الإنسان و الوثنيّة!!

سهيل أحمد بهجت
2011 / 1 / 22


إن ما يصفه المسيري "من خلال نقده المطول للعلمانية" بالقول:
"... أما التوثن ((Fetishism)) فإنه يعني أن تصبح السلعة و الشيء مركز الكون، و الوثن الأعظم الذي يعبده الإنسان، و التسلع و التشيء و التوثن تعني، كلها، أن الإنسان يحيد إنسانيته المتعينة فيسقط إما في عالم الأشياء (و السلع) المادية و الذات الطبيعية المادية و يفقد إنسانيته المركبة (الربانية)، أو يذوب في مطلقات لا إنسانية مجردة (المطلق العلماني: الطبيعة/ المادة التنويعات عليه: الدولة ـ السوق ـ الإنتاج ـ الاستهلاك) و يفقد أيضا إنسانيته". العلمانية تحت المجهر ص 93
كل هذا لا يعدو كونه تنظيرا فارغا و تعاملا تبسيطيا مع الإنسان ككائن مركب، فدراسة الإنسان ككائن عضوي حيواني و أساليب تكاثره و أساليب عيشه لا يعني قطعا نزع صفات الإنسان التي يمتاز بها عن الحيوان، فالغرب حين اهتمامه بجانب الإنسان الغريزي فعل ذلك مدركا تماما أن المعاناة تقتل "الموهبة" و "الإبداع" و نزوع الإنسان نحو الكمال و الأفضل، أما المسيري فيريدنا أن نهمش حاجات الإنسان ـ و التي سنناقش ماهيتها لاحقا ـ و أن نتعامل معه كملاك لا يأكل و لا يشرب و لا يملك أي عاطفة، بل يكفي أن تقدم له "الموعظة" و كفى، و هذا بالتأكيد أحد أسباب تخلف العالم الإسلامي و العربي، فهناك كمٌّ هائل من التنظير الفارغ لعملية تفكيك و تحليل الإنسان و الحديث عن "الإنسانية المركبة الربانية" هو تنظير من دون محتوى واقعي ملموس، و النظرية ـ أي نظرية كانت ـ لا تمتلك أي حظ من الصواب أو الخطأ إلا إذا أمكن تطبيقها على أرض الواقع، و نحن نشهد طوال القرون الثلاث الأخيرة توجها إلى الواقعية العلمية سواء على مستوى المفكرين المؤمنين أو الملحدين، فالنزعة إلى الواقعية هي نتاج تزايد الوعي الإنساني و توسع مجالات المعرفة الإنسانية و إدراك الإنسان لمساحة الحرية المتاحة له.
فالتوثن و عبادة المادة و المجتمع الاستهلاكي ليست إلا نوعا من التخويف و التهويل الذي يُمارس بحق الإنسان في الشرق الإسلامي لإخافته من الحرية و الديمقراطية و العلمانية، و كتشبيه للقاريء فإن الشرق الإسلامي هنا هو أشبه بـ"شخص جائع على حافة الموت" و قد عثر على عنقود من العنب و لكنه يخاف أن يأكله لأن أباه أخبره بأنه ذات مرة أصيب بحموضة بسبب العنب، إن الشرق يعاني سكرات الموت حتى فيما قبل انهيار الدولة العثمانية، و دائما ما يتم رفض كل منتج سياسي "غربي" من قبل منظومتنا الخلقية بحجة "الحفاظ على القيم" و "الأخلاق" و منظومات المجتمع الهشة و البالية، و هذا يتم رغم أن حياتنا البشرية كلها أصبحت مليئة بما لا يُعدّ و لا يحصى من المنجزات الغربية كالكهرباء و أدوات العمل و الاتصالات و الشوارع المبلطة و الأبنية ذات النمط الحديث، فالنمطية و الـ Fetishism الذي وقعنا نحن الشرقيون ضحية له هو عبادة الممارسة الدينية ذاتها، و منها الوسواس أو العناية المفرطة Solicitude و بالتالي يسقط الإنسان ضحية عشق الممارسة ذاتها دون أن يكون لها أي منجز إنساني داخلي، فهناك من يعبد الصلاة و من يعبد الحج أو التراويح و ما إلى ذلك، بالتالي نجد أن مسألة التوثن لا تنحصر في الجانب الاقتصادي و المعيشي، فالغالب أن الدين نفسه يصبح من عالم الإنسان بكل ما يحويه من نواقص و عيوب، فالإنسان يجد نفسه مكرها على دين معين من ولادته، بمعنى من المعنى هو يأتي إلى الحياة من دون أن يكون له أي خيار في أن يولد مسلما أو مسيحيا أو حتى ملحدا، فيكون مخيرا بعدها قابلا لاحتمالات أخرى، كأن يُغير دينه أو يوغل في الدين الذي يهيمن على بيئته إلى حد أنه يقوم بإضافة الكثير إلى الدين دون أن يشعر أن هذه الإضافة تمت بفعله الشخصي.
يحاول المسيري أن يظهر النظام الغربي القائم على الدقة و القانونية و الاستمرارية و كأنه يمتلك "خاصية سلبية" بفعل التكرار و الإعادة و تحول الحياة إلى وتيرة واحدة و يستعمل تعبير Standardize بمعنى "توحيد المعايير و المقاييس"، يقول المسيري:
"و يطلق الاصطلاح على ظاهرة في الحضارة الغربية، و هي أن كثيرا من المنتجات الحضارية تصبح متشابهة و نمطية بسبب الانتاج الصناعي و السلعي الآلي الضخم (على عكس المنتجات الحضارية في المجتمع التقليدي، حيث نجد لكل شيء مصنوع شخصية مستقلة تستمدها من شخصية منتجها الذي صنعها بيديه). و التنميط في المنتجات الحضارية يؤدي إلى التنميط في أسلوب الحياة العامة و الخاصة، فيقضي الإنسان حياته في سلسلة محكومة من روتين يومي منظم بمواعيد دقيقة و متتالية معروفة مسبقا (نوم ـ انتقال ـ عمل آلي ـ وقت فراغ)، ثم يتم تنميط حياة الإنسان نفسها.." ـ العلمانية تحت المجهر ص 94
و كالعادة يتم تبسيط النظريات و القوانين الطبيعية و حتى تلك التي اخترعها الإنسان لحاجته إليها ليختزلها المسيري كلها و يحطمها بضربة واحدة فيما أسماه بـ"التنميط" متجاهلا كليا أن أحدث الصناعات و أبرزها صناعة السيارات و الإلكترونيات تمتلك صفات شخصية تتوزع على نمط السيارة أو الآلة، فمثلا تختلف سيارة المرسيدس كليا عن سيارة فورد أو تويوتا، الأمر نفسه يتكرر مع أجهزة الريكوردر و الراديو، فمن ماركة ناشنال إلى سانيو إلى سوني و كوسونيك نجد أن لكل واحدة من هذه الماركات شيئا تمتاز به، و ليس هناك أي منطق في كلام المسيري حينما قال "نجد كل شيء مصنوع ـ يقصد الصناعات اليدوية في الدول المتخلفة ـ شخصية مستقلة تستمدها من شخصية منتجها"!! فبضاعة كهذه هي قطعا ليست ذات قيمة لأنها لن تكون متوفرة إلا لقلة قليلة، و في المجتمعات التقليدية تكون البضاعة "العديمة النمطية ـ كما يُزعم" و التي تنتج ببطيء شديد متوفرة للطبقة الغنية فقط و غالبا ما تشترى بسعر تافه، فالغني يدفع فيها أزهد الأثمان ـ دون أن تكون للشخصية المزعومة أي قيمة ـ بدافع الجشع و حاجة المنتج (البطيء) إلى المال، و هكذا فإن كل القيم الشعرية و الخيالية التي يضفيها أرباب الثقافة القديمة ـ و المسيري واحد منهم ـ على الانتاج و الصناعة و الإبداع تصبح بلا معنى أو جدوى في أول اختبار مع الواقع.
و ما يراه المسيري "حياة رتيبة في الغرب" يراها الغربيون كذلك، و لكن لا يمكن قطعا أن تكون كل الوظائف و الأعمال في الغرب من هذا النمط، كما أن هذه الوتيرة العالية من الدقة هي ضرورة تاريخية و واقعية للتحول الذي شهده الغرب، فأمراض الطبقية و الحاجة و الاستغلال و الاجحاف تتطلب عملا و جهدا حثيثا للقضاء عليها، و لا يمكن لثقافة و منطق "الجدل البيزنطي" التي تحرك و تقيّم الأشياء و الأفكار بعيدا عن الواقع أن تكوّن شيئا ذا قيمة كونها شيئا منفصلا عن الواقع و أحيانا أو لنقل أن هذه العقلية تنتهي برفض الواقع و رؤيته كشيء "سلبي" لأن هذا الواقع بكل بساطة يتناقض مع "المثال" أو الصورة الكاملة التي لا نواقص فيها، و هذه الصورة طبعا خيال محض، فالمسيري ابتداءا من أول كلمة كتبها إلى آخر حرف سطره في حياته لم يخبرنا "ما هو هذا الإنسان" الكامل الذي لا نقص فيه، و أين يعيش إن كان موجودا على هذه الكرة الأرضية؟ و نحن متأكدون أنه لا وجود لهذا الإنسان لأن اسم الإنسان بحد ذاته ينتهي كاشتقاق إلى "النسيان" أو "الأنس" أي حاجته إلى إنسان آخر يكمل وجوده.
و الإنسان بحد ذاته يمتلك نمطية معينة، فلا يوجد إنسان ذو خرطوم و آخر بلا خرطوم أو ذي أجنحة و آخر بدون أجنحة، فالإنسان قد يختلف من شخص إلى آخر في لون البشرة أو الطول و ما إلى ذلك، و لكن البشر كلهم من نمط واحد يجمعهم و هو "إنسانيتهم" التي تجعلهم مختلفين عن الطيور أو الخيول، فالصفة السلبية التي يطلقها المسيري على "النمطية" و "التكرار" الذي يرافق حياة الإنسان هي أمر طبيعي ملازم للوجود الإنساني، و منذ وجود الإنسان الأول تلازمت النمطية مع هذا الوجود، فكان إنسان الكهف يخرج صباحا أو حتى قبل شروق الشمس و يمضي ساعات و ساعات طويلة في البحث عن الطرائد و الفرائس ليعود بها لاحقا إلى أسرته أو جماعته التي تنتظره في الكهف و يمضي باقي اليوم مع الأسرة و الجماعة كتبادل الأحاديث و أخبار الصيد أو تواجد بشري أو حيواني في الجوار، كذلك الأمر بالنسبة للمرأة التي كانت تقضي جلّ وقتها في رعاية الأطفال و صناعة الثياب و الطبخ، و هذه الوتيرة نفسها تتكرر مع العصر الزراعي و الإقطاع و إلى عصر النهضة و الصناعة، فالإنسان ككائن لا يمكن له أن يعيش في جنة لا يعمل فيها أحد، كما في الخرافة الشيوعية، و حتى في الغرب يعيش المعاقون و المسنون بدعم من دافعي الضرائب، و دافع الضريبة نفسه ينتظر من الدولة ضمانا للصحة و السكن مقابل المبالغ الضخمة التي يدفعها، و بالتالي لا نجد بديلا واقعيا لكل النقد حول النمطية المحيطة بالإنسان، قد يكون من الممكن التخفيف من هذه النمطية، مثل حصول العمال و الموظفين على أوقات فراغ إضافية و إجازات تتيح لهم تخفيف الشعور بالتكرار و الروتين الممل، فالجنة أو الواقع المفترض للشعور المثالي بالاستقرار الإنساني الذي يريدنا المسيري أن نعثر عليه لا وجود له في هذا العالم.
www.sohelahmedbahjat.blogspot.com

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول