الفتنة السلفية

المهدي مالك
2010 / 12 / 19


الفتنة السلفية
مقدمة
منذ عقود من الزمان اخذت السلفية التخريبية موقعا مركزيا ضمن المشهد الديني بالمغرب الى جانب العروبة بحيث ان هذه السلفية ليس لها اصل او علاقة بالمغرب كبلد و كحضارة دينية صانعها الامازيغيين منذ الفتح الاسلامي الى يومنا هذا من خلال دعوات و مقالات الاستاذ و المناضل الامازيغي احمد عصيد الهادفة الى اعادة قراءة الاسلام قراءة معاصرة تراعي سياقنا المغربي و المطبوع بالاصلاحات الجوهرية و الانتقال نحو الديمقراطية و الانتقال من سيطرة الغرباء على هويتنا و تاريخنا الى مغربية هذان المجالان الضروريان ليبني المغرب مستقبله دون ان يحتاج الى فتاوى السلفيين التي ساهمت في خلق العقدة لدى المسلمين عامة تجاه انجازات الغرب العظمى في شتى المعارف الانسانية.
ان الاستاذ عصيد مشغول دائما في كتابة مقالاته الرائعة و التي نتعلم منها الكثير من القيم كحرية التعبير و الراي الشخصي و الفكر الحداثي و
المعادي للفتنة السلفية كما ساسميها في هذا المقال المتواضع باعتبارها مرض فكري قد طبع جل النخب المغربية سياسة كانت ام دينية الخ منذ ثلاثينات القرن الماضي تحت غطاء محاربة الاستعمار و مشاريعه المزعومة كتنصير الامازيغيين و جعلهم يتبنون القانون الفرنسي كانهم مجرد حيوانات لا يتوفرون على العقل او على تاريخهم الاسلامي او على هويتهم الثقافية المستقلة عن المشرق العربي من حيث نمط الحياة و التقاليد و تسيير شؤونهم عبر اعرافهم الاصيلة و المعترفة بها من طرف الفقهاء و ملوك المغرب الى عهد المرحوم محمد الخامس الذي وقع ظهير 16 ماي 1930 لتنظيم المحاكم العرفية بمعنى ان هذا الظهير يحمل صفة الوطنية الحقيقية و المستمدة من الارض و ليس من فرنسا كما يقول دعاة الفتنة السلفية القدماء و الجدد.
ان المغرب لا يحتاج حاليا للعودة بالزمن الى عصر الخرافات و الى عصر الفتنة السلفية بالاعتبار ان بلادنا فتحت مجموعة من الاوراش الكبرى كالنهوض بالثقافة الامازيغية و صدور مدونة الاسرة الجديدة و اعادة تاهيل الحقل الديني بعد احداث الدار البيضاء الارهابية و التي كشفت النقاب عن نتائج سلفية العقول و الاجيال و جعلها بعيدة عن اسلامنا الاصيل و الزج بها في احضان فضائيات اصحاب البترول .
و شخصيا لا اشاهد تلك الفضائيات الا في وقت موسم الحج او عندما اريد سماع فتاوى السلفيين السخيفة و البعيدة عن حاجات الانسان المسلم الذي يعيش في عصر اخر غير عصر السالف و في بيئة غير بيئة الجزيرة العربية مما يجعلني اتبنى افكار استاذنا عصيد من اجل تطوير فهمنا للاسلام و جعله يواكب حاجات المجتمع الحالية حيث كتب في الصيف الماضي مقالا حول الخطبة و الخطباء الذي نال اعجابي الشخصي و كتب بعد مرور عيد الاضحى مقالا يدعو فيه الى سلوك مدني في هذه المناسبة لا اقل و لا اكثر .
ان العودة الى عصر الفتنة السلفية سيحطم ما تحقق للمغرب من المكاسب الجوهرية في مجال الانتقال الديمقراطي و في مجال ادماج المراة في التنمية و في مسار تاهيل الحقل الامازيغي و الحقل الديني في نفس الوقت حسب رايي المتواضع لان الفكر السلفي في بلدانه الاصلية لا يعترف بشيء اسمه التعدد ببعده المذهبي و السياسي نهائيا و نريد نحن في هذه البلاد ان ناخذ بهذا الفكر الرجعي و الاحادي لكي نصبح مسلمين من الدرجة الاولى حيث انهم يتحدثون بلغة اهل الجنة و يمنعون نسائهم من مجرد قيادة سيارتها تحت ذريعة محاربة الاختلاط و الفساد الاخلاقي الخ من هذه الاسباب الواهية بالنسبة لمجتمعنا الحالي.
و نريد ان نصبح مسلمين من الدرجة الاولى و ننسى ان الاسلام هو دين عالمي مختلف ثقافاته و حضاراته و ننسى اننا نتوفر على هويتنا الاسلامية المغربية منذ قرون مع احتفاظنا بخصوصياتنا الامازيغية في تسيير شؤوننا و الاحتفال بعاداتنا حتى ظهرت الفتنة السلفية التي قتلت العرف الامازيغي و بعد الاستقلال همشت الامازيغية و جعلتها تساوي التنصير و الالحاد الخ من هذه الاوصاف القدحية.
و بعد استحضار بعض هذه الحقائق الواضحة يظهر لي ان السلفية لم تقدم للامازيغية خصوصا و للمغرب عموما الا التخريب العميق و تحطيم البنيات الاجتماعية و عرقلة التقدم و التنور الفكري الذي يجسده الاستاذ عصيد و قبله الاستاذ المرحوم محمد اركون و غيرهم من اصحاب هذا الفكر و الرافض للرجعية و السلفية و الداعي الى نظرة معاصرة للاسلام وفق حاجات المجتمع الراهنة و المستقبلية .
انني هنا لست اعادي اشخاصا او احزابا معينة بل لي علاقات الاحترام و المودة مع الاستاذ سعد الدين العثماني عبر البريد الالكتروني باعتباره ابن المرحوم الفقيه امحمد العثماني و له مواقف مشرفة تجاه الثقافة الامازيغية و انما اعادي السلفية صراحة باعتبارها تضع الى اليوم العديد من العراقيل امام التقدم المنشود و امام الاجتهاد في الدين و امام عملية ادماج المكون الامازيغي في مختلف مناحي الحياة العامة و في مختلف مؤسسات الدولة و احياء خصوصياتنا القانونية و تجديدها لنبني مجتمعا مغربيا يعيش في المدنية و يعيش تعدده بشكل سلمي كما كان اجدادنا عاشوه مع اليهود المغاربة .
انني احيي استاذنا عصيد المشغول دائما مع الكتابة حيث لا يرد على رسائلي الا نادرا و اتمنى له التوفيق و النجاح.
اننا ككتاب و مفكرين لن نسمح للفتنة السلفية ان تقوم بمشاريعها التخريبية في مغرب اليوم و في مغرب معتز بهويته الاسلامية الاصيلة و معتز بتعدده الثقافي و الديني و سنكافح خطوة تلو خطوة من اجل القضاء على هذه الفتنة التي عمرت عقودا من الزمان بين نخبنا الدينية و الايديولوجية حتى اصبحنا عبيدا للماضي و للتخلف الديني .
المهدي مالك

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي