إعادة الاعتبار لليسار

أحمد الديين
2010 / 11 / 19

أكتب من بيروت، حيث أشارك في ندوة اللقاء اليساري العربي، التي اختتمت أعمالها أمس، وجاء التئام هذا اللقاء، الذي ضم قادة سياسيين ومفكرين وكتّابا يساريين وتقدميين من عشر بلدان عربية ليمثّل محاولة مستحقة للتداول الحر والنقاش الموضوعي في إمكانات استعادة اليسار العربي وقواه التقدمية دوره المفترض ومحاولة تجاوز حالة التراجع والتردد، التي عاناها خلال ربع القرن الماضي، خصوصا بعدما تفاقمت أزمة النظام الرأسمالي، وبدأت تتشكّل في العالم حالة نهوض جديدة للتيار اليساري.

وبالطبع كان لابد في مثل هذا اللقاء أن يجري التيار اليساري العربي مراجعات لتحديد طبيعة أزمته؛ والعوامل الموضوعية والذاتية التي أدّت إلى تراجع تأثيره، بعدما كان في طليعة النضال من أجل التحرر والديمقراطية في العديد من البلدان العربية... وفي الوقت نفسه لا بد من التفكير في كيفية تجديد قوى التيار اليساري العربي من حيث خطابها وتنظيماتها، واستكشاف الآفاق الواقعية لاحتمالات إعادة الاعتبار إلى دورها المفتقد مؤقتا، والعائد بالضرورة، كقوى تقدمية فاعلة.

وفي ظني أنّ هناك مجموعة من العوامل الموضوعية والذاتية المتشابكة، التي تسببت في أزمة اليسار العربي، وأستطيع تلخيص العوامل الموضوعية في العناوين التالية: الهجمة الإمبريالية الصهيونية، التي تعرضت لها حركة التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي العربية واتخذت أشكالا متنوعة من التآمر والضغوط والحروب والغزو والاحتلال.... والانهيار الكبير، الذي أصاب الأنظمة الاشتراكية السابقة في الاتحاد السوفياتي وبلدان شرق ووسط أوروبا وانعكاساته الزلزالية على اليسار في العالم أجمع، وبينه اليسار العربي، وما تبع ذلك من شيوع التوجهات الليبرالية في صفوف اليسار، وتخلي بعض أطرافه عن الفكر الاشتراكي، وتوهمها بأبدية النظام الرأسمالي... وسطوة أنظمة الحكم الاستبدادية الفاسدة في معظم بلداننا العربية، والتحولات السلبية، التي شهدتها ما يسمى “أنظمة الحكم الوطنية” السابقة والباقي منها، بحكم تركيبتها الطبقية، وانفرادها بالسلطة... وحالة التخلف الاجتماعي والثقافي، التي تعانيها مجتمعاتنا العربية، وانتشار الأوهام والخرافات والمفاهيم الرجعية... والطبيعة المشوهة لاقتصادات بلداننا العربية، من حيث هي اقتصادات ريعية تابعة، أو من حيث تخلف بناها الاقتصادية... والانقسامات الطائفية والفئوية والقبلية والمناطقية والعرقية، التي تشهدها مجتمعاتنا العربية، وطغيان الهويات الصغرى على الهوية الوطنية الكبرى.

أما العوامل الذاتية، التي تقف وراء أزمة اليسار العربي، فتتمثّل في أخطاء بعض قوى هذا اليسار من حيث التحاقها التبعي “بالأنظمة العربية الوطنية”، وقبولها بالتعارض المفتعل بين الديمقراطية السياسية وقضايا التحرر الوطني أو التحولات الاجتماعية... وانخداع بعض قوى اليسار بالشعارات القومية الرنانة وانجرارها وراء حروب غير مبررة ومشروعات عدوانية وأطماع، مثلما هي الحال مع صدام حسين، الذي رفع شعارات خادعة قادت شعبه والمنطقة عموما إلى دمار، وشقت الصف الشعبي العربي، وكانت المبرر لعودة الوجود العسكري الإمبريالي في العراق والخليج... وتجاهل قوى اليسار الارتباط الجدلي بين نضالها السياسي ونضالها الاجتماعي، حيث انشغلت بالتركيز على النضال السياسي، ونسيت هموم الجماهير... وأخيرا، ذلك التناحر المؤسف بين الفصائل والقوى التقدمية والوطنية والديمقراطية في البلد الواحد، ونسيان العدو المشترك والمهمات الأساسية.

وبالطبع فإنّ اليسار العربي مطالب بالبحث عن أساليب وطرائق جديدة للتعامل مع الواقع الموضوعي المعقد في بلداننا العربية، وفي الوقت نفسه لابد من الإقرار الصريح بالأخطاء الذاتية والعمل على تصحيحها... والأهم بعد ذلك هي الحاجة إلى تقديم بدائل تقدمية ملموسة للأوضاع البائسة في عالمنا العربي... وللحديث صلة.


إعادة الاعتبار لليسار (2 من 2)


في ندوة اللقاء اليساري العربي في بيروت قدّم العديد من المشاركين تصوراتهم لما يفترض أن يكون برنامجا للتيار التقدمي أو اليساري في عالمنا العربي، ومن بينها ما تضمّنته الورقة، التي كنت قد تقدّمت بها في الندوة، وأعرض هنا جانبا منها، وتحديدا الجزء المعنون منها بـ “نحو بديل تقدمي عربي”، الذي شمل عددا من العناوين العامة:

- أول عناوين هذا البديل التقدمي هو عنوان استعادة اليسار العربي لدوره الكفاحي في مقاومة الإمبريالية والصهيونية ومخططاتهما لإحكام السيطرة على منطقتنا وإخضاعها ونهب ثرواتها وتفتيت بلداننا وتمزيق مجتمعاتنا وتسيّد المشروع الصهيوني.

- أما العنوان الآخر للبديل التقدمي العربي المنشود، فهو استعادة اليسار العربي والقوى التقدمية للدور المبادر في قضية المطالبة بالديمقراطية وبلورة أجندات وطنية واضحة لإصلاحات سياسية عميقة وتغييرات ديمقراطية ملموسة لا تكتفي بالهامش الجزئي المحدود، الذي تحاول بعض الأنظمة العربية إفساحه أمام شعوبنا من باب المناورة وحصرها في حدوده الضيقة.

- العنوان الثالث للبديل التقدمي العربي هو عنوان التحديث، إذ أنّ اليسار والقوى التقدمية هي التي يفترض أن تحمل قضية التحديث، ولا يصح أن نسلّم بأنّ التحديث هي مهمة الليبراليين وحدهم... فاليسار والتقدميون جزء أساسي بل طليعي من تيار التحديث، ويمكنهم أن يضعوا الأساس لبرامج تحديث متكاملة ومنسجمة لا تقتصر على التحديث الثقافي أو الاجتماعي، وإنما تشمل تحديث الدولة، أي بناء الدولة الوطنية الحديثة، وتحديث الاقتصاد، وتحديث المجتمع، وتحديث القوانين، وتحديث الإدارة، وتحديث الثقافة، وتحديث التعليم، وذلك من دون أن يعني هذا التحديث المستحق التنكر غير المبرر للهوية الحضارية لمجتمعاتنا وتبني توجهات تغريبية.

- العنوان الرابع في البديل التقدمي العربي المقترح هو العدالة الاجتماعية، التي تمثّل اللبّ الأساس لليسار والقوى التقدمية، حيث يفترض أن نكون في مقدمة المطالبين بتحقيق العدالة الاجتماعية؛ والدفاع عن الحقوق والمطالب الاقتصادية الاجتماعية للطبقة العاملة والفئات الشعبية والمهمشين، واقتراح نظم وآليات تسهم في التخفيف من التضخم النقدي وربط سلم الأجور بتكاليف المعيشة، وتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي وتحسين نوعية الحياة، إذ لا يجوز أن نترك مثل هذه المهمة بأيدي قوى شعبوية أخذت تتصدر التحركات المطلبية والاجتماعية والشعبية في بلداننا.

- أما العنوان الخامس في البديل التقدمي العربي، فهو التنمية، التي لا يفترض أن ننظر إليها على أنّها تنمية اقتصادية فحسب، وإنما هي تنمية إنسانية، محورها الإنسان وهدفها الإنسان، يكون من شأنها تحقيق الرفاه على نحو عادل اجتماعيا، مع تأكيد الدور الاقتصادي للدولة أو القطاع العام في تحقيق التنمية، وإفساح المجال أمام القطاع الخاص الوطني للمساهمة فيها، مع تحميله مسؤولية وتبعات خياراته الاستثمارية، وإلزامه بالوظائف الاجتماعية لرأس المال.

- والعنوان السادس للبديل التقدمي العربي هو مكافحة الفساد، الذي استشرى في بلداننا، مع تركيز خاص على الفساد السياسي.

- والعنوان السابع في البديل التقدمي العربي هو الوحدة الوطنية والمواطنة الدستورية، بحيث يتصدي اليسار العربي للمحاولات المحمومة الهادفة إلى تفتيت مجتمعاتنا وتمزيقها فئويا وطائفيا وقبليا ومناطقيا واستثارة نعراتها البغيضة وتحويل الهويات الصغرى إلى بديل عن الهوية الوطنية الكبرى، وهذا ما يتطلب فضح مثل هذه المحاولات ودعاتها، والدفاع عن الوحدة الوطنية، ورفع شعار المواطنة الدستورية.

ولكن الأهم من صياغة مثل هذا البديل التقدمي العربي أو غيره هي العودة المستحقة لليسار والقوى التقدمية إلى العمل بين الناس وحمل همومهم والدفاع عن قضاياهم، والعمل على رفع مستوى وعيهم، وتنظيم تحركاتهم من أجل الإصلاح الحقيقي ومن أجل التغيير الديمقراطي... فباختصار شديد لا يمكن إعادة الاعتبار مجددا إلى اليسار العربي إلا بعودته إلى العمل بين الناس ومن أجل الناس... ومن دون ذلك سيكون هذا اليسار يسارا معزولا، يسار مكاتب ومقاهٍ وصالونات مترفة لا صلة له بالواقع الملموس... ولا خيار ثالثا!