العلم من وجهة نظر جمالية

سهيل أحمد بهجت
2010 / 6 / 24


العلمانية كنظرية و نظام عقلاني تمثل درجة عالية من الرّقي العقلي و العلمي الإنساني بحيث يعيش الإنسان في ظلها آمنا مطمئنا إلى أن يفكر دون خوف من الحساب أو القتل، بل إن عبد الوهاب المسيري نفسه ـ و هو الذي قضى حياته ناقما عليها لكونها غربية المنشأ ـ حظي بنوع من فتاوى التكفير، ليكون فكره ذاته ضحية عقلية المثاليات و المطلقات التي يُنـــظـّر هو لها، فالعلمانية الحقيقية ـ و هي غير الدولة الإلحادية ذات الدين بلا إله ـ لا تجبر أحدا من مواطنيها على أي عقيدة، حتى تلك الإلحادية منها، فالعلمانية هي نسبية الحقائق و هو ما يعني إتاحة المجال أمام العقل لاكتشاف الحقيقة و المنفعة دون حكم مسبق عليها بالخير أو الشّرّ، فبدون إضافة الإنسان إلى الموضوع لا معنى للجمال و القبح في الأشياء بدون وجود الإنسان الذي هو المقياس، و نحن نجد الكتب السماوية كيف أنها تبدأ في ربط الله و الوجود بالإنسان و قصة خلقه، من هنا كان جدال القدماء من المسلمين في أسبقية العقل على النصّ أم أن العكس هو الصّحيح، و الحقيقة هي أن الحقيقة الدّينية نفسها هي من صنع الإنسان الذي يلائم بين الدين و الانتفاع من هذا الدين ـ حسب الحاجة طبعا ـ و من هنا يحصل التوازن بين طغيان مظهريّ الحقيقة و هما المادة و الروح و يكون الإنسان حرا على أساس هذا التوازن.
و هنا يحاول المسيري أن يستخلص نوعا من التناقض في فكرة الثنائية التي تجمع بين المادة و الروح فيما سبق من الأطروحات، فيقول:
حتى الآن نتحرك في إطار رؤية فلسفية مادية واضحة، يحاول صاحبها أن يدفع بها إلى نهايتها المنطقية حين يقوم بتطبيقها على الواقع الاجتماعي فيقول ـ يعني محمد رضا محرم ـ ((العلمانية من العالــَـم، و العلماني هو الإنسان.. المشغول بأمور المعاش في الدّنيا، و يقابله الكاهن المنقطع في المؤسسة الدّينيّة))، فكأننا نقف هنا أمام نقيضين بسيطين متطرفين، إنسان منشغل بأمور الدنيا، و كاهن مستوعب في أمور الآخرة، و بطبيعة الحال يفضل الدّكتور محرم الانشغال بأمور الدّنيا و حسب، ((و مع شطب الكاهن من جماعة المسلمين، لا يبقى غير المسؤول بأمور المعاش في الدّنيا))، أي أن كل الناس في العالم الإسلامي مشغولون بأمور الدنيا و حسب، و من ثم يصل محمد رضا محرم إلى نتيجة مذهلة و هي أن: ((كل المسلمين بالتالي علمانيون)) و لكن حيث أن الانشغال بأمور المعاش مسألة إنسانية عامة، فإن محمد رضا محرم لا يتردد في القول: ((إن الناس علمانيون بالفطرة))، أي أن العلمانية مسألة لصيقة بالطبيعة البشرية، و هذا هو المسار الطبيعي للحضارة الإنسانية، مما يعني أن العولمة مسألة حتمية هي الأخرى." المصدر ص 68
و بعد أن يورد اشتراط الكاتب محمد رضا محرم وجود العلمانية في نسق قيم إيجابية، فإن المسيري يبدأ في الإشكال على أن هذا تناقض من حيث أنه رأى مسبقا أن العلمانية هي الإلحادية و لا تقبل مقياسا غير المقياس المادي للحياة، لكن المسيري يتجاهل أن النظرية الدّينية لها جانبها السلبي من حيث الإيمان بالقدر الحتمي و أن لا حدود ملموسة بين الإيمان الديني و الغيب و بين الخرافة و الأسطورة، تنبهت إلى هذا الإشكال منذ سنوات حينما ناقشني أحدهم في قصة عن ركوب سليمان للرخ أو العنقاء و حينما ناقشته في أن هذا الطائر هو "خرافة" أفحمني بمنطق الغيب و المعجزات، و الغريب أن النبي سليمان إلتقى بهارون "الرّشيد"!! العباسي، من هنا فإن من طبيعة العلم أنه يقوم على الشّك و لأن مجتمع أبو حامد الغزالي كان مجتمعا عقليا علميا فقد بدأ الغزالي رحلة طويلة من الشّك، لكن ردّ فعله كان سلبيا تماما تجاه العقل، و هنا نجد أن الدكتور علي الوردي وقع هو الآخر ضحية موقف الغزالي من العقل، فالعقل عند الدكتور الوردي حاله حال الأعضاء الأخرى للإنسان هو مجرد أداة للبقاء، لكن الإعتراض المهم على الدكتور الوردي هو أن العقل كمفهوم يختلف في الوعي الإنساني من عصر إلى آخر، فالإنسان انتقل من الخوف من الطبيعة إلى الإيمان بالهيمنة على الطبيعة و في النهاية يصل إلى أن العقل رغم عظمته ينبغي أن يعترف بجوانبه المحدودة و النسبية.
إن العلمانية تعترف بالدين من حيث تخليص الإنسان من نهايته إلى الفراغ و لكن لا يمكن لرجل الدين استغلال وظيفته ـ المتعلقة بالانتهاء إلى عالم الغيب ـ من أجل تحقيق أهداف دنيوية و هو ما رأينا للقرآن موقفا واضحا و قطعيا في فصل الدين و هو وسيلة نبيلة للخلاص لتحقيق ربح نسبي محدود، و لا يمكن للعلمانية أن تتحول إلى دين ـ بالرغم من أن الدين نفسه يصدر أجوبة متناقضة و كثير من أجوبته تعكس قناعاتنا الشخصية أكثر من كونها نتاجا للنص المقدس نفسه، خذ على سبيل المثال الدكتور علي شريعتي الذي كان معروفا بتديُّنه و كان يترحم على أستاذ فرنسي "مسيحي" و يرجو له الجنة، بينما كان بعض الملالي في الحوزة من ذوي العقول التقليدية يعتبرون موقفه هذا خروجا من أساسيات الإسلام، و هكذا نرى أن النص الدّيني نفسه قابل للتأويل الإيجابي و السلبي على حد سواء.
يقول الدكتور المسيري:
و إذا كان هناك ثمة تأرجح بين الدائرتين في تعريف محمد رضا محرم، فإن تعريف مراد وهبة واضح تمام الوضوح، صـُلب تمام الصلابة، فهو يذهب إلى أن ((الفصل بين الدين و الدّولة)) (الدائرة الجزئية الصغيرة) هو مجرد معلول لعلة، هذه العلة هي الرؤية الشّاملة الكامنة (الدائرة الأكبر) وراء مثل هذه الإجراءات، فيذهب إلى أن العلمانية هي ((تحديد الوجود الإنساني [كل الوجود الإنساني] بالزمان و التاريخ))، و هو يوضح لنا ماذا يعني يقوله هذا حين يقرر أن العلمانية هي ((التفكير في النسبي بما هو نسبي و ليس بما هو مطلق)).." العلمانية تحت المجهر ص 69
إن هذا النص المنقول من قبل المسيري عن كتاب "الأصولية و العلمانية" ص 58 لمؤلفه مراد وهبة إنما يوضح حقيقة تطور الوعي الإنساني عبر أجيال و عصور من الجهل و المعرفة و إعادة صياغة المعرفة، و لربما يأتي زمان على الإنسانية تنظر فيه إلى عصرنا هذا المليء بالمخترعات و الآلات العجيبة كنظرتنا اليوم إلى إنسان العصر الحجري أو القرون الوسطى و عصور الظلام، فالعلم لا يقاس بمقياس الحسن و القبح ـ كما يريد لنا المسيري أن نقيس ـ و لا يجوز لنا أن نصف العلم بالشر كما يفعل المسيري الذي اعتبر العلم و الوعي و الفلسفة "خطيئة" كما هو واضح من انحداره من نقد "العلمانية" كفكرة فلسفية مجردة لينتهي بسلبية الحضارة و كل المنجزات الحديثة ـ و أعتقد أن سلبيتها عنده تكمن في كونها غربية ـ و لحد الآن نحن ننتظر أن تخترع مجتمعات "التراحم" و "التدين" سيارة تسير بقراءة الفاتحة أو طائرة تطير بحمد الله!! و نحن هنا لا نتهكم بالدين بقدر ما نسخر من الإساءة إلى الدين عبر خلطه بشؤون هي قطعا منفصلة تماما عن اختصاصه الروحي و النفسي.
إن قُبح العلم أو جماله و كذا التطور و الاستنارة إنما تطلق بمقدار استفادة الإنسان منها أو تعرضه لأذاها، إن العلم و التنوير في الحقيقة هما شيئان إيجابيان و إن لم ترق بعض نتائجها للإنسان، إن مسألة موقف الإنسان من الحقيقة الواقعية و إن كانت مؤلمة أحيانا إلا أنها أفضل من الجهل على كل حال، و ينطبق هذا المثل على المرأة التي تحسب أن زوجها عفيف و لا ينظر بنظرة الحب إلا إليها و لكن الحقيقة و الواقع هو أن زوجها يخونها مع أخريات و يغدق عليهن المال، فيا ترى هل يريد المسيري لهذه المرأة أن تبقى جاهلة بالحقيقة و سعيدة ؟ و كيف يمكن أن تبقي هذه المرأة نفسها جاهلة بالواقع؟ مع أن العلم و الإدراك و التمييز هي من جملة الأمور غير الاختيارية، و حتى لو تظاهر الإنسان بغير هذا فهو إنما يتجاهل الواقع و لا يجهله، و القرآن نفسه صرح بوضوح لا لبس فيه أن الإنسان العالم أفضل من ذلك الجاهل، كقوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} الزمر 9 {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} الأنعام 50 {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} هود 24 {هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} الرعد 16 و هكذا نجد النصوص المقدسة نفسها تؤكد على التساؤل و البحث، و التوراة أيضا تحوي سفرا عظيما من هذا الصنف هو سفر الحكمة الذي يبدو ظاهريا ككتاب إلحادي يسم كل شيء بالبطلان إلا أنه في الواقع يشحذ الذهن بالأسئلة المنتجة.
إن إنسانية الإنسان تكمن في واقعيته، و إذا فقد الإنسان حس الواقعية بحجة "المرجعية المتجاوزة" و ما إلى ذلك، تجده يفتقر إلى تشخيص المعاناة و المشاكل التي يعيشها الإنسان و يقع في النهاية ضحية "القدرية الوهمية المتفائلة" و بالتالي يعالج كل كارثة طبيعية أو انتشار وباء أو سقوط ضحايا نتيجة سياسة حكومية غبية بالعلاج السحري السريع و هو وصف المشكلة بأنها "إرادة الله" و "حتميات القدر" و "نصيبك لازم يصيبك" و غيرها من الأكاذيب التي ظاهرها إيمان كامل و باطنها كفر شامل، إذ تصبح كل الشرور و الآفات نتيجة "الإرادة الإلهية" و يكون الله حينها ـ حسب مفهوم المسيري و غيره ـ ضارا أكثر من كونه نافعا.
فالمسيري يحتج على مراد وهبة و تعريفه للعقل بأنه "العقل الذي لا يتجاوز العالم، و لا يتحرك إلا في إطار النموذج الطبيعي/ المادي، و هو نموذج عام لا يعرف الخصوصيات و لا الثنائيات، و لا يفرق بين حيز إنساني و آخر طبيعي/ مادي، يردّ كل شيء إلى المادة، و المادة وحدها.." المصدر السابق ص 70
و هذا الاتهام ـ الذي يؤشر إلى تمسك المسيري بالخصوصيات دون المشتركات بين بني الإنسان ـ يوقعنا في نفس النظرية التي كان ينتقدها، أي النازية و ما أسماه بالصهيونية التي يعتبر أنها تنادي بالخصوصية القومية و التمايز، فمن جهة اعتبر أن الإنسان هو حيز مستقل عن الطبيعة و أن الإنسان و من خلال هذا السياق النظري هو متعال و منفصل عن الطبيعة رغم امتلاكه لخصائص الطبيعة من حيز و إدراك و وعي و حواس و غريزة و ما إلى ذلك، لكن هذا الإنسان ينقسم مرة أخرى عبر النظرية المسيرية إلى متعال و منحط و ناقص، فالإنسان الذي لا ينسجم مع تعريفه للدين ـ و الذي قيّد الدّين مسبقا في عقيدة بعينها ـ هو إنسان مادي (ذو بعد واحد) كما يسميه المسيري، و هو يترك أمر معالجة هذه الإشكالية إلى غيره، إن المسيري إذ ضيق مفهوم المتعالي ليشمل فقط "الإسلام السني السلفي" أعادنا القهقرى إلى القرون الوسطى و الحكم الديني الذي يحاسب الناس على أفكارهم و نمط حيواتهم، و سنرى كيف أن تنظيره يناقض نفسه بنفسه ليكون تنظيره "للهوية" و "الخصوصية" تكرارا ممجوجا لكل الخطاب الخطاب الإسلامي و القومي المتقوقع حول الذات.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول