الإنسان ذلك الكائن الخلاق!!

سهيل أحمد بهجت
2010 / 10 / 24



إن الإنسان يختلف عن سائر المخلوقات في كونه يمتلك صفة لا تمتلكها كل الأحياء و هي "حب الاستطلاع و الاستكشاف"، لذلك نجد الحديث النبوي يعطي للعالم صفة خاصة بالقول: "ما زال المرء عالما ما طلب العلم، فإن ظن أنه قد علم فقد جهل"، و لا أظن أن موسوعة أو مؤسسة بحثية كانت لتستطيع حصر طبيعة العلم بعبارات أقل من هذه، فالعلم يرتبط ارتباطا عضويا و حيويا بشغف الإنسان و حبه للاستطلاع، و ما محاولات المسيري في الحط من قيم الأدب الحداثي، من خلال نقده الشامل لكل مظاهر الحضارة، إلا محاولة بائسة في جعل الإنسان كائنا حلزونيا قادرا على العيش في قوقعة و بيئة مغلقة عقليا و منطقيا، و لو كان الإنسان قادرا أن ينتقي مسيرة تطوره في الوعي و الاطلاع لكان مخلوقا من نمط آخر غير هذا الإنسان الذي نعرفه، بل كان له أن يصبح إلها لا يحتاج إلى العلم.

إن الكتب الدينية نفسها، و أولها القرآن، تخبرنا الكثير عن سقوط و انحطاط الإنسان، و لكي يرتقي الإنسان لا بد له من تفكيك ذاته حتى يصبح جزءا من كل الأسئلة التي تطرح على المستوى الفلسفي و الاجتماعي و كل مجالات العقل، إن القرآن نفسه يقدم كل أصناف الحيوانات على أنها أمم مماثلة للإنسان {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} الأنعام 38 و على العقل الإنساني أن يكتشف المقصد من هذا التماثل، و ليس ببعيد أن نرى جزءا من هذا التماثل يتمثل في ثقافة "حقوق الحيوان" التي أصبح الغرب معروفا بها الآن، و هذه النقطة يتجاهلها المسيري كليا.

يواصل المسيري حديثه عن مظاهر تفكك الإنسان في الغرب و تجلّي هذه الفكرة في الأدب و الفن الغربيين و أن هذه التفكيكية صارت واضحة بعد نهاية القرن 19 و أن شخصيات الروايات الغربية التي تعيش في عزلة كاملة بين عناصر مجردة متصارعة لا يمكن للإنسان أن يتحكم فيها، أو تواجه ألغازا لا حلّ لها، أو عالما عبثيا لا معنى له، و غيرها من التعابير التي يريد منا المسيري أن نتعامل معها كما يتعامل الطفل مع قصص الغيلان ـ و قد كنا نفعل ذلك و نحن صغار ـ فنبقى على خوف دائم من أن تداهمنا "العلمانية = الغول" بكل ما فيها من "بشاعة المادية" و بالتالي تلتهمنا و تحطم هويتنا المزعومة، كما تفعل الغيلان مع عظام الضحايا، فهدف كل هذا البحث ليس الوصول إلى نتيجة علمية و إنما إثارة الخوف و الهلع لا أكثر، إن الأسئلة التي تطرح في الثقافة الغربية الآن كانت تطرح في المجالس الثقافية في العالم الإسلامي خلال قرون التعدد الفكري الممتدة من القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي إلى القرن السادس الهجري / الثاني عشر ميلادي، و لو لا أن السلطة وجدت بين المفكرين أناسا من أمثال أبي الحسن الأشعري و الغزالي، لما وصلنا في التخلف الآن إلى حد أن أن نتداول النظرية المسيرية التي تناقض العقل و المنطق و الواقع.

و إذا كان المسيري وجد ضالته مقال كتبه خوسيه أورتيجا بي جاسيت (1883 ـ 1955) ((تجريد الفن من الخصائص الإنسانية))، الذي يرى أن الفن الغربي (حتى القرن 19) كان يتعامل مع الواقع المعيش، و لذا كان الفن ممتلئا بمضمونه الإنساني، و كانت الأفكار الفنية تشير إلى أشياء في عالم الإنسان و الطبيعة، أما في القرن العشرين، فإن الفن تم تفريغه من مضمونه الإنساني و أصبح فنا غير إنساني..".

إن الفن الغربي لم يفقد إنسانيته كما يُزعم هنا، و لاحظ معي أن كاتب المقال الذي نقل عنه المسيري توفي في منتصف القرن العشرين و نحن الآن في الألفية الثالثة، طبيعي أن يحن كاتب المقال، و هو ليس استثناءا في النوع البشري، إلى بيئة القرن 19 و يراها أكثر إنسانية، و يكفي دليلا على أن مستوى الفن الإنساني في الغرب في رقي مستمر هو أن لوحات الرسام "فان كوخ" هي الأغلى سعرا في كل أسواق العالم، بالمقابل، لماذا سكت المسيري عن القبح الذي نعيشه في عالمنا الإسلامي و العربي؟ ففي بلداننا هذه لا نناقش أو نتحاور حول ماهية الفن، هل إنساني أم مادي؟ لأن الفن "محرم" أصلا، و الرسامون كلّهم "في جهنم" لأنهم يحاولون أن ينازعوا الله على الخلق!! أليس هذا العقل الخرافي المغرور و المتخلف أولى بالنقد و النقاش؟ أظن أن المسيري و من هم على شاكلته لا يرون بأسا بهذا العقل الخرافي لأنه ببساطة "ذو مرجعية إلهية متجاوزة"!! و بالتالي تنطبق عليهم المقولة الفلسفية "العمى خير من رؤية حؤلاء"، لكن الحقيقة هي أن الحول أفضل من العمى في كل الأحوال، لأن الأحول لو أغمض إحدى عينيه لرأى الواقع كما هو، أما الأعمى فهو أعمى سواء فتح عينيه أم أبقاهما مغمضتين.

و ينتقل بنا المسيري إلى مصطلح آخر هو Decenter (إزاحة الإنسان عن المركز)، و كما ناقشنا الكلمة السابقة Dehumanization فإن وجود كلمة أو مصطلح بعينه في أي لغة لا يعني تعبيرا عن تحولها إلى منهج، فقد بحثت في الموسوعة الاجتماعية Encyclopedia of Sociology فلم أجد لهذه الكلمة استعمالا يُذكر، و إذا كان المسيري سيبقى هو و أمثاله يتعاملون مع المنتج الحضاري الغربي بعقلية "المتلقي" و الذي يقوم فقط بـ"رد الفعل" Reaction فإن النتيجة الطبيعية هي أن لا يتم استيعاب المصطلح و هضمه و تجريده لصبح في الموقع الصحيح للنقد، على العكس، نجد المسيري ينتقي الكلمة انتقاءا و من ثم يقوم بحياكة نظرياته حول الكلمة، لقد مرّ العلم، كالدين، بنوع من الصراع بين ما هو علم واقعي نسبي و ما هو علم مزيف pseudoscientific و كان هذا الصراع سببا في ظهور الصراع المعروف بين الفاشية و النازية مقابل الإنسانية الديمقراطية، و من هنا نجد أن نقد الأساليب الفنية لا يمكن أن يتم بالمنطق المتعارف عليه، و قد رأينا كيف أن الدين تسبب في عالمنا الإسلامي بقتل الإبداع سواء الموسيقى أو الفنون البصرية، بل أن استخدام أدوات الحضارة نفسها أصبح من المروق عن الدين و الارتداد عن منهج "الأسلاف".

فإزاحة الإنسان من المركز لا تعني قطعا أن الإنسان فقد قيمة وجوده، و إنما تعني أن الإنسان لا يمكن أن يكون بالمطلق حاكما على الوجود بحيث صبح أشبه بالإله المطلق، فقد رأينا النص الدّيني كيف ساوى بين الإنسان و سائر المخلوقات، فهل يعني هذا النص الديني المقدس أنه حول الإنسان إلى نوع من قائمة أنواع الحيوانات؟ و بالتالي يفقد الإنسان ذاته كإنسان، أم أن ذلك يدخل في ضمن توعية الإنسان بإدراك نفسه كموجود و كمسئول عن خلق الأفضل و الأجمل على هذه الأرض؟ إن الملاحظ في الفن الغربي، و هو الذي يمل من الركود و التقليد كسائر مجالات الحياة، أنه يحاول على الدوام أن يحول الفن، كأي أداة إنسانية أخرى، إلى وسيلة لاستكشاف خفايا الشخصية الإنسانية و استخدام الألوان و المساقط الضوئية بحيث يتم من خلالها اكتشاف انطباعات الإنسان من خلال رؤيته لأي عمل في، و بالتالي نجد أن كلمات أخرى كـ Humanistic و Depersonalize و Desanctify و Desacralize و Demetaphsycalize و التي استخدمها المسيري في تفكيك الفكر الغربي (بهذا المنطق جعل المسيري العلمانية تعبيرا كليا عن الغرب) لا تعدو كونها أدواة تجريبية لتفكيك لغز كبير اسمه الإنسان.


www.sohel-writer.i8.com
www.sohelahmedbahjat.blogspot.com

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول