قراءة جديدة للدين و العقلانية

سهيل أحمد بهجت
2010 / 9 / 14



الولايات المتحدة
لو قرأنا أي عصر من عصور الدين و حتى في أزمنة الوحي، سنجد أن الضمير الروحي الديني لا يقل شراهة عن ذلك المادي، فقصص الأنبياء في التوراة و أصحاب المسيح ـ و أولهم يهوذا الأسخريوطي الذي خان أستاذه بدراهم فضة ـ و البابوات و في الإسلام نشهد الفتوحات "المبررة بالدين" التي كانت أساسا للغنيمة و السلب و النهب و استعباد الناس و قتل الصحابة بعضهم بعضا و قتل الحسين و آله و أنصاره ـ و هو إبن بنت النبي ـ في القرن الأول للهجرة و قذف الكعبة بالمجانيق و حرقها و استباحة المدينة النبوية و اغتصاب 1000 من بناتها تحت شعار "وجوب طاعة أولي الأمر"، كل هذا و غيره من بحار الجرائم و الفضاعات التي يزخر بها تاريخ الأديان كافة، هو دليل على أن الضمير لا يمكن له أن يعمل مع دافع كالخوف و التهديد بعذاب القبر أو الآخرة، و أوضح مثال على ذلك هو شيوع ثقافة الالتزام بالقانون و المواعيد و العهود في الدول العلمانية و على نقيض ذلك نجد مجتمعاتنا "التراحمية حسب المسيري و التزاحمية حسب رأينا" مليئة بالرشوة و الوساطة و نقض العهود و خرق القوانين، بل و تشريع قوانين مجحفة بحق المواطنين و التمييز بينهم على أساس الطائفة و المذهب و العرق و القومية و الجنس ـ و من ضمن ذلك المرأة ـ و هذه مقارنة مهمة لمعرفة نتاج كل ثقافة.
يقول المسيري:
"ثم يوسّع العظمة من نطاق تعريفه بحيث تصل العلمانية إلى مستوى الظاهرة العالمية الكاسحة و الحتمية فيسميها ((الزمانية العالمية)) (هل ـ السؤال للمسيري ـ تختلف هذه عن العولمة؟) ثمّ يؤكد لنا أن مسيرة التاريخ الكوني آيلة إلى العلمانية الّتي تتبدّى ـ حسب وجهة نظره ـ في تاريخ الإنسانية بأسره، فهي ذات ((وجهة تاريخية، على نحو مقرر، لا انفكاك عنه على جميع الصعد))، و هو أمرٌ تمليه ((القيم العالمية)) أي أن الدائرة الشاملة تتسع لتشمل كل الزمان و المكان في العصر الحديث. (و هنا يحق لنا أن نسأل ـ المتكلم هو المسيري ـ مرة أخرى: ما هي هذه القيم العالمية؟ ما مصدرها؟ ما مضمونها؟ هل أشم هنا رائحة الميتافيزيقا ((و الرؤى الماهوية؟)) أين ذهبت ((الأولوية اللانهائية))؟ يبدو أن هذه ((القيم العالمية)) مفهوم هيجلي يشبه العقل المطلق، أو الحتمية التاريخية و كل هذه المطلقات التي تحرك التاريخ بأسره، و لكنها مع هذا كامنة في المادة و الطبيعة و الزمن، و غير متجاوزة لهم، و من ثم لا يمكن أن نتحدث عن عدم اتساق هنا بين ((القيم العالمية)) من جهة و ((الزمن و التاريخ)) من جهة أخرى." ـ العلمانية تحت المجهر ـ ص 75 ـ 76
و كما فعلنا من قبل فإن تعقيبنا هنا لا يعني تأييدا للمادية بمفهوم الدكتور عزيز العظمة و إنما يعني من جهة أخرى أن نقد المسيري للعلمانية مبني على جملة تناقضات، فالمفاهيم التي يربطها المسيري بالمادة و الطبيعة قسرا ليست أشياء أو ماهيات خارج المادة لتحل في المادة، فالإنسان في العصر الحجري و إنسان الكهوف كان يقدس النهر و جريانه، بل إن حضارات قديمة نظرت إلى النهر كإله واهب، و تقديس النار و الحيوانات، مثل تقديس الفراعنة للقطط و التماسيح و الصقور، كان مرده إلى جهل و ضيق الوعي الإنساني بهذه الظواهر، بل إن الأزتيك Azetics و هنود أمريكا نظروا إلى الفاتحين الأسبان كـ"آلهة" لامتلاكهم الخيول ذات الدروع و دوي مدافعهم و بنادقهم، فهل كان الأسبان آلهة حقا حينما اعتقد الهنود أنهم كذلك؟ و هل أصبح الهنود مادّيين بعد أن علموا أن لا ألوهية كامنة في هؤلاء الأسبان؟ أم هل أصبح الفراعنة ماديين حينما تحولوا إلى عبادة الإله الواحد ـ بعد تطور الوعي ـ بدلا من عبادة مظاهر الطبيعة؟ إن إدراك قوانين الطبيعة و فاعلية قانون العلّة و المعلول و قوانين المادة الذاتية لا يعني أن يتخلى الإنسان عن الإيمان بالإله، فلو أدخلنا الله كجزء من المعادلة المادية لأتهمنا الإله الذي هو غير المادة ـ و المسيري نفسه يُصرّ على أن الله مفارق للمادة كعادة السلفيين في تعاملهم مع فكرة الله كمادة ـ بأنه السبب وراء كل ما نراه من تشوهات المادة و ضررها، و لا يمكن قطعا إيجاد معادلة تضع حدّا واضحا بين أفعال المادة و أفعال الله، فالمادة و قوانينها و الله معاني تتحد و تنفصل في آن معا، أو بعبارة أخرى أن هذه الأفكار تمتلك قابلية الحلول و الانفصام في آن واحد، فهلا أخبرنا المسيري عن ذلك الجنين الذي يتشوه و يولد مسخا بفعل دواء تعاطته والدته، هل يقع هذا التشوه على الله أم على الشركة المصنعة للعقار؟ و هل حوادث السيارات التي يذهب ضحيتها كثير بسبب إهمال الشركات أو الأشخاص أو الافتقار إلى القوانين، هل الله مسؤول عن كل هذا الموت و الدمار أم القوانين المادية و البشرية؟ إن مشكلة الإنسان ليست السؤال: ما إذا كان ملك الموت "عزرائيل" هو من يتخطف الأرواح؟ أم ملاك آخر أو الله مباشرة؟. بل السؤال هو: كيف نوقف أو نقلل أسباب الموت على هذه الأرض؟ و عدم طرح هذا السؤال، و الذي سيعتبره المسيري ـ لو كان حيا حين هذا الخطاب ـ و أضرابه من قبيل "الكفر" و "التعدي على الصلاحيات الإلهية"، لكنه حينما ينظر إلى مشاكل الغرب لا يعتبرها ـ قدرا إلهيا ـ بل سلبيات واقعية هي من نتاج الغرب و نظامه العلماني.
يقول المسيري:
"و على كل يكفينا العظمة مئونة التفكيرو التخمين حين يخبرنا بأن ((الكونية الفكرية)) (أو الزمانية العالمية) ليست مؤسسة على أية قوانين أخلاقية أو مطلقة، غير خاضعة لقوانين التطور المادي (التاريخ و الزمن)، و إنما تستند إلى ((مركّب علماني من النفعية و العلموية و التطورية)). (هل التطورية هذه، محاولة لبقة من جانبه لتحاشي ذكر ((الداروينية))؟). مهما كان الأمر فإن الفلسفات الثلاث التي ذكرها هي فلسفات ذات مرجعية زمنية مادية، لا تهمّش الدين و حسب و إنما تهمش المطلقات و الغائيات الإنسانية، و فكرة الكل، و أي شكل من أشكال الثبات، و أي شكل من أشكال الخصوصية، فهي ((كونية)) و ((عالمية)) و ((حتمية))." العلمانية تحت المجهر ص 75
الحقيقة التي ينبغي أن نتنبه لها هنا، هو أن المسيري قد فشل في إيجاد حل لكل ما أسماه بسلبيات العلمانية ـ خصوصا تلك التي أسماها شاملة ـ فالقضية التي نطرحها هنا ليست ما إذا أفحم المسيري خصومه أم أن خصومه قد أفحموه؟ و هو المنطق اللاهوتي السائد في الشرق الأوسط الكبير الممتد من المغرب و حتى إندونيسيا، بل السؤال هنا هو: سواء كان أي الطرفين خاطئا فهل يحق لهما أن يُعبّرا عن رأيهما بكل حرية و أمان و دون أي خوف؟ أم لا!! الحقيقة هي أن المسيري و العظمة (و كتاب العلمانية تحت المجهر الذي ألفه الإثنان مناصفة خير تعبير عما نراه) يمثلان العقل الشرقي الذي يسعى لا إلى تطوير الفكرة و استنتاج فكرة جديدة منها، و إنما إلى إفحام الفكرة الأخرى و الاستعانة بالقوة = السلطة لقمعها و إلغائها، فالعلمانية العربية كانت على الدوام الأغلب سلاحا في يد السلطة لقمع الحركات المعارضة، و أغلبها هنا كان من "الإسلام السياسي"، و لكن حينما بدأت نخب علمانية معتدلة "ديمقراطية لبرالية" بالظهور، أخذت هذه الأنظمة و النخب الحاكمة تنحو منحى دينيا متطرفا، أن الأنظمة العربية بكل نظمها الملكية و الجمهورية على السواء، دعمت التدين الخرافي و الإيمان بالقضاء و القدر، و في نموذجي العراق ما قبل 2003 و في النموذج المصري بعد انقلاب عبد الناصر، نجد أن السلطة تسعى في الغالب إلى دعم النقيضين، إسلامي "إيماني" ضد علماني "مادي"، و كلاهما مدعو هنا للتطرف لكي ينجح تفكيك المجتمع و تمزيقه من قبل السلطات، و لكن المسيري يصر على تحويل كل سلبيات مجتمعاتنا إلى الغرب و سياساته، و إذ بدى للوهلة الأولى للباحث أن هذا الموقف هو نوع من تنزيه الشرق و جعله "مثاليا" و بدون أخطاء!! إلا أن النتيجة الواقعية هي نقيض لهذا الاستنتاج، فالشرق بهذه الكيفية لا يعدو كونه متأثرا بالغرب دون أن يكون هناك أي فعل للشرق أو تأثير على محيطه الحضاري.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول