماكن التي توجد في الطريق الواصلة بين المغرب الكبير و بين اليمن عبر القارة الافريقية لها صيغ امازيغية واضحة و لبعضها مدلولات في هذه اللغة و منها في صعيد مصر او بوادي مصر مثل ابنو و اسيوط و اخميم و توشكا الخ.
لكن لا يوجد في اليمن نفسها حسب ما هو مرسوم في الخرائط العادية اسماء اماكن من هذا القبيل الا اسم جزيرة انتوفاش و يرجع تسلسل الاسماء السالفة ذكرها الى عهد هجرة قديمة تركت اثارها في الاصقاع التي عبرتها ام يرجع الى قرابة بين اللغة الامازيغية و بين اللغة المصرية القديمة .
و هكذا يقول استاذ الاساتذة و الباحثين الامازيغيين محمد شفيق منذ سنة 1988 في حين الان يخرج باحث ليعلن بان اصلنا يرجع الى شبه الجزيرة العربية اذن ما فرق بين نظرية انقراض الامازيغيين منذ زمان بعيد لصاحبها الرئيس الليبي القدافي و نظرية الاصل اليمني للامازيغيين ؟
و خلاصة القول انني استنكر هذه التصريحات الخارجة عن اهم ادبيات الحركة الثقافية الامازيغية و الخارجة كذلك عن سياسة المعهد الملكي للثقافة الامازيغية كمؤسسة احترمها شخصيا و كمجلس اداري .
لكنني اتمنى من المعهد ان يعطي لنا تفسيرا واضحا لتصريحات الاستاذ الباحث في صنعاء .
و اجدد مساندتي للمعهد و كافة مكونات الحركة الامازيغية .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير